السؤال هل تدرك (حركة فتح) أزمة فشل المشروع الوطني الفلسطيني..؟

بلال الحسن/كاتب ومفكر فلسطيني

عقدت (اللجنة المركزية لحركة فتح) اجتماعها المنتظر في مدينة عمان (23/8/2006)، بحضور كامل أعضائها، وكان جدول أعمالها مليئا بالمواضيع والقضايا، أبرزها: (الأزمة الداخلية في حركة فتح ومحاولات تجاوزها من أجل عقد مؤتمر عام للحركة)، (الصراع الدائر مع حركة حماس من أجل تشكيل حكومة جديدة)، (دراسة أسباب فشل الحركة في نيل الأغلبية النيابية في الانتخابات الأخيرة، وكيفية تجاوز هذا الفشل والعودة إلى أحضان السلطة، والمساعي لتحريك العملية السياسية عبر مجلس الأمن).

إنها موضوعات كبيرة وخطيرة وحساسة، ذهبت قيادة (حركة فتح) إلى الاجتماع لتبحث بها، بعد أن أعدت عملية استعراض للقوة تظهر كم هي حركة لا تزال موجودة بين الناس، وكم هي لا تزال قادرة على تحريك الشارع، فنظمت إضراب المعلمين والموظفين ضد (حكومة حركة حماس)، التي لا تستطيع، وللشهر السادس، دفع رواتب الموظفين كاملة بسبب الحصار الدولي المضروب عليها، وذهبت قيادة (فتح) إلى الاجتماع وهي تكاد تقول، لنفسها وللجميع، أنها هي القادرة على حل أزمة السلطة، وعلى حل أزمة الرواتب، وأن غيرها من الفصائل، حتى لو فاز، عاجز عن ذلك.

إن الكل يتمنون، ونحن منهم، لو أن (حركة فتح) تستطيع أن تتجاوز أزمتها الداخلية، وأن تعود لتلعب دورها القيادي للشعب الفلسطيني وللقضية الفلسطينية. ولكن الكل يعرفون، ونحن منهم، أن أزمة (حركة فتح) أصبحت مستعصية على الحل، طالما أن التوجه لحلها يتم على أساس حل أزمات "تنظيمية" داخل الحركة، أو حل مشكلات فنية مع (حركة حماس)، ومن نوع حكومة جديدة منتظرة، وهل تكون حكومة وحدة وطنية أو حكومة تكنوقراط مستقلة.

إن الموضوع الأساسي الذي تنبثق منه أزمة (حركة فتح) هو فشل المشروع الوطني الفلسطيني، هذا المشروع الذي بلورته (حركة فتح)، وتولت قيادته داخل منظمة التحرير الفلسطينية، ثم تولت قيادته من خلال السلطة الفلسطينية. وكان من نتائج هذا الفشل انبثاق الأزمة التنظيمية الداخلية، وخسارتها للسلطة نفسها في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

وما لم تعترف (حركة فتح) بهذا الفشل، وما لم تعالجه برؤية استراتيجية "جديدة" على غرار ما فعلت عام 1968، حين دخلت إلى منظمة التحرير الفلسطينية وتولت قيادتها، فإن كل القرارات التي اتخذتها (اللجنة المركزية) في اجتماع عمان، ستبقى قرارات هامشية، لأنها لا تدرس المسألة الأساسية ولا تعالجها.

ما هي عناصر فشل المشروع الوطني الفلسطيني؟

العنصر الأول هو فشل "اتفاقات أوسلو".

لقد كان التصور الفلسطيني "لاتفاق أوسلو" أنه سيقود إلى إنشاء "دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على كامل أراضي 1967"، ولكن التصور "الإسرائيلي" المضاد كان يرى غير ذلك، وفي التطبيق على الأرض كانت له الغلبة. كان التصور الفلسطيني أن الحكم الذاتي سيكون على 90% من الأرض، ثم يتم التفاوض في الحل الدائم (النهائي) على الـ10% الباقية (مستوطنات ومعسكرات الجيش)، ولكن "إسرائيل" (إسحق رابين) اخترعت نظرية تقسيم الأراضي إلى مناطق (ألف) و(ب) و(ج)، حيث تكون لها السيطرة الأمنية في المناطق المصنفة (ب)، وتكون لها السيطرة الأمنية والإدارية في المناطق المصنفة (ج)، ولا يبقى بعد ذلك "لسلطة الحكم الذاتي" سوى المنطقة (ألف)، وهي لا تساوي أكثر من 18% من أراضي الضفة الغربية. وكان التصور الفلسطيني أن هذا الوضع الأعرج القائم على الأرض سيتغير ويتبدل في مفاوضات الوضع الدائم، وانعقدت "مفاوضات كامب ديفيد" – 2000 على أساس ذلك، وكانت المفاجأة الفلسطينية أن "إسرائيل" (ايهود باراك - حزب العمل) لم تأت إلى تلك المفاوضات للبحث عن حل دائم ونهائي للقضية الفلسطينية، إنما جاءت للبحث في تقاسم الضفة الغربية، تريد القدس والمستوطنات والمياه وغور الأردن والقواعد العسكرية (خمسة) والطرق الموصلة إليها والسيطرة على المعابر، أي ما يوازي نصف الضفة الغربية، وما يعني انعدام السيادة لأية دولة فلسطينية يمكن أن تنشأ على ما تبقى من الأرض. وفشلت بسبب ذلك "مفاوضات كامب ديفيد"، و"لاتفاق أوسلو" إلى نهايته معلنا حالة الفشل.

أدرك الفلسطينيون أن المشروع قد فشل، فتم شن الانتفاضة الشعبية الثانية، وعلى قاعدة الضغط على "إسرائيل" لتغيير شروط التفاوض، وأدرك "الإسرائيليون" أن المشروع قد فشل، فتم قمع الانتفاضة بقسوة، وتم احتلال الضفة الغربية من جديد، وبدأت عملية تحطيم منهجية لكل مظاهر السلطة الفلسطينية التي تم بناؤها، ووصل هذا الأمر إلى خاتمته باغتيال ياسر عرفات المحاصر في مقر قيادته، وتوجت "إسرائيل" (آرييل شارون - الليكود) توجهها هذا، بالإعلان عن مخططها لاقتسام الضفة الغربية بقرار منها ومن دون تفاوض مع الفلسطينيين.

العنصر الثاني في فشل المشروع الوطني الفلسطيني، برز من خلال تلاشي منظمة التحرير الفلسطينية. لقد تقرر رسميا بعد "أوسلو"، أن منظمة التحرير هي مرجعية السلطة الوطنية، وهي مرجعية الاتفاق السياسي. أما على الأرض، فقد نشأت حالة من التماهي بين السلطة ومنظمة التحرير، وكانت الغلبة الواقعية للسلطة على حساب المنظمة. وما لبثت هذه الغلبة أن ترجمت نفسها بإجراءات عملية أدت إلى تلاشي أجهزة منظمة التحرير الفلسطينية.

جيش التحرير الفلسطيني تم استيعابه في أجهزة الأمن، والصندوق القومي الفلسطيني تم إلحاقه بوزارة المالية، والدائرة السياسية وسفاراتها تم إخضاعها لوزارة الخارجية، ومركز الأبحاث الفلسطينية احتلته "إسرائيل" في بيروت ورفضت السلطة إعادة بنائه من جديد، والميثاق الوطني الفلسطيني، وهو الوثيقة الجامعة للفلسطينيين، تم اتخاذ قرار بتعديله (عام 1996)، وهكذا لم يبق من منظمة التحرير الفلسطينية غير مجلس وطني لا يجتمع، ولجنة تنفيذية تجتمع لتصادق على قرارات السلطة الفلسطينية فقط.

العنصر الثالث في فشل المشروع الوطني الفلسطيني، تمثل في بروز أزمة فتح الداخلية (حزب السلطة)، وهي اتخذت أشكالا متعددة:

- أغلبية وطنية مناضلة، تواجدت في تواجدت في تشكيلات فدائية مقاتلة للاحتلال، في نابلس وجنين وسواهما من المدن، وفي كتائب الأقصى وسواها من التشكيلات، ولكن هذه الأغلبية لا تواجد فعالا لها في مؤسسات القرار السياسي.

- أقلية من الكوادر الفاعلة، تملك حضورا في المؤسسات المؤثرة على مواقع صنع القرار (اللجنة الحركية العليا - المجلس الثوري)، ولكنها لا تلتقي حول هدف سياسي واحد. بعضها يشن حرب أجيال ضد "القيادة التاريخية للحركة"، وبعضها يركز على إجراء انتخابات داخلية للدفع بعناصر "الداخل" نحو مواقع القيادة ضد عناصر "الخارج"، وبعضها يركز على الفساد وضرورة التصدي له ومحاسبة رموزه. وانتهى الأمر بقطاع من هذه المجموعة إلى التمرد على القيادة في الانتخابات الأخيرة، والترشح فرديا ضد قوائم الحركة. ويسود في بعض أوساط هذه المجموعة توجه لمواصلة العملية السياسية مع "إسرائيل"، ومهما كان الثمن، وبالتستر تحت قناع الواقعية، من أجل نيل حصة من كعكة السلطة، حتى ليمكن القول إن قطاعا من هذه المجموعة أصبح يستطيب السلطة ومواقعها، وهو لا يتورع عن أي موقف يقود إلى ذلك، وأعضاء بارزون من هذا القطاع هم الذين شنوا حملة ضارية ضد نجاح (حركة حماس)، وضد حكومة اسماعيل هنية، ولا يزالون يعارضون حتى إنشاء حكومة وحدة وطنية، مطالبين بحكومة تكنوقراط تطرد (حماس) خارج السلطة.

- ثم هناك أقلية ثالثة من الكوادر الفاعلة، لا تخفي أن لديها اتصالات خارجية، وتمويلا خارجيا، وتعلن استعدادها لإنجاز اتفاق مع "إسرائيل"، يوافق على كل ما تريده، بل ويبدي استعداده لضرب ما تسميه "إسرائيل" "البنية التحتية للإرهاب".

إن أزمة فتح الداخلية التي برزت من خلال هذه التجمعات، هي التي أبرزت صعوبة الأزمة وتعقيدها، وهي التي بلورت أن الأزمة أزمة سياسية، وليست أزمة فنية فقط، تتعلق مثلا بشروط العضوية أو بسوى ذلك من الشروط التنظيمية المعروفة، وهي أزمة لا تحل بانعقاد المؤتمر العام للحركة، إنما تحل بالوقوف أمام السؤال الأساسي المتعلق بالمشروع الوطني الفلسطيني، وكيفية إخراجه من أزمة الفشل التي يعيشها.

وحين لا يتم بحث موضوع فشل المشروع الفلسطيني، لا "داخل" قيادة (حركة فتح)، ولا في أي محفل فلسطيني آخر، فإن الأزمة ستبقى وتستمر وتتجدد، وستتخذ أشكالا مختلفة من الصراع.

البعض سيركز على الصراع مع (حماس)، والبعض سيركز على إقالة الحكومة، والبعض سيفكر بانتخابات فلسطينية جديدة، والبعض سيفكر في الاغتيالات، والبعض سيفكر في الهرب إلى أحضان منظمة التحرير (شرط أن تبقى على حالها)، ولكن كل ذلك لن يشكل حلا لأزمة (فتح) أو لأزمة السلطة الفلسطينية.

وحين لا يتم بحث موضوع فشل المشروع الوطني الفلسطيني، لا داخل قيادة (حركة فتح)، ولا في أي محفل فلسطيني آخر، فإن البحث عن حل الأزمة سيتم خارج أطر السلطة، وخارج أطر (حركة فتح)، وخارج الأطر الفلسطينية المعتمدة حتى الآن. وكل من لا ينظر حوله، ويرى إلى الإرهاصات الشعبية المبشرة بذلك، سيفاجأ يوما ما بالنيران تحاصره.

Belal2001@club-Internet.fr