العرب بين نظامين: دولي متجبر وعربي متخاذل

الدكتور غالب الفريجات/الأردن

قدر العرب أن يكونوا مستهدفين، ولكن ليس قدرهم أن يكونوا مستضعفين، وخاصة أنهم يملكون إمكانيات مادية وبشرية وموقع جغرافي، بالإضافة إلى تاريخ حضاري، ومجموعة من القيم والأخلاق، أن تجعل منهم في مصاف دول العالم.

هذه الإمكانيات التي يملكها العرب كانت سببا في استهدافهم، ولكن لسوء حظهم أو سوء تخطيطهم، جعلت منهم أمة ضعيفة، تنهشها دول الغرب الإمبريالي والصهيوني، وحتى الدول من غير العرب، الطامحة للوصول، ترى إن صعودها من خلال ركوب الظهر العربي كإيران الفارسية، بدون أن يستوعب النظام العربي الرسمي خطورة الوضع الذي هو فيه، مما أدى لوقوع العرب بين نظام غربي متجبر، لا يقبل غير الخضوع التام لإرادته، ونظام عربي رسمي استمرأ الذل والهوان، خوفا على مصالحه التي تتعارض مع مصالح الأمة.

الغرب أوروبيا وأمريكيا وبتحالف مع الصهيونية لهما ذات الأهداف منذ أمد طويل وقد وقفوا في طريق نهوض الأمة العربية وسعوا إلى تفتيتها وغرس الكيان الصهيوني البغيض في قلب الوطن العربي ليكون مغفرا متقدما لهم لينال من العرب كل أذية من قهر وذل وعدوان مزودا بكل ما يلزم لأداء وظيفته التأديبية في حق كل عربي تسول له نفسه مجرد التفكير بالنهوض.

النظام العربي الرسمي فقد مبرر وجوده، لأنه لم يتمكن من أداء دوره المنوط به، من الحفاظ على مصالح الأمة، وتحقيق التنمية والتقدم، والسير نحو خطوات الوحدة، فقد فشل في الوحدة والتحرير، وهما ما يطمح إليهما العرب، لا بل أصبح عبئا على الأمة، ومتآمرا على مستقبلها، كما حصل في فلسطين والعراق، وهاهي أحداث لبنان تؤكد على ذلك.

الغرب عموما وأمريكا بشكل خاص ذات أخلاق بربرية وهمجية، لأن الدول التي لا تقيم وزنا للإنسان أيا كان هذا الإنسان، فهي من بقايا العالم المتوحش، ولا يغرنك ما تملكه هذه الدول من تقدم تكنولوجي، لأن استخدام التكنولوجيا، يجب أن يكون في صالح الإنسان، لا من أجل قتله وتدميره، لصالح أهداف امبريالية صهيونية لا أخلاقية قذرة، وما تقوم به أمريكا في العراق، من قتل وتدمير وشرذمة لبنية المجتمع، بدون أي وازع أخلاقي، يؤكد أن الجندي الأمريكي لا يمت إلى هذا العصر، وأن قياداته السياسية والعسكرية ذات أخلاق نازية، تستحق معاقبة كل المجتمع الدولي، وما تقوم به "اسرائيل" في فلسطين ولبنان لا يشرف أحدا متحضرا، بل هو وحشية وإجرام، وأن تعمد قتل المدنيين والأطفال والنساء، له دليل على إن الكيان الصهيوني لا يستحق الحياة، في صفوف مجتمعات تنشد الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.

إن الدعم الذي الأوروبي الذي يلازم الممارسات الصهيونية النازية في فلسطين ولبنان، يؤكد إن الغرب عموما صهيوني النزعة والتفكير، وما شاهدناه أمام الرياء في سياسات أوروبا من خلال المواجهة مع أمريكا في غزو العراق، واستمرار السكوت على الاحتلال الأمريكي وممارساته البشعة، كان بمثابة الصياد الذي يذرف الدمع على فريسته.

أما النظام العربي الرسمي والذي باع فلسطين، ولم يتمكن على الاحتفاظ بما تبقى منها، إلى جانب أراض عربية أخرى، وقد زاد من سقوطه أن لحق العراق بفلسطين وبأيد عربية، فمن "حفر الباطن" إلى الغزو والاحتلال، والنظام العربي الرسمي يتلذذ بسكرات الموت، التي يعاني منها شعب فلسطين والعراق، وهو يشهر سكاكينه لذبح أبناء الشعب الواحد، وحتى بعد أن تم للأمريكان وحلفائهم من دخول بغداد الرشيد، فالتآمر العربي الرسمي لم يتوقف، من خلال مساعدة الاحتلال وعملائه على محاصرة المقاومة الوطنية الباسلة.

إن النظام العربي الرسمي قد أدى دوره الخياني، وخير له أن يحمل عصاه ويرحل، لأنه إن لم يرحل من خلال إعطاء الفرصة للجماهير للتغيير السلمي الديمقراطي، فأني على يقين إن الجماهير قد طفح لديها الكيل، ولم تعد تملك شيئا تخاف عليه، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا.

النظام العربي الرسمي فقد كل مبررات وجوده، وفقد كل مناصريه ومؤيديه من الأسياد في أمريكا والكيان الصهيوني، لأنه فشل في أداء وظيفته المنوطة به، وفقد ثقة الجماهير العربية، حيث أصبح معزولا، ولن تجد نظاما سياسيا واحدا يحظى بدعم وثقة مواطنيه، مما يعني إن المواطنين على وشك المبادرة لنزع السلطة من بين يديه، لأنها سلطتها ولا تقبل بتفويضها لمن يبيعها أو يتآمر عليها، وبدون شك فأن انتزاع السلطة ستكون في صالح الجماهير ولخير الوطن العربي.

إن ما يجري اليوم في لبنان وعجز النظام العربي الرسمي، لا بل خيانة بعض أطرافه، تحت دعاوي انهزامية أو مبررات سفسطائية، وجبروت الكيان الصهيوني، في قوة القتل والتدمير، بأسلحة ومعدات ودعم امبريالي أمريكي، وما تبديه المقاومة الوطنية اللبنانية، يبشر بمستقبل خطير، يعود في كثير منه لصالح أبناء الأمة، عندما اكتشفت إن جيش الدفاع الصهيوني الذي لا يقهر، تتجندل عناصره أمام صمود وبطولات مقاتلي "حزب الله"، وأن الأمن القومي الصهيوني قد ولى وإلى الأبد، وأن أمريكا بإطالتها لأمد الحرب والعدوان لم تحصد إلا الفشل، من خلال عجز حليفها الكيان الصهيوني، وأن النظام العربي الرسمي بات مخمورا، لا يعي ما يجري حوله، وإن كان يهذي بالرعب والخوف، من أمريكا والكيان الصهيوني وانتصار المقاومة.

الفشل الصهيوني على الأرض لن يمر على كل الأطراف المعادية، بدون أن يحدث تغييرا جوهريا لصالح الجماهير العربية، فأمريكا لم تعد التي تلقي التعليمات والأوامر، والكيان الصهيوني لم يعد "جيشا لا يقهر"، والنظام العربي الرسمي لم يعد يملك وزنا ولا قيمة ولا حدا أدنى من الاحترام وسط الجماهير، وأصبح في مقدور هذه الجماهير أن تعمل على حرق المراحل في النضال، لأن زمنا طويلا قد انقضى لم تتمكن فيه من الوقوف على أقدامها.

إن عهد الجماهير العربية قد بدأ يخط حروفه الأولى على أديم الأرض العربية، وبشكل خاص في ساحات المواجهة، في فلسطين والعراق ولبنان، ففي فلسطين تتصدر (حماس) المواجهة، وفي العراق حزب البعث العربي الاشتراكي، وفي لبنان "حزب الله"، مع الأخذ بعين الاعتبار إن العروبة والإسلام في خندق المواجهة، والمسلمون العرب تذوب بينهم المذاهب، رغم ممارسات البعض الخيانة، وكل ما نتمناه أن تتوحد كل فصائل المقاومة العربية في وجه الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية، ولتضع حدا لممارسات النظام العربي الرسمي، ليتخلص العرب من النظام الدولي المتجبر والنظام العربي الرسمي المتخاذل.

dr_fraijat@yahoo.com