تصيرُ أغْصانُ الأسابيع خَضراء

موسى حوامدة

أسدي للصيف نصيحةً تليقُ بليله المنعش، أقلِّل من حجم الخسارات التي تستبيح الذاكرة، وتنقص من فرص الأمل والتفاؤل، أمنح سهول الكمال وردةً من عاطفتي المشبوبة بالنسيان والتماهي، وإن كان علي أن أعدِّد حسنات الصيف، فليس أقلها التقاء السهر بالضجيج، ورحيل النوم إلى ساعات القيلولة والظهيرة، وانحسار العناء عن ثمر الزهو، ورخاء الكستناء.

يحط تموز بهجَته بلا تمارين صباحية، كلُّ ما في الأمر، أنه يكسر استرخاء حزيران، ويمسح دمعةً تخثرت حتى صارت صمغا، من على ساق الشجر المقهور، ويزيد من حصة الجنون والنشوة الطاغية، بعدَ ثِقَل الذكرى، التي لا تترك للأيام مهلةً، لتوضيب مساءاتها، وترتيب لياليها، وتجميل صورة القتلى.

مرَّ شهر الهزيمة السوداء، تاركا ندوبه حسرة في قلب السنوات، مرَّ حزيران المتشح بالسواد، وحين يجئ السابع القادم لترييح السنين من عناء بداياتها ونهاياتها، القادر على نضج الفاكهة، وعذوبة الينابيع، تصير أغصان الأسابيع خضراء، تظلِّلُ الحرَّان، وتمنح القيظَ فرصةَ التخلي عن قساوته.

لعل التلاعب بالمسميات، ليس حيلة او تسلية، ولعل تداول الأشهر، أهم من تداول الأسهم والفوائد والمنافع المادية، فهنا تنتقل الكواكب من مداراتها، وتغير الأرض من قلقها، وتفتح للتغيير فرصةً، لا تتوفر لذوي العقول المتحجرة، الذين يريدون ايقاف الكرة الأرضية والكون كله فوق رأس إبرة صدئة.

لكن ما يعزي الطين، أن المجرات، لا تلتفت لتنظيرات السلفيين، وفلسفة المتعبين من لهاث الشهرة، أو وظيفة التلقين، وجذب المستميعن، بشتى الحيل والتفانين، فتكمل الأيام سيرتها، ويجئ تموز حافلا ببداية نضوج الكرمة، مبشرا بلياليه المبهجة، وإن تمنع كثيرا في فرحه الطارئ، كما تفعل بقية الشهور، لكنه يجيء هذه المرة، فاتحا ذراعيه للوعد الأخضر، مرتاحا لطيش الجبال، وصهيل المسافات.

 

إلى عبير زكي،

وما فَزِعَ الصباحُ من حكمة المساء

موسى حوامدة

لكأن الأرضَ طيعةٌ لصهيل البنفسج، لكأن الحرير صنع من ملاسة العاطفة، وقماش الشهوة، وبساط السماء، وما بين تفسير العذوبة وتطويع المرئيات، كبرياءٌ يفيض على عين الشمس، يحمل تلافيف تاريخ الرغبة المدفونة، وثنايا النشوة البعيدة، ويدفع الرعشة لإغراق الجبال بماء الأزل.

يذوبُ الصبر رويدا، مثلما ذاب القمر في كأس الفجر الندي، أمام عيني، يتحلل جسد القسوة، ويتلاشى زمهرير الخوف، وظنون الصحاري الجاهزة لوأد الغيوم الراغبة في التشكل.

ما بين الحلم والتخيل، وجدت شجر التين في سهوب المشهد، تبدل مذاق المعرفة، وصار لسان السنوات حلوا، مدربا على التفريق بين الثمر الشهي والفاكهة النية المنتشرة في حقول الكتابة، وشعاب الكآبة، ومثلما حمل العندليب صوت الحرية، حملت خياناتي الى بيت الشفق، طوقتُ جيد الأرض بخاتم النعيم، وما راق للمجانين سوى اكتمال الجسارة بالجرأة، وارتباط الوله بأعالي الحنين، وما فزع الصباح من حكمة المساء، ولا تكبد الضحى عناء تعليل الهديل.

راحة الطيب، تمسد وجه الحكاية، تبلل ثغر الثناء، بقطرات الكناية، تستبيح مهجع التاريخ لتوقظه من مهزلة التطويع، وتوقد شعلة البهجة، وهي تدير الحيرة في كؤوس الناهلين.

يد المتعة تصافح أصابع الرضا، تسقي حدائق القطيعة، وتنثر الرذاذ فوق ورق الأيام المصفرة، تحيل القتامة إلى محكمة الجزاء، وتمنح المتهمين فرصة المرافعة، تاركة باب الحرية مفتوحا للراغبين في تغيير جهامة الألوان.

***

الحرقة تنز من شظف الجوانح، تسيل ينابيع الطموح، والبداية لم تكن سوى إعادة الاعتبار لسيرة الكائن، في دفتر الكلمات المكتوبة قبل أن تسير في أرض الأبدية قدمان.

تبلغ الضغينة مقتلها، وينهار جرف الكراهية، في جوف العدم.

وليس من طريق يعبره الغرقى سوى طريق النجاة المحكوم دائما بالوصول.