أسواق النفط وانعكاساتها الاقتصادية

بقلم الدكتور لويس حبيقة - لبنان

تشغل أسواق النفط بتقلباتها اهتمام العالم أجمع لتأثيرها المباشر على استمرارية وتكلفة الإنتاج. ستستمر الأسعار في التقلب على المدى القصير بسبب الأوضاع في مناطق الإنتاج وخاصة في المنطقة العربية. بالرغم من أن الاعتداء (الاسرائيلي) يطال لبنان فقط، إلا أن تأثيراته تصيب السوق النفطية العالمية بمجملها. تفسر هذه التقلبات ضعف الاستثمارات الجديدة في الأسواق النفطية وتوجهها إلى أسواق أخرى أكثر استقرارا. يحتاج العرض النفطي الدولي إلى استثمارات تتعدى 3 ألاف مليار دولار (أو 6% من الناتج العالمي) بين اليوم وسنة 2030 حتى يلبى الطلب. هذا ممكن لكنه غير مؤكد، هنالك مؤشرات أسعار نفطية مختلفة، إذ أن سعر البرنت الخام مثلا يرتفع نصف دولار عن معدل سعر الاستيراد لمجموعة الدول الصناعية OECD وينخفض ما بين دولار ودولار ونصف عن سعر غرب تكساس WTI. لذا من المهم أن يعتمد الباحث مؤشرا واحدا عند تحليل تطورات أسعار النفط تجنبا للأخطاء والتناقض. كما يجب أن نركز على مفهومي الكثافة والفعالية النفطية إذ أن الواحد هو عكس الآخر. المطلوب المزيد من الفعالية والتخفيف من الكثافة النفطية في الإنتاج والاستهلاك.

تعتمد توقعات الأسعار على التقييم الصحيح لدرجة نمو الاقتصاد الغربي، على كثافة استعمال النفط في الإنتاج، على مدى توافر السلعة مستقبلا خارج مجموعة (الأوبيك) كما على حجم الطلب العالمي عليه، يزيد الطلب العالمي على النفط سنويا بنسب تتدنى مع الوقت، أي لا تتعدى ثلث زيادة الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، من المتوقع تبعا لوكالة الطاقة الدولية IEA أن يبلغ حجم الطلب اليومي على النفط حوالي 120 مليون برميل في حلول عام 2030. ستأتي الزيادة الكبرى في الطلب من أميركا الشمالية بالتزامن مع زيادات متوقعة كبرى من آسيا وخاصة الصين، بينما تنخفض كثافة الاستعمال النفطي في الدول الغربية ترتفع في نفس الوقت في الدول الناشئة والنامية ربما باستثناء الصين (تبقى الكثافة الصينية في كل حال مرتين أعلى من المعدل الغربي). تقع زيادة الطلب خاصة في قطاع النقل. بالرغم من تدني الكثافة النفطية في الآليات والسيارات والطائرات وغيرها، زاد عددها كما زاد استعمالها للسفر والتنقل المحلي والدولي.

استطاعت الدول الغربية امتصاص زيادة أسعار النفط في اقتصادها بنجاح إذ أنها لم تنعكس بقوة على المؤشرات التضخمية، كما أن تأثير ارتفاعها على الإنتاج كان محدودا بسبب تركيز الاقتصاديات الصناعية على تخفيف كثافة السلعة النفطية في الإنتاج. لم تنجح مجموعة الدول الغربية بنفس الدرجة إذ أن كثافة الاستعمال النفطي الياباني تعادل مثلا نصف الكثافة الأميركية بسبب نمط الحياة الأميركية المرتكزة على الاستهلاك والتنقل والسفر وبعض التبذير علما أن التكنولوجيا والتشريعات متقاربة في الدولتين. لا شك أن الضرائب المرتفعة على النفط ساهمت في تنشيط البحث والتطوير لزيادة فعالية استعماله في الإنتاج والاستهلاك. سيستمر اعتماد الاقتصاد العالمي وخاصة الغربي بقوة على النفط، إذ لا بديل واقعي عنه حتى اليوم (يتوزع عرض الطاقة الأولية حاليا على 39% للنفط، 26% للفحم و23% للغاز ولن تحصل تغيرات كبرى حتى سنة 2030).

سيزيد الاعتماد الدولي على مجموعة الدول المصدرة للنفط (أوبيك) كمصدر للسلعة بسبب توافر الاحتياطي الكبير في باطنها (ثلثا الاحتياطي العالمي المعروف أهمه في السعودية وثم ايران فالكويت والإمارات). من المتوقع أن تستمر أسعار النفط مرتفعة في العقد الحالي أو ترتفع قليلا مما يساهم في زيادة الحجم الاقتصادي والمالي (لأوبيك). فالنفط ليس المادة المعدنية الوحيدة التي ارتفعت أسعارها منذ سنة 2003، إذ أن الذهب ارتفع بنسبة 52% والألومينيوم بنسبة 68% والزنك (212%) والفضة (141%) والنحاس (184%) وغيرها. هنالك عوامل مشتركة تحرك هذه المواد المعدنية بالاتجاه نفسه وان يكن بنسب مختلفة.

لزيادة أسعار النفط الأخيرة تأثيرات ايجابية كبرى على الاقتصاديات المنتجة، فأحسنت إنفاق الإيرادات وادخرت قسما كبيرا منها. نمت الاقتصاديات المصدرة للنفط سنويا بنسبة 7% في فترة 2003 - 2005 مقارنة بـ 4% فقط في فترة 1999 \ 2002 بسبب القرارات الاستثمارية الجديدة الصائبة والمتنوعة، بقيت المؤشرات التضخمية معتدلة جدا ولم ترتفع أسعار الصرف الحقيقية كما كان يحصل في الماضي، استطاعت أكثرية الدول المنتجة معالجة موضوعي عجز الميزان التجاري والموازنة عبر سياسات مناسبة ذات أهداف مركزة، هنالك إذا نقلة نوعية في السياسات الاقتصادية المتبعة من قبل الدول المنتجة. في الماضي وتبعا لدراسات متعددة كانت تنفق الإيرادات المالية الإضافية على الاستهلاك وربما التبذير، أما اليوم فتذهب إلى الاستثمارات المدروسة لرفع الإنتاجية في كل القطاعات، ترغب الدول الغربية في أن تستثمر الدول النفطية في اقتصادياتها بحيث تستعيد ما أنفقته على النفط المستورد، إلا أن التجاوب مع هذا التمني ما زال خجولا بسبب رغبة الدول النفطية في الاستثمار في اقتصادياتها الداخلية. لا شك أن للاقتصاديات المصدرة للنفط الأولوية في إنفاقها الاستثماري ثم تأتي الدول النامية وبعض الناشئة التي تعاني من المشاكل الصحية والاقتصادية والإنسانية.

في سنة 2005 بلغ مجموع المبيعات النفطية لدول (الأوبيك) حوالي 700 مليار دولار، فوصل مجموع الادخار إلى حدود 400 مليار وهذا جيد جدا ويدل على الاستفادة القصوى من الدروس السابقة بل من الفرص الضائعة الكبيرة. تشير هذه الأرقام إلى استطاعة الدول العربية النفطية بسهولة تمويل "إعادة إعمار لبنان" مهما بلغت التكلفة نتيجة العدوان (الاسرائيلي) القاسي الذي يتعرض له. تعتبر سوريا أيضا دولة مصدرة للنفط حيث تبلغ نسبة قيمة الصادرات النفطية من المجموع حوالي 70%. تدنى الإنتاج اليومي من 600 ألف برميل في سنة 1996 إلى حوالي 400 ألف اليوم، إذا لم تكتشف سوريا احتياطي نفطي جديد، ستصبح مستوردة صافية للنفط خلال عقد من الزمن. بلغ النمو الاقتصادي السنوي الحقيقي مؤخرا حوالي 3% فقط مع تضخم مرتفع بلغ 7%. تحتاج سوريا إلى المزيد من الاستثمارات في كل القطاعات، خاصة النفطي وذلك لاستيراد التكنولوجيا وتحفيز النمو. لا بد وأن تنظر سوريا أيضا إلى إنفاقها العام وسياسات الدعم وتقرر ما إذا كان الوضع المعيشي جاهزا لإدخال الضريبة على القيمة المضافة في سنة 2008. يبقى أن تحرر سوريا تجارتها الدولية أكثر وتحسن المناخ الاستثماري العام مع الأمل في الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية قبل نهاية هذا العقد.

من ناحية أخرى، هل من المنطقي أن تستمر الدول العربية النفطية في ربط عملاتها بالدولار أي بنقد دولة تعرف عجزا كبيرا في الموازنة وفي ميزان الحساب الجاري؟ هل من المنطقي ربط سعر الصرف الوطني بنقد ينخفض في الأسواق وبالتالي خسارة قسم من الإيرادات الحقيقية النفطية بسبب هذا الربط؟ من المفروض أن تفكر الدول العربية النفطية بسياسات أكثر واقعية كربط سعر الصرف بسلة من العملات تضم إلى الدولار اليورو والين على الأقل. ما زالت دول (الأوبيك) تعتمد بشكل أساسي على الإيرادات النفطية، إذ يشكل الناتج النفطي من المجموع حوالي 29% في الإمارات، 32% في السعودية، 58% في قطر و42% في الكويت. ترتفع هذه الأرقام كثيرا إذا أخذنا نسبة الصادرات النفطية من المجموع، فتصل إلى 84% في السعودية و 79% في قطر و73% في ايران و94% في ليبيا، أما نسبة الإيرادات النفطية من مجموع إيرادات الدولة، فتبلغ 77% في الإمارات و80% في الكويت. ربما تشكل هذه الإيرادات المالية الإضافية الصحية دافعا لتنفيذ العديد من الإصلاحات الاقتصادية التي طال انتظارها وخصوصا تحقيق التنويع الإنتاجي في كل الاتجاهات.