صرخة بحجم الفراغ

زيدون علي ال بدر

صرخة مدوّية بحجم الفراغ الذي يلفّنا... صرخة أكبر من قمر وأصغر من غزالة داشرة في شعاب الغربة...  أكبر من قلب وأصغر من جحيم...‏

تلك هي الصرخة التي تطلقها الروح قبل أن يصيبها العطب، وقبل أن تمتدّ إليها يدُ العبث، يدُ الغزاة الجدد الذين يصوّبون حرابهم إلى كلِّ ما هو نقيّ وساحر في براري الحلم الخضراء!..‏

صرخةٌ، تليقُ بانكسار أحلامنا وغيابنا، وانسحابنا إلى ما وراء خشبة المسرح وساحة الحياة، وساحة العيش الكريم... صرخة، تليقُ بمن يهندسون قبورنا... صرخة بحجم أجسادنا التي تتمطّى داخل توابيت العيش اليومي، وبأولئك الذين يرسمون حدوداً لأرواحنا القلقة، وأسلاكاً شائكةً لعصافيرنا المضيئة، وهي تحاول الإفلات من بين قضبان العدم الرهيبة التي تُحاك لنا كلَّ يوم... وبأولئك الذين يحافظون جيداً على سويّة أعناقنا، بحيث لا تستطيع التطلّع والالتفات... إذ يكفيها أن تظلّ منغمسةً في أوجاعنا وهمومنا اليومية المثيرة!...‏

إننا نصلح كعربات هرمة لنقل الحضارة على ظهورنا، وإيصالها إلى مستحقيها في أرجاء العالم، ونصلح كموضوعات لقصص وروايات عن ديناصورات منقرضة، كانت سائدة في عصور غابرة...

كأنّنا لم نكنْ أحفادَ أحد... كأنّنا أبناءُ الوهم والخرابِ والنوم اللذيذ على وسائد المصائب والملمّات... كأنّ هذا السيل من الشعر العربي لم يستطعْ أن يغسلَ أرواحنا الصدئة...‏

وكأنّ قلوبنا المستكينة داخل أقفاص صدورنا لم يعد بمقدورها أن تحلّقَ بجناحيّ النار والنور... وكأنَّ عقولنا المتيبسة بدأت تصلح فقط وقوداً لنار الآخرين... تماماً مثل نفطنا الذي لا نملكه وهو يطفو حولنا حتى يصل إلى تخوم أعناقنا المنكسرة، أعناقنا المتراصة كأسنان المشط، المستوية في أغلال الظلم العالمي... الأغلال السائرة بوجودنا وثقافتنا إلى محيطات العبث والخراب، بودّي أن أصرخ لتخرجَ من دمي غيمةٌ أو جحيم..‏

بودّي أن أنهارَ مثل جبل وأعيدَ تكوينَ روحي زهرةً زهرةً وفضاءً فضاء...‏

بودّي أن أشتعلَ في نسغ الأشجار الباسقة..‏

الأشجار التي تطلّ من عليائها إلى انكساراتنا المفجعة، وأحلامنا الملقاة على الدروب كطيور ميتة!...‏

بودّي أن أطير إلى أعلى، فأعلى حتى ينكسر جناحاي وأسقط مبلّلاً برحيقٍ سماويّ... وبعيداً بعيداً عن تلك الأرض الخراب سأقذف بروحي معانقاً ذلك الفراغ السرمديّ، الفراغ الممتلئ بربيع الغبطة والسكون..!

ذلك أنّ الأرض قد أصبحت أصغر من حجر وأضيق من عوسجة وأفدح من متاهة!..‏

ذلك أن الأرض لم تعد ترسل أعشابها لنستلقي بمواجعنا على بساطها.... لم تعد مثل أمّ ولم تعد أرحب من فضاء... كلّ شيء يطبقُ على أجسادنا المُطفأة، وعلى قلوبنا التي تشبهُ قناديلَ خافتةً معلّقةً على حبال الظلمة فكم آن أن نتحوّلَ جميعاً إلى صرخةٍ كبيرةٍ مدويّة؟!...‏

ZAIDOONIRAQI@YAHOO.COM