المقاومة تؤسس لعالم عربي وإسلامي جديد

د. عماد لطفي ملحس / الأردن

مع دخول العدوان الأمريكي - الصهيوني على لبنان شهره الثاني، وصدور قرار "مجلس الأمن" رقم 1701، يتزايد إحساس أبناء الأمة العربية والشعوب الإسلامية بالفخر والاعتزاز الممزوجين بالألم والمرارة. فخر واعتزاز بأول حرب حقيقية تخوضها فئة قليلة من العرب والمسلمين في مواجهة أعتى قوة إقليمية ممثلة لأعتى قوة عالمية، بصمود عزّ نظيره، وبنتائج باهرة غير مسبوقة. وألم ومرارة للتضحيات الهائلة التي يقدمها الشعب اللبناني بجميع طوائفه وفئاته ومناطقه، وللحالة المزرية التي وصل إليها النظام العربي الذي لم يعد يملك من أمره سوى الإمعان في التخاذل والتواطؤ والقمع، ولحالة السقوط القانوني والأخلاقي التي وصل إليها ما يسمى بـ "المجتمع الدولي " الخاضع للهيمنة الأمريكية – الصهيونية.

حين فرضت المقاومة اللبنانية قبل ستة أعوام على العدو الصهيوني الانسحاب من جنوب لبنان دون اتفاقية ولا تدخل من "المجتمع الدولي"، فإنها كانت تؤسس لمرحلة لاحقة من المقاومة الشعبية العربية وليس اللبنانية فحسب. ذلك أنها أعطت درساً للمناضلين العرب مفاده أن بإمكان قوة قليلة من المقاتلين المؤمنين الصامدين المدعومين من قطاعات جماهيرية واسعة، أن تحقق صموداً فردعاً فهجوماً فانتصاراً. وها هي اليوم تضيف مأثرة جديدة، نتيجة إدارتها الفذة للصراع في أرض المعركة وللصراع السياسي على المستويين الداخلي والخارجي. ذلك أن العدو الذي تذرع في بداية الحرب بالأسيرين، وبتطبيق القرار 1559 لشن عدوانه، لم يجد أمام الضربات المحكمة التي تلقاها من "حزب الله" وعجزه عن المواجهة غير الدخول في حرب مفتوحة على جميع الاحتمالات، فراح يبطش بوحشية منقطعة النظير مستخدماً آلة الدمار الأمريكية الأكثر حداثة في العالم، فقتل ودمّر وأحرق بحقد مختزن من هزيمته المنكرة قبل ستة أعوام، وتطبيقاً (لعقيدته) القائمة على جواز ذبح كل ما هو عربي ومسلم بما في ذلك النساء والأطفال بحسب حاخاماته. وها هو يهرب إلى الأمام في عملية احتلالية جديدة لجنوب لبنان، متغطياً بالقرار الأممي الجائر الذي يتيح له الاستمرار في عدوانه وبطشه، في محاولة يائسة للتغطية على هزيمته المنكرة المحققة، وليدفع مقابل ذلك ثمناً باهظاً وخسائر متصاعدة في رجاله وآلياته.

إن الصمود الأسطوري للمقاومة اللبنانية ممثلة "بحزب الله"، على امتداد أكثر من شهر، أعاد الاعتبار للمسلـّمة التي استندت إليها المقاومة الفلسطينية عند انطلاقها قبل أكثر من أربعين عاماً، وهي أن استعادة الحقوق العربية المغتصبة لا يمكن أن تتم دون مقاومة مسلحة وحرب شعب طويلة المدى. لقد أثبتت قيادة "حزب الله" ومقاتلوه الذين لا يزيد عددهم عن بضعة آلاف أن العدو قوي حين لا نقاتله، وأن بالإمكان تحطيم أسطورة جيشه الذي لا يقهر، كما أثبتت أن تغيير موازين القوى الإقليمية والعالمية يعتمد أساساً على ما يمكن أن يتحقق في ميدان الصراع المباشر، وليس على المناشدات الجوفاء والتسويات التفريطية ووهم السلام الزائف.

ورغم ذلك، فلا أظنّ أن عربياً أو مسلماً واحداً، لديه وهم بأن "حزب الله" بإمكانياته المتواضعة قياساً بإمكانات العدو، قادر أن يحقق – وحده - أكثر من معجزة الصمود والردع التي حققها ويحققها يومــــياً، وليس لديه أي وهم بأن الأنظمة العربية يمكن أن تتخذ موقفاً مشرّفاً مما يجري، أو أن ما يسمى بالمجتمع الدولي يمكن أن يكون عادلاً ومنصفاً بحق العرب والمسلمين. لذا، فإنه لا مكان لخيبات الأمل أو الاستغراب أو الاستهجان، لأن المواطن العربي بصفة عامة قد أصبح على درجة جيدة من الوعي بطبيعة القوى المختلفة، وبطبيعة الصراع الذي تخوضه الأمة ضد أعدائها، بل إنه أصبح محصّناً بدرجة لا سابق لها ضد الحروب النفسية التي تشنها مختلف القوى المعادية بهدف النيل من حماسه ودعمه للمقاومة المسلحة، سواء في لبنان أو العراق أو فلسطين، يستثنى من ذلك أصحاب المصالح الشخصية اللامنتمين والقوى والمنظمات المرتبطة وتجار الحروب اللاوطنيين، الذين انكشفت أوراقهم وأجنداتهم وباتوا أكثر عزلة واحتقاراً.

نعم، انتصر "حزب الله" في معركة ليس فيها أي قدر من التكافؤ، فكان ندّا قويّا وخصماً عنيداً، ردّ الصاع صاعين، فطالت صواريخه عمق كيان العدو، وأوقع فيه خسائر بشرية وعسكرية ومادية ضخمة لم يمن بها في أي من حروبه السابقة، وعمّق من تناقضاته الداخلية فبانت علامات التخلخل واضحة على هذا الكيان القابل للتفكك والإزالة. لقد كسبت المقاومة الإسلامية في لبنان قلوب وعقول العرب والمسلمين والأحرار على امتداد المعمورة شأنها في ذلك شأن المقاومة العراقية المذهلة والمقاومة الفلسطينية العريقة الباسلة، وفرضت واقعاً جديداً لا في لبنان فقط بل وفي عموم الوطن العربي والعالم الإسلامي، الأمر الذي سيؤدي - طال الزمان أم قصر- إلى نهوض شعبي تحرري، يؤسس لعالم عربي وإسلامي جديد لا مكان فيه للكيان الصهيوني الغريب المصــطنع، ولا للاحتلالات والأطماع الامبريالية الأمريكية وغير الأمريكية، ولا للمتخاذلين والمتواطئين والمستسلمين.