غازي الموسوي يروي ذكرياته في صفوف البعث "للوطن":

تعرفت في الجامعة بمصر على شاب قومي عراقي كان اسمه صدام حسين

نشأنا في كنف والد كان يمزج بين الالتزام الديني مع الأفق المتحرر مع ناصرية صلبة

كان بيتنا في المنامة يشهد اجتماعات قيادات هيئة الاتحاد الوطني

تأثرت بخالي حسن الجشي وكان رائداً من رواد الأدب والثقافة والعمل السياسي

عشت زخم الحركة الوطنية في منتصف الخمسينات

أجرى اللقاء: وسام السبع

بشكل ما، وجد غازي نفسه من غير قصد، من دون تعمد وفي عفوية من القدر، محاطاً بالكتب وأحاديث الشعر والأدب والثقافة والفكر وزخم الأحداث السياسية الجسام التي أدركها ووعاها الطفل الصغير في بيت والده من خمسينيات القرن الفائت، كان الطفل غازي يسترق النظر جائلاً ببصره ناحية "ليوان"منزلهم فيما عبد الرحمن الباكر والشملان وصاحبهما العليوات مع نفر من قيادات هيئة الاتحاد الوطني تنبجس من بينهم قامة حسن الجشي الفارعة، يجدّون المسير إلى حيث سينعقد اجتماعاً مهماً للهيئة، ومن أمامهم ذراع رضي الموسوي تنبسط مرحبة بكرم وأريحية فيّاضة .. "عشنا في بيت أدب وعلم وثقافة وانفتاح" ذلك ما ندّت عنه شفة غازي وأخرجته الذاكرة من عتمة الماضي السحيق وهو يتحدث بحنين عن تلك الأيام الخوالي.. غازي رضي الموسوي، من أولئك الذين تشكل حياتهم جزء من دراما عاشها وطن واشترك في صناعة أحداثها فتية وجدوا ضالتهم في شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية.. التجربة طويلة والأحداث تفيض بها الذاكرة، غير أن حديثنا مع الموسوي كان ضرورياً ليس لأنه سيعطي "كل شهادته" على الأحداث، لكن حديثه حتماً سيسهم في إضاءة الكثير من مناطق الظل ونقاط الغموض القائم حول تاريخ البعث العربي الاشتراكي في بلدنا، ونمط الاستجابة البحرينية لتأثيرات هذا الحزب الذي ولد في أربعينيات القرن الفائت حينما كان الاستعمار مطبق على الأرض العربية، ورغم أن 20 عاماً من الغياب له بعد أن ألمّ به عارض صحي كاد معه أن يودع الدنيا، إلا أن ذاكرته موّارة وجزء مما يريد قوله حاضر في الذهن، طلّ الموسوي بعد انزياح غيوم وسُحب المرحلة الكئيبة وبعد خروج البلاد من عنق زجاجة أحداث المرحلة التسعينية وبزوغ المشروع الإصلاحي في فبراير 2001 و الإعلان عن تشكل جمعية التجمع القومي دخل الموسوي في التجمع القومي على استحياء وان ظل أحد الشخصيات البعثية في البحرين. و هنا شهادة الموسوي:

 ولدت في نوفمبر 1946 في المستشفى الأمريكي، أنا أصغر من شققي فيصل (وزير الصحة الأسبق رئيس مجلس الشورى الحالي) بسنتين ونصف السنة. لقد عشت زخم الحركة الوطنية في سنة      1956 كان خالي حسن الجشي من رجالات الهيئة ووالدي شاعر من شعراء الهيئة، والدي كان قد تلقى تعليمه الديني ولكنه اختار أن يكون أحد رجال التعليم فصار معلماً للغة العربية. كان والدي صاحب آراء في الدين تجنح إلى التحرر كان يرى أن وظيفة رجل الدين ليس لها مبرر في الإسلام، ورغم أنه كان من الممكن أن يضع العمامة فوق رأسه إلا أنه آثر ميدان التعليم، نحن تربينا في بيت أدب وعلم وتحرر من الناحية الاجتماعية، وكان الوالد مواظباً على الصلاة والصوم والشعائر الدينية بشكل دقيق جداً إلا أنه لم يكن مثلاً يرى أن "الحجاب" لازماً من الناحية الدينية وكانت له الكثير من الآراء التي تتسم بالجرأة والانفتاح، آراءه تلك هي التي دفعته إلى الهجرة من منطقة البلاد القديم إلى المنامة، فهو كان من منطقة البلاد لكنه لم يستطع أن يتواءم مع البيئة الاجتماعية لقرية مثل البلاد لذلك اختار الإقامة في المنامة، والدتي أيضاً كانت من البلاد القديم من بيت الجشي، وهاجرت إلى المنامة ويبدوا أن الهجرة كانت سائدة وقتها فمن العائلات التي شهدت هجرة من منطقة البلاد القديم إلى العاصمة "بيت بن رقية" و "بيت الجشي" و"بيت بن غانم"، و بيت بن غانم كان من أغنى أغنياء منطقة البلاد، وممن ينحدر من عائلة بيت الغانم أم محافظ المنطقة الشمالية أحمد بن سلوم.

شهد التعليم بداياته الأولى وتحمس الوالد لدخول هذا المجال الواعد هو مع الأستاذ حسن الجشي، وهكذا قضى رضي الموسوي عمره في مجال التربية والتعليم، ورغم انفتاحه كان والدي متديناً جداً وكان قومياً بالفطرة حتى النخاع، ناصري حتى النخاع إلى أن توفي رحمه الله.

تأثرت بالفكر القومي من التيار القومي، وقد تربينا في بيت حسن الجشي والوالد، ونحن أطفال صغار كنا نرى أحمد الشملان وعبد الرحمن الباكر وعبد علي العليوات يدخلون البيت ويجتمعون، وحينما كنت في العراق ادرس في الجامعة طيلة ثلاث سنوات كنت أتناول وجبة الغداء من كل خميس في منزل عبد علي العليوات، كان العليوات كوالدي وكان يترفق بي ويعاملني كولده، كان يأتمنني على أسراره وأموره الخاصة وأنا طالب، كانت مجموعة قيادات هيئة الاتحاد الوطني أصدقاء حميمون لوالدي، وعرفت أول ما عرفت وأنا طفل صغير قيادات الاتحاد الوطني كلها، حينما كانوا يأتون باستمرار إلى بيت الوالد، كنت أذهب إلى مكتبة ابراهيم المؤيد التي كانت توزع أهم الصحف حينها مثل "القافلة" و"الوطن" والصحف الأخرى، وقد تعرفت على علي سيار وأنا طالب في الثانوية ومحمود المردي وهم كانوا أعمدة الصحافة البحرينية وقتها كما تعرفت على علي محمد علي التاجر - ابن المؤرخ محمد علي التاجر صاحب كتاب – (عقد اللال في تاريخ أوال) والذي توفي قبل مدة قصيرة، وعلي التاجر هو من الأشخاص الذين لم يقدّروا حق قدرهم، رغم أن دوره كان كبيراً في الحركة الفكرية والأدبية في البحرين، وكان الأستاذ علي التاجر أحد فلتات الدهر..

تعلمت وأنا صبي أن أقرأ، كان والدي يحثني كثيراً على القراءة ولازال جزء كبير من مكتبته إضافة إلى مكتبة الخال الأستاذ حسن الجشي التي تشكل شطر أساسي من مكتبتي الشخصية، ومن طبيعة حسن الجشي أنه كان معلماً حتى وهو في البيت، كان يتصرف معنا في البيت كمعلم لديه رسالة في الحياة، تربيت في هذا الوسط وبعدها درست في مصر وأخذت شهادة الثانوية العامة منها.

في صحبة الرفيق صدام حسين

لقد بدأ وعيي السياسي في البحرين وتأثرت بالتيار البعثي وأنا طالب في الثاني ثانوي في البحرين، كان ذلك في بداية عقد الستينات 60 – 1965 لكني لم أدخل العمل السياسي إلا وأنا طالب في القاهرة، دخلت القاهرة وأنا في الصف تعرفت على شاب أكبر مني بعشر سنوات وهو شاب عراقي جاء من بغداد وعرّفنا بنفسه أنه "صدام حسين"، كان معي في الصف، كان يدرس في القسم العلمي في مدرسة السعدية في منطقة الجيزة . وفي آخر السنة نجحت ودخلت اختصاصاً لا يناسبني وهو اختصاص "الزراعة" ولم يكن التخصص يناسبني بأي شكل من الأشكال، فاتجاهي كان منصباً على مادتي الرياضيات والهندسة، فيما التحق صدام حسين بكلية الحقوق وظلت علاقتي به نحو عامين حتى انتقل العراق، وحين ذهبت العراق ودرست في كلية التجارة للدراسة في مصر التقيت به هناك، وكان حينها "المجرم الفار" إذ كان مطارداً من السلطات في محاولة 65 – 66، وكنت قد ذهبت أواخر سنة 63 التحقت بكلية التجارة.

كان ذلك بعد انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 الذي انقلب فيه رئيس الجمهورية على البعث الأول وتم حل الحزب، ثم حدث حل الحزب في سنة 1964 أيام عبد السلام عارف، وكانت المرة التي يشهد فيها الحزب حل نفسه أيام عبد الكريم قاسم، في أيام نوري السعيد لم يكن الحزب يعمل بطريقة قانوينية اذ كان حركة سرية، وعندما وصل قاسم الى الحكم عمد إلى وضع قانون اجتثاث البعث الأول وبعد 9 شهور من حكمه أزيل بانقلاب عسكري لينتهي القانون باستلام البعث إلى السلطة في العام 1969م. وأتصور أن من يقرأ تاريخ العراق الحديث يرى أن اجتثاث البعث هو أكبر خطأ فهو إنما يزيد الحزب قوة وتجّذر ولا يقضي عليه بالمرة.

وشهادة للتاريخ أقولها أن صدام حسين كما عرفته، رجل نبيل بكل معنى الكلمة، عالي الخلق، دمث متواضع، ومستمع جيد، كنا نجلس سوية في الصف مع مجموعة من الطلبة للحديث كما كان يتردد على رابطة طلبة البحرين في القاهرة، وكان يسكن على مقربة من مقر الرابطة، وكان يجلس مع اصدقاءه البحرينيين العديدين، فكثير من رجالات البحرين اليوم هم من الذين كانوا في القاهرة مطلع الستينات من 61 – 63 يعرفونه جيداً ويعرفهم جيداً بالاسم، وكان يسأل عنهم و من هؤلاء: عبد الله المحرقي وعلي ابراهيم المحروس وعلي صالح الصالح وحميد علي الصيرفي، كان يأتي إلى الرابطة ويسأل بهدوء "شلونكم" وكان يضحك من غير قهقهة، وكان رجل هاديء رغم أنه معروف بعصبيته ومن هناك عرفته. والذي فهمته منه مباشرة أنه ذهب إلى المدرسة وهو ابن التاسعة وكان أبيه توفي وقد قسى عليه عمه زوجه أمه وذهب للعيش عند خاله خير الله طلفاح وهناك دخل المدرسة، كان يتحدث عن هذه الأمور حين يُسأل عنها لكنه لم يكن يبادر من تلقاء نفسه للحديث عن هذه الأمور الشخصية، وهو بالمناسبة ليس من الصنف الذي يحب الإكثار من الحديث، كان مع مجموعة من الطلبة العراقيين وكان بارزاً بقوة شخصيته، وكان يحظى بسمعة طيبة في الوسط الطلابي، كان محكوماً بالإعدام وقتها بتهمة الاشتراك في عملية اغتيال عبد الكريم قاسم المعروفة.

كان صدام من الوجوه الصدامية العليا، ثم أنه كان رجلاً مشهوراً عنه ان يقرّ بنهم وله اطلاع واسع، وكان لا يوجد كتاب يصل إلى مكتبة مدبولي التي كانت وقتها عبارة عن كشك صغير في ميدان سليمان إلا ويقرأه، وكنا دائماً نلتقيه يقرأ ويبحث، وكان في ذلك الوقت يقرأ كثير لسارتر كما أتذكر. والشيء الملاحظ عليه وهو طالب هو التزامه بالصلاة والصيام في رمضان، وبعدها في العراق حينما كنت طالباً كنت أتسقط أخباره في الجرائد وكان مسجوناً.. طبعاً في التنظيم البعثي أنت أينما تكون تنخرط في التنظيم بشكل اعتيادي وتلقائي، فحين تكون في العراق تعمل وحين تكون في السعودية أو مصر فأنت أيضاً جزء من العمل التنظيمي.. أنا على سبيل المثال لا أعرف عن التنظيم البحريني البعثي معلومات وافية لأن كل نشاطي انصب في التنظيم العراقي.. القيادة في البحرين على سبيل المثال نصف أعضاء قيادتها ليسو بحرينيين!! كما كان الدكتور علي فخرو عضو قيادة قطر لبنان في الخمسينات وهو طالب في الجامعة الأمريكية في بيروت.. ليس هناك هذا النوع من التقسيم القائم على الانتماء الجغرافي للعضو أبداً، أنت عربي وانتماءك يجب أن يكون باتساع وشمولية الوطن العربي.

قد يكون في البحرين قيادة فرقة وليس فرع نظراً لمحدودية عدد الأعضاء في هذا البلد، والتقسيم من الأدنى إلى الأعلى يكون كالتالي: فرقة ثم شعبة ثم فرع ثم قُطر، وهذا يعتمد على حجم الانتشار في أي موقع، فلا يصح على سبيل المثال المقارنة أو القول بأن فرع قيادة بغداد يشابه فرع قيادة المنامة.. أنت هنا تتحدث عن قطرة ماء وتقارنها ببحر متلاطم الأمواج.

سمعت عن أناس ولا استطيع ان أقطع بصحة ذلك، سمعت أن هناك من وصل من البحرينيين إلى عضوية القيادة القومية ومنهم قيادة قطر لبنان، كما أن هناك عديدون ممن كانوا أعضاء في قيادة فرع القاهرة ولكني لا استطيع البوح بأسماء ربما لا يرتضي أصحابها الإفصاح عن انتماءاتهم السابقة أو الحالية.

وقد قرأت في كتاب أصدره الدكتور الياس فرح عن تاريخ البعث وهو كتاب ضخم يقع في 15 جزء ويذكر شيء عن علي فخرو مثلاً كما كان شقيقه جاسم فخرو مديراً لمكتب الاتصال القومي أي بدرجة مدير مكتب الأمين العام للأستاذ ميشيل عفلق، وكل صلات الأمين العام بالمنظمات الحزبية داخل الوطن العربي والمنظمات الطلابية العربية في الخارج والجاليات العربية في الخارج تتم عن طريق مكتب الاتصال القومي، فهو منصب  لا يقل - في أهميته- عن منصب عضو القيادة القومية. هذا الرجل توفي واستطيع أن أتكلم عنه بكل حرية وقد حدث بيني وبينه حديث وعرفت منه هذا الحقائق. 

بداية الانضمام

تنظيمياً لم يكن لي اتصال بالبعث أثناء تواجدي في البحرين، كان مجرد تأثر بهذا الفكر لكن صلتي التنظيمية بالبعث بدأت في مصر.

كان الوضع العام في البحرين مسيس، وكان المد القومي الناصري يتسيد المشهد العربي بالكامل، وقد استمر هذا الوضع لغاية سنة 59 ، ولابد من التفريق بين البعثي والناصري رغم أنهما يشتركان في أنهما حركات قومية، كانت البحرين تعيش أصداء ما يجري من حولها فقد كان الصراع الدائر بين البعث وتيار عبد الكريم قاسم وصل إلى الشارع البحريني وكان الناس للتو خرجوا من مواجهات وأحداث سنة 54 مع الانجليز وما تلاها من إفرازات على الحركة الوطنية في الداخل، كنا مسيسين تماماً، حتى أن استقالة الوزراء الستة من الحكومة السورية التي كان منها أكرم الحوراني ومجموعته ثم انفصال البعثيين عن عبد الناصر كل هذه الأحداث كانت تجد صداها في الشارع البحريني، وحين ذهبت إلى القاهرة لاحظت أن المخابرات المصرية تتعامل بكثير من الخشونة مع الرابطات الطلابية التي كان يسيطر عليها البعثيين، وكانت الرابطة الطلابية البحرينية في القاهرة تمثل إحداها إلى جوار رابطة طلبة الأردن والعراق، كانت المخابرات تفض اجتماعاتنا وتدخل المقار عنوة وتسلط علينا عيونها لمراقبتنا، وهذه المضايقات جعلت إيماني بقضية البعث يكبر ويترسخ.. وقبل هذا كانت قد جرت لي حادثة لازلت أتذكرها تماماً، كان جمال عبد الناصر قد جاء من مقر الأمم المتحدة وقد جيء بحافلات لطلبة المدارس لاستقبال الرئيس عبد الناصر في المطار، وقد لاحظت أن الطالب تعطيه الدولة رهش مع قطعة صمونة ليأكلها الطلاب، ولكن ما لاحظته أننا وفي طريق العودة تم إعطاء كل طالب شارك في حفل الاستقبال ربع جنيه مصري، وهذه الحادثة حزّت في نفسي كثيراً وجعلتني أشعر بأن كل هذه البهرجة والمهرجان الاحتفالي لاستقبال الرئيس هي بأجر مدفوع الثمن، ومنذ تلك اللحظة اتخذت قراراً بعدم المشاركة في المناسبات العامة، كما عقدت العزم على الالتحاق بتنظيم حزب البعث الذي كان يحظى بانتشار واسع في الوسط الطلابي العربي، كان ذلك في عام 60 – 1961م، وكان عمري حينها بين 15 – 16 سنة وكنت قد أنهيت الثانوية العامة.

كانت الرابطة الطلابية لطلبة البحرين في القاهرة كانت بحرينية بالكامل وكان رئيس الرابطة وقتها حسين قاسم عبد الرسول، وقد اعتقل في البحرين 11 شهراً في زنزانة انفرادية حوالي سنة 1966 وقد خرج من السجن وهو متعب نفسياً وعصبياً.

أنا أرى أن الانقلاب الذي حدث في سوريا على الحزب على يد عسكريين لا يصحح وضع حزبي حتى لو كان خاطئاً، لأن هذا يؤدي إلى إلغاء قيمة المؤتمرات الحزبية ويصبح النظام الحزبي لا قيمة له، ويصبح الحزب عبارة عن دبابة وعسكر، ولكن هناك بعض المستعجلين سواءاً كانوا بعثيين أو غيرهم كانوا يرون أن الانقلاب العسكري هو وسيلة من وسائل الإصلاح والتغيير، ولا تنسى أن هناك تيار "متمركس" نشأ في تلك الفترة من رحم تنظيم البعث العربي الاشتراكي في سوريا وترك تداعياته على الساحة السياسية في الداخل البحريني وفي المنطقة، وهو تيار قسم التنظيم في البحرين و"قصمه" كما هو معروف  ضمن ما عرف بتنظيم "تحرير شرق الجزيرة العربية".

وقد حمل أفراد تنظيم "تحرير شرق الجزيرة العربية" السلاح وتدربوا على استخدامه، وتم اعتقال عناصر من التنظيم وبقوا في السجون وقضوا سنوات، وكنت أرى حينها – ولازلت - أن أي فرد يفكر بحركة مسلحة في داخل البحرين إنما يعيش طفولة يسارية، ولو شئنا أن نستخدم التعبير الماركسي فسنقول "انتهازية يسارية".

حزب البعث العربي الاشتراكي "القومي" طبعاً يرفض العمل المسلح ولا يزال يرفض هذا الخيار، كان للبعثيين، وبناءاً على ما كنت اسمعه من أصدقائي لأني كنت في مدارج الدراسة الجامعية في العراق، كان لهم الدور الأبرز في أحداث انتفاضة سنة 1965 كان لهم الدور الأكبر في الأحداث وقد تعرض البعثيون إلى ضربات موجعة، ولأن الأحداث ملتهبة في البحرين فقد حرص الوالد على زيارتي في العراق ليجنبني النزول إلى البلد ومخاطر الاعتقال.

ضُرب البعثيون ضرباً شنيعاً، واعتقل وعذّب منهم عدد كبير، وكانت أقسى أنواع التعذيب ما تعرض له كما أشرت حسين قاسم عبد الرسول في سجنه الانفرادي 11 شهراً، حسين قاسم هذا كان رئيسا لرابطة طلبة البحرين في القاهرة لمدة أربع سنوات، وكان أحد مؤسسي اتحاد الطلبة العرب وعضواً للهيئة الإدارية الأولى فيها، وهو الصديق الأصدق والأقرب لجاسم فخرو، كما تعرض علي مرهون وعيسى الدرازي رحمه الله ومجموعة كبيرة لا أحب ذكر أسمائهم إلى تجربة اعتقال قاسية. علي فخرو تجربته أكثر في خارج البحرين، حسين تجربته في القاهرة والبحرين، رسول الجشي لا اعتقد أنه كان منتظم في الحزب، رسول (وهو زوج خالتي) من الذين كانوا محسوبين على تيار حزب البعث منذ دخوله الانتخابات البرلمانية في السبعينات.

كانت الأوضاع بشكل عام خانقة في تلك السنوات، وكان الطلبة بمختلف انتماءاتهم السياسية يتعرضون إلى تفتيش دقيق في المطار.

إن لتنظيم حزب البعث برنامج ثقافي يتطلب من العضو توجيه وتثقيف متعب، كان العضو يعطى مجموعة كتب حزبية ليقرأها، وكان العضو يُعطى في الجلسات الحزبية النقاشية مقالاً مكتوب ضد الحزب وكان يتعين على العضو كتابة مقال يرد فيه على هذا المقال، وكانت الجلسة الأسبوعية تتكون من خمسة أو ستة أفراد وكان مطلوباً من كل عضو أن يعدّ موضوعاً لعرضه في هذا الجلسة وعلى الآخرين أن يكونوا على أهبّة الاستعداد للرد والمناقشة. كانت الجلسات الثقافية تتطلب من العضو العمل طوال الأسبوع للإعداد لهذه الجلسة التي تمتد لساعة أو ساعتين وهذا ما جعلنا مختلفين عن هذا الجيل في إقبالنا على القراءة والمتابعة في عمل ثقافي متواصل وفي بيئة تتنفس السياسية صباح مساء، كنا نقرأ ونعد ونناقش، وكثيراً ما كان ينتهي الوقت المخصص للجلسة، لكن النقاش يبقى متواصلاً بين بعض الرفاق طوال الليل على خلفية النقاش المثار في تلك الجلسات.

كان معنا شخص كان على درجة متواضعة وبسيطة جداً من التعليم، وهو المرحوم الصحفي محمد الماجد، وكانت وظيفته بوزارة الكهرباء "قاريء عداد" ولكن من خلال خضوع الماجد إلى التثقيف والتربية الحزبية تحول قاريء العداد هذا إلى أحد كتّاب البحرين الصحفيين المعروفين. لقد استطاع حزب البعث أن ينتج مثقفين بحرينيين كثيرين ولكن الكتّاب منهم كانوا قليليين.

كانت الحلقات النقاشية الأسبوعية تضم خليطاً من الرفاق العرب من سوريا والعراق والأردن ولبنان وتونس وموريتانيا، وبعض المصريين بشكل حذر جداً، وقد تعرفت في القاهرة على مسعود الشابي وعلى شاهر الطالب وهي شخصيات بلغت مواقع حزبية متقدمة لاحقاً.

مكثت في مصر سنتين ونصف، وبعدها سافرت إلى بغداد وغيرت تخصصي العلمي من الزراعة الى التجارة، وصلت العراق في نوفمبر 1963 وكما أتذكر فإنه بعد يومين من وصولي العراق حدث انقلاب 18 تشرين 1963 ووصول عبد السلام عارف إلى السلطة، وسأمكث في العراق بعد هذا التاريخ 4 سنوات هي فترة الدراسة الجامعية لي.

كانت الأوضاع إلى حدّ ما هادئة لكن المعارضة البعثية تعمل في الشارع بشكل علني ضد الحكم العارفي، وكان يوصف هذا الانقلاب بـ "الردة التشرينية" أو "ردة 18 تشرين" وقد بدأ البعثيون يتغلغلون في النقابات ويعيدون تنظيم صفوفهم من جديد، وحدثت بينهم انشقاقات خصوصاً بعد أحداث شباط في سوريا، وكانت سوريا تدفع بهذا الاتجاه وقد أذيع وقتها في الإذاعة السورية نبأ فصل أعضاء القيادة القطرية السرية للبعث في سوريا وتليت أسمائهم عبر أثير راديو دمشق.. ترك ذلك تأثيره على وضع البعثيين في العراق وانشق البعض تحت وقع تأثير الدعاية والإغراء السوري، ولكن ما اضعف التيار حقاً هم "الشباطيون" أو ما عرفوا بالـ "قطريين" الذين كانوا في قبال "القوميين" المتمركزين في العراق، لقد اكتسح الجناح القومي في العراق وقتها، فبعد إجراء انتخابات حزبية داخلية شاركت فيها كل فرق العراق استطاع الجناح القومي أن يكتسح نتائج الانتخابات عدا فرقة واحدة على ما أظن نجح فيها التيار القطري، وبعدها بدأت الانسحابات والانشقاق والإقالات، وكما يحدث دائماً في الأحزاب السرية لا يتم القبول بنشوء معارضة داخلية في الحزب.

في البحرين، حيث أن القانون حينها ينص على تجريم العمل السياسي ويعاقب المتورط في أي عمل سياسي حزبي على عقوبة السجن، وهو ما حدث بالفعل، اذ كانت السجون تستضيف في جوفها عدد كبير من النشطاء السياسيين من مختلف الحركات والتنظيمات السياسية المشتغلة في الساحة الوطنية، أنا لم اسجن ولكني أطلب للتحقيق من غير داع بين وقت وآخر ويتم توجيه أسئلة سخيفة لي، ورأيي كنت أقوله في نادي العروبة أمام وزراء ومسئولي الدولة، وأقول ذات الآراء أمام المحقق.

كان المنتظمين في البعث من البحرينيين وقتها يمثلون عدداً جيداً في بغداد، ولكن عدد البحرينيين البعثيين كان أوسع منه في القاهرة.

وفي العراق تعرفت على بعثيين عراقيين آخرين لهم شأو مثل طارق عزيز، وهو كان رجل بعثي قبل 1953 وسعدون حمادي كان أستاذي وكان يعملني مادة الاقتصاد في الجامعة، وحمادي كان قد قرأ في سنة 1959 كتاب في سبيل البعث لميشيل عفلق، وكان أقدم من صدام حسين في تنظيم حزب البعث، أنا أعرف ذلك.

التجربة السورية لا نعتبرها تجربة قائمة على ارث فكر حزب البعث، هم ليسوا بعثيون، هؤلاء العسكر اغتالوا الحزب وألغوه، في العراق كان منذ أول لآخر يوم قبل الاحتلال الأمريكي كان حزب البعث هو الذي يقود في العراق، وليس صدام، من يعرف صدام يدرك أنه كان شخصية قوية وجبارة ولكنه مستمع رائع، ولديه صبر على استماع رأي مضاد له لساعات ويقبله ويناقشه ويحاول إقناعك به. التجربة في العراق أنجزت شيء، بينما التجربة السورية لم تنجز شيء، وأكبر ما أنجزته التجربة العراقية أمرين: استطاعت أن تقضي على البطالة والأمية. كانت نسبة الأمية في العراق في سنة 67 - 1968 تصل ‘لى 70% والبطالة كانت تمثل وقتها 20% من نسبة السكان، وهذا النظام استطاع في ظرف خمس سنوات أن يستورد 5 ملايين عامل إلى العراق أغلبهم من العرب!!.

التجربة العراقية أوجدت صناعة وعمّرت جامعات وأحدثت حراك علمي واسع وقادت تنمية زراعية.. وقد قرأت في إحدى المجلات الغربية (IMF) تقرير في أواخر السبعينات عن معدلات التنمية في العراق وكيف أنها يجب أن تتوقف!! لأن العراق بلد سيدخل إذا ما حافظ على معدلات نموه بهذا الإيقاع ضمن النظام الاقتصادي لبلدان جنوب أوربا ويقصدون بها اسبانيا وايطاليا فهي تسبق معدلات هذه البلدان في النمو.

وأنا أرى أن السبب الحقيقي لنشوب الحرب العراقية الايرانية كانت الرغبة الخبيثة لتدمير كل منجزات العراق كدولة حديثة موعودة بمستقبل اقتصادي واعد تؤرق أمريكا وأوربا، هذا هو تحليلي الخاص بصرف النظر عن كل ما قيل من تكهنات وتحليلات متعلقة بأسباب نشوب الحرب. في سوريا الأمر ليس هكذا، لقد استلم العسكر السلطة، ولازال بقايا العسكر يديرون البلاد.

حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق كان ولا يزال مصان من تدخلات العسكر، العسكر في العراق كانوا دائماً تحت أمرة الحزب، في حين أن في سوريا كان مصير قادة الحزب في قعر السجون. لا ننسى أن ميشيل عفلق عليه حكم إعدام في سوريا.

وعن مدى صحة التقارير التي تقول أن ميشيل عفلق كان قيد الإقامة الجبرية في أخريات سني حياته في العراق قال الموسوي "هذا الكلام غير صحيح، فمن يعرف الرجل وأنا إنسان تتلمذ على فكره، يعرف أنه إنسان لا يمكن أن يتراجع أو يتنازل، وكان يسافر باستمرار إلى خارج العراق لزيارة أخيه في الإمارات ولو كان مقيّد الحركة في العراق لما رجع إليها أصلاً.. الأستاذ ميشيل عفلق تبنى تجربة العراق تبني كامل، وكان يطالبهم – كما يقول طارق عزيز في إحدى مقالاته – لا تنتظروا الضغوط الدولية إنما حاولوا البدء بعمل ديمقراطي" والواقع أن كل المحاولات التي تمت في العراق عن الجبهة الائتلافية ليسوا هم المسئولون عن نقضه، وكانت هناك معلومات مدسوسة تحاول تقويض أي محاولة لتكوين جبهة عمل قومي ائتلافية تتم في العراق وتشيع روح الخلاف بين التيارات السياسية الأساسية في العراق، الشيوعيون كانوا طوال 14 عاماً يعملون كحليف أساسي للحكومة، حتى لقد أطلق أحد الشيوعيين على صدام وصف "كاسترو العرب".. جلال الطلباني كان أصلاً وزيراً في الدولة العراقية مدة 9 سنين..

أتذكر أنني كنت في برايتن وهي مدينة ساحلية في انجلترا، كان ذلك قبل أزمة الخليج الثانية، وكنت بصحة أحد مسئولي الدولة، وقد التقينا بأحد معارفه الأمريكيين الذي كان من عناصر الـ (سي آي أي) وكان "الصديق الأمريكي" يتحدث عن موضوع "تشويه السمعة" للنظام العراقي، وقال أن هناك ملايين تنفق على ذلك، وقال أن طريقتنا الوحيدة للتخلص من هذا النظام هو أن نخلق منه بعبع للتخلص منه فهو يمثل خطر جدّي على (اسرائيل). يتكلمون على الخطورة على (اسرائيل)، وكان أكثر ما كان يؤرقهم هو إعطاء نظام بغداد لعائلة كل فدائي فلسطيني يموت 25 ألف دولار لتحسين الوضع المعيشي. هذه هي النزعة القومية التي تحكم النظام العراقي وكانت من الوضوح والشدة بحيث لم تتحمله الدول الغربية.

في سنة 1969 ذهبت إلى الهند للمواصلة الدراسة في الماجستير تخصص الإدارة الاقتصادية للمؤسسات.

البعثيون منذ 54 كان لهم دور وهم طلاب في الخارج تتمثل في التأثير على نشاط هيئة الاتحاد الوطني، وظلوا مع الاتجاه القومي ضد عبد الكريم قاسم ولم يتخلوا عن قوميتهم، حزب البعث يعتبر جزء أساسي من التيار القومي العربي في البحرين وفي الوطن العربي، البعث يصر على قومية التنظيم، كان مسعود الشابي أحد المفكرين البعثيين التونسيين يستخدم العصبية التي استخدمها ابن خلدون في مقدمته للتأكيد على ضرورة إبقاء التنظيم موحداً في الوطن العربي كله لخلق عصبية موحدة.

استخدم الشابي مفهوم العصبية ليصر على قومية التنظيم وعدم تجزئته، الخطأ الذي ارتكبته حركة القوميين العرب أنها جزّأت العمل القومي، فتنظيم الكويت لا علاقة له بتنظيم البحرين، وتنظيم العراق لا علاقة له بتنظيم سوريا وبذلك أصبحت أحزاب تنسق فيما بينها وليست تنظيماً واحداً، بينما الأمر يختلف في تنظيم حزب البعث فهناك قيادة موحدة وأنت كبعثي ما أن تنتقل إلى بلد عربي تدخل في النشاط التنظيمي للتنظيم هناك بطريقة آلية.

لم أسمع أن هناك خلافاً جرى بين القيادة القومية والقيادة المحلية في البحرين، نعم في حال وجود اختلاف في التقييم حول حدث ما يتم دعوة القيادة المحلية لمناقشة الأمر.

في فترة المرض التي فقدت فيها القدرة على النطق واستمر ذلك سنة ونصف، فيما بقيت غير قادر على الحركة تماماً 6 أشهر. ولولا أنني مقاتل وأحب الحياة لكنت طريح الفراش، وقد أجبرني المرض على أن أغيب عن الساحة 20 عاماً.

أعتقد بأن أكثر الناس نقاءاً من التعصب الطائفي هم البعثيون، إنهم بعيدون حتى عن التعصب القومي، صحيح أن تنظيمهم تنظيم عربي قومي، لكنهم ليسوا عنصريين، فكثير من البعثيين في السابق والحاضر صاروا قيادات في التنظيم رغم أن أصولهم ايرانية، ولو دققنا في المطلوبين الخمسين من قيادة مجلس قيادة الثورة في العراق لوجدنا أن هناك 45 شيعي وواحد مسيحي أرثوذكسي و14 سني!!

حزب البعث في العراق بدأ في العمارة وكربلاء وكان في الأساس عبارة عن تنظيمين اثنين منفصلين كل منهما لا يعلم عن التنظيم الآخر، بدأ فؤاد الركابي في العمارة وهي منطقة خليط بين شيعة وصابئة، وبدأت في كربلاء مع شاب كربلائي هو سعدون حمادي الذي كان أبيه يقوم بقراءة الزيارة لمرتادي مرقد الإمام الحسين بن علي، وكنت - بالمناسبة - وأنا شاب أقرأ الزيارة إلى جدتي (والدة حسن الجشي) في العراق حين تأتي لزيارة الأئمة من أهل البيت، وكانت تطلب مني أن أرافقها لقراءة الزيارة في المراقد، وأنا كنت ابتهج بهذا العمل لأنه سيختم بمكافئة مالية مقدراها عشرة دينار وهو كان مبلغ كبير جداً اذ كانت مكافئتي الشهرية وقتها تبلغ 15 دينار.

حزب البعث لا يزال له حضور في البحرين، والتجمع القومي اليوم أغلب عناصره بعثية، وهناك أشخاص يتعاطفون مع أفكار الحزب دون أن تكون لهم صلة تنظيمية بالحزب. أنا ليس لي علاقة بالتنظيم منذ عشرين سنة بالضبط لكني لا زلت أحمل نفس الفكر. وفي البحرين التنظيم نخبوي ولكننا حتماً: "القدر المحبب للأمة العربية".