قراءة فيما بعد حيفا..

حمدان حمدان/كاتب وباحث من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا

في سيرورة الصراع مع "اسرائيل"، فأن ما تحمله لبنان لم يتحمله أي بلد عربي آخر، وتبدو المقارنة بين حروب عربية – "اسرائيلية" خمس، والحرب السادسة الأخيرة، وكأنها مقارنة بين قلة الكلام والفعل أو بمعنى أدق، بين العجز في التبرير والإرادة في التعبير، ويتأمل المرء حقا، في نتائج حروب عربية سابقة، تطاولت في الزمن التاريخي لمرحلة عربية كاملة، ومع ذلك لم يتجاوز عديد أيامها كلها، أكثر من ثلاثة وثلاثين يوما، وهي عمر الحرب السادسة، التي لم تنته بفوز ساحق "لاسرائيل"، بل بتلقف "اسرائيل" لقرار وقف العمليات القتالية، بدليل أنها المرة الأولى التي تلتزم قهرا بقرار من هذا النوع.

والحال، فأنه لم يحدث في تاريخ الحروب الفاشلة ضد "اسرائيل"، أن وصلت قذيفة عربية إلى عمق "اسرائيل" ولا لما قبل حيفا، ولا حتى إلى نطاق مستعمرات الواجهة الحدودية مع أي بلد عربي آخر. وبلغة استراتيجية عسكرية، فأن أمدية الصواريخ مع حمولاتها المتفجرة، هي المكافئ الوحيد، لانكسار التكافؤ في الجو، ولو أن الفارق بين ما دمره الطيران "الاسرائيلي"، مقابل ما دمرته صواريخ "حزب الله"، كان فارقا في الكم لا في النوع، فمن المعروف بداهة، أن حمولة الطائرة الحربية من القنابل والصواريخ يمكن أن تتراوح بين طن واحد فأكثر، أما رأس الصاروخ فأن حمولته التفجيرية تتراوح بين خمسين كيلوغراما أو مئة، مع احتمال ما يزيد قليلا عن هذا الوزن.

أما المقابلة الثانية، فأن أفق استراتيجية "حزب الله"، تجول في منطق الردع الدفاعي وليس الهجوم، ولهذا تأتي حسابات النصر أو الهزيمة في مقاييس متعاكسة بالنسبة للطرفين قياسا إلى المهام المطلوب انجازها من وراء الحرب، وأقل ما يقال، أن "حزب الله"، انتصر في الدفاع، وأن "اسرائيل" انهزمت في الهجوم، وفي اللجوء إلى التفاصيل، فأن المهمات الموضوعة على جدول الهجوم "الاسرائيلي"، كانت واضحة كل الوضوح، استرداد الجنديين الأسيرين، بالقوة، وإبعاد المقاومة الوطنية من الجنوب، وتجريد "حزب الله" من السلاح بالقوة الغاشمة.

وما من شك أن هذه الأهداف وموازياتها في لبنان خصوصا والمنطقة عموما، لم تنبثق إلا في إطار مشروع مشترك أمريكي – "اسرائيلي" متكامل، بدليل "الشرق الاوسط الجديد" الذي يولد من مخاض مؤلم في لبنان (رايس) أو "الشرق الأوسط الكبير" الذي يولد من ولادة قيصرية في العراق (بوش)، أو "الشرق الاوسط الجديد" الذي يولد من لهيب "عاصفة الصحراء" في مدريد (بيريز). فالمشروع الأمريكي، كما هو العقل الأمريكي في الإدارة اليوم، لا يولد إلا من نار الموت والخراب الشامل، حيث تتفتق العبقرية الخالصة عن تدمير تحت باطنية عنصرية مفادها تدمير لا خلق معه!

ولم يكن من اليسر بمكان، أن تقدم حكومة تل أبيب علي تسلق المغامرة، لولا تطمينات دولية وتغطيات عربية رسمية، حيث بلغت الوقاحة بمسؤول "اسرائيلي" أن يعترف، بأن "اسرائيل" في حربها ضد حزب الله، تلقي المباركة والتأييد، من دول عربية عديدة ودون الحاجة الي التسمية، فان هذه الدول بعد ان حمّلت حزب الله مسؤولية اندلاع المعارك سارعت إلى التركيز علي مذهبية المقاومة اللبنانية مع محاولة ربطها بساحات إقليمية (ايران وملفها النووي) أو بساحات عربية تتصل بانتكاسة التجربة الامريكية في العراق، وكأن الصراع مع "اسرائيل"، كان دوما بحاجة الي ذرائع لنقضه وابطاله! اذ ما الذي يفرق مع الرياض او القاهرة او عمان، ان يكون الصاروخ الموجه ضد قتلة الاطفال في فلسطين ولبنان والعراق، من صنع ايراني او صيني او كوري، ثم أين ولدت الـ (أف 16) و(الماركافا) (ابرامز) والبوارج الأعلى تقنية، وهي هي "اسرائيلية" أم أمريكية؟

أما السلاح فلا مذهب له، فكم من الحروب خيضت بسلاح آخرين من الحروب الإقليمية إلى الحروب العالمية، فقد انتصر الحلفاء في النهاية، بسلاح أمريكي وسوفييتي، كما أن فيتنام والجزائر وكوبا، لم ننتصر بسلاح من صنعها، فالمعادلة الأساس، تكمن فيمن يحمل السلاح وأين يوجه.

ومن المفارقات البائسة، إن النظام العربي الذي يتذرع بطائفية المقاومة اللبنانية اليوم، هو نفسه من مرر العدوان على العراق بالأمس، بل وأكثر من ذلك، استمات في المطالبة به.

ومع أن الحرب السادسة، أظهرت مقدرة عسكرية لصالح المقاومة من جهة، وفشلا ذريعا بالنسبة "لاسرائيل"، كما يعترف كبار "الاسرائيليين" دون مواربة، إلا أن أمريكا، عبر وسيطها في "الشرعية الدولية"، أرادت أن تتخطف ما حققته المقاومة في الميدان، تعويضا عما فات "اسرائيل" في الحرب، فصخرة سيزيف الدولية، غالبا ما تتدحرج فوق رؤوس الشعوب الضعيفة، وكما جرى قبيل العدوان علي العراق، فأن استمطار القرارات الدولية، باتجاه تجريد "حزب الله" من السلاح - وهو أساس المشكلة في الأصل - يشبه إلى حد بعيد، تجريد العراق من سلاحه الاستراتيجي، خاصة إذا تذكرنا أمدية الصواريخ العراقية المطلوبة، بحيث لا تتجاوز خمسين كيلومترا مع طبيعة الحمولات التفجيرية الخاصة بها، فالمهم ألا يمتلك طرف عربي، ربع المقدرة التسليحية "لاسرائيل" في أبعد الحدود، فسلاح "حزب الله"، لم يكن يوما بغرض التهديد، وإنما لردع التهديد القادم من "اسرائيل"، وبهذا المعنى فأنه الوسيلة الوحيدة لدرء العدوان وليس لممارسته، وفي الأصل فأن الاحتلال هو جاذب الأسلحة الوحيد إلى المنطقة، إذ لولاه ما كانت شعوب المنطقة بحاجة إلى صرف مئات المليارات عليه، أو بذريعته، فيما تعيش هذه الشعوب حالة فقر وإملاق، بل وحالة قصور تنموية فادحة بين بشرية وبنيوية بدرجة متساوية من التخلف، فموازنات الجيوش العربية أكلت حقول التنمية ومستويات المعيشة والتطور على غير صعيد، من غير ناتج أو مردود، بل لعل ناتج "حزب الله" وحده، يفضلهم جميعا في المهنة ذاتها، التي حكمونا باسمها عقودا فوق عقود، وفي هذا المقام فأننا نحذر من الوقوع في الشطط المتطاول في مبالغات تقويم الانتصارات والهزائم، فالذين يرفعون درجة الخسارة "الاسرائيلية" إلى مرتبة هزيمة، وسوية فسلاح "حزب الله" في رد العدوان وتكبيد العدو خسائر في العمق، إلى مصاف انتصار ناجز، فأنهم يتجاهلون جملة من الحقائق الدولية والعربية والإقليمية، علما بأن الصراع العربي - الصهيوني، إنما يدور في هذه الحلقات جميعا دون انقطاع، ومع أن أول الغيث قطرة، فأنه لمن السذاجة المبكرة الحديث عن بداية أفول "اسرائيل" وعقائدها المذهبية والعسكرية، "فاسرائيل" ليست ظاهرة عرضية إقليمية في المنطقة، بل هي كيان مشفوع بدعم مفتوح من الغرب عموما ومن القوة الأحادية فوقه، وهو دولة تحظى بكل أسباب القوة إلى درجة تصنيفها في عداد الدول الثماني الأولى في العالم وهو تقويم لا بهدف التهويل وإنما بهدف إقصاء الغرور وعدم الاستخفاف إذ لن يمضي هذا العام، إلا و"اسرائيل" تعيد الكرة ضد "حزب الله"، مع احتمال كبير لجر المنطقة إلى حرب إقليمية أضلاعها في مثلث، ايران وسورية و"حزب الله"، فبعد الهزة "الاسرائيلية" تتحرك على التو ثلاثة محاور سياسية كبرى وجميعها معادية للسلام عداء الأفعى للإنسان بدليل تأييد ما يزيد على نسبة ثمانين بالمئة من شعب "اسرائيل" للحرب ضد الآخر (الغريب مذهبيا) سواء كان عراقيا أم فلسطينيا أو لبنانيا أو أفلاطونيا!

وتصطف هذه المحاور حسبما يبديه مشهد "اسرائيل" الحالي بين "كديما" المهزوز بزعامة "أولمرت" وتحالف بقايا "العمل" بشخص "عمير بيرتس"، وجناح آخر يعلو صوته بالنقد والتجريح، بزعامة "موفاز" ووزيرة الخارجية السيدة "ليفني"، وهناك الرأس المحارب في المعارضة "نتنياهو" الذي يرى "الأمن الاسرائيلي" وهو يبتدئ من بغداد إلى تل أبيب عسكريا، فيما هو كأمن أمان يبتدئ من عشق أباد إلى عسقلان!.

وبالفعل فأن أيا من هذه المحاور وكنتيجة استقطابات داخلية "اسرائيلية" من جهة وإعادة الاعتبار باسترداد الجدارة المفقودة أمام الولايات المتحدة من جهة أخرى، فأن واحدا من هذه المحاور لن يقبل بأقل من انتصارات "دايان" و"شارون" على العرب، حتى ولو اختلفت المرحلة وتداخلت الظروف.

ومن هنا فأن عودة الحرب ستكون أسرع من المشاحنة على تطبيقات القرار (1701)، بين أطراف الداخل اللبناني بذاتها، أو أطراف المحاور العربية الناطقة بلسان واشنطن دون مواربة، وهو عامل إضافي، سيضفي على العدوان الجديد مشروعيته بامتياز، فالقرار الأخير الصادر عن "الشرعية الدولية" لا تنقصه مادة واحدة لاستثارة النزاع الدموي من جديد حتى لو كان الاستخفاء وراء وقف إطلاق النار، وحتى هذا المصطلح فأنه لم يسلم من التلاعب حين يتم تحويله إلى مادة تقول بوقف العمليات العسكـرية.. على أن البون بينهما واضح في التأويلات القانونية، حيث وقف إطلاق النار يعني عودة القوات المتحاربة إلى مواضع انطلاقها خلف الحدود الدولية، بينما وقف العمليات يعطي الفرصة لبقاء القوات كل في مكانه الذي وصل إليه.

ولما كانت "اسرائيل" هي المضطرة لوقف القتال فعلا، فأن الرهان يأتي في التزام "اسرائيل" الفعلي بوقف القتال، حيث لأول مرة في تاريخ "اسرائيل" القتالي تلتزم "اسرائيل" بمثل هذا الالتزام الصارم على غير عادة مع قرارات حروبها السابقة.

وفي تضمين القرار (1701) وجوب تنفيذ ما جاء عليه القراران (1559) و(1680)، أي نزع سلاح "حزب الله" في الأول وترسيم الحدود بين لبنان وسورية في الثاني، فأن هناك كفاية فائضة لشرعنة عدوان "اسرائيلي" جديد. "فاسرائيل" لا تحتاج لكل هذه الفرص من أجل اهتبالها خاصة إذا اعتبرت "الشرعية الدولية" بأن أسر الجنديين "الاسرائيليين" عمل من أعمال المبادرة للعدوان وأن "حزب الله" هو المسؤول طالما أن (الخطف) تم من داخل "الخط الأزرق"، ولا نعرف عديد الأسرى في السجون "الاسرائيلية" الذين تم اختطافهم في الضفة والقطاع ولبنان بما في ذلك خطف الأمين العام للجبهة الشعبية من سجنه "الدولي" في أريحا، أو خطف الرئيس الشرعي للبرلمان الفلسطيني من بيته وعلى مرأى من أفراد عائلته.

إننا لا نرغب في إعادة الحديث المكرور عن عدالة أو لا عدالة "الشرعية الدولية" التي تديرها أمريكا كمكتب لبولتون في الخارجية الأمريكية، فالقرار الذي يهتم العالم بسرعة انجازه اليوم قبل الغد والذي في جوهره لا يتعدى نقطة واحدة هو تجريد "حزب الله" من سلاحه تقابله "قرارات للشرعية الدولية"، ما زالت نائمة في أدراج الغطرسة "الاسرائيلية" - الأمريكية، منذ أربعين عاما بعد أن أحيل إلى التقاعد، قرار حق العودة الفلسطيني ولا سبيل هنا لإقامة المماثلة الضدية بين قرارات ممتازة، واجبة الإسراع في التنفيذ وقرارات كيفية يمكنها الانتظار على الرف لعقود.. وفي هذا المجال فأن استثارة الذاكرة للقارئ يمكنها أن تحمله إلى حالة فاقعة حين استخفت الولايات المتحدة بتاريخ ونظم العلاقات الدولية بل وبكل القيم بين الدول والشعوب، حيث ذهبت تغزو العراق رغم أنف المؤسسة التي كانت من أوائل المؤسسين لها والحادبين عليها.

إنه منطق القوة أو البقاء للأقوى إذ مهما تبدلت المصطلحات وارتقت اللغات فأن قانون الاصطفاء هذا ما زال هو محرك أحداث العالم، أما نظامنا العربي فهو خارج الكون لا لشيء وإنما ببساطة لأنه العطب في الارتهان وهو عطب لا يُرجي شفاؤه.