المقاومة العربية والمعركة الواحدة

عوني صادق

على مدى ما يقرب من القرن، لم تتغير أساسيات المشهد في المنطقة العربية باستثناء الوجوه وبعض الأدوار. فالمنطقة التي رسمت حدودها دول الغرب الاستعماري، تحدد مستقبلها عبر أطماع تلك الدول التي وثقتها في اتفاقية "سايكس- بيكو" العام 1916. وجاء صدور "وعد بلفور" في العام 1917 ليضع مشروع إقامة (الوطن القومي اليهودي في فلسطين) وليرسم إحدى أهم أدوات المحافظة على خريطة "سايكس- بيكو"، والإبقاء على أوضاع الفرقة والتجزئة والضعف والتنابذ بين الكيانات العربية التي رسمتها تلك الخريطة. وبقليل من التدقيق يمكن لأي مدقق أن يلاحظ كيف أن الاستراتيجية الاستعمارية التي أفرزت "سايكس- بيكو" هي نفسها التي أفرزت ما يسمى مشروع (الشرق الأوسط الكبير) أو (الشرق الأوسط الجديد)، مع الأخذ في الاعتبار التغيرات التي حصلت في قيادة المعسكر الاستعماري وواقع العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بعد انتهاء حقبة (الحرب الباردة) وسقوط الاتحاد السوفييتي.

لقد انطلق المشروع الصهيوني وقام كيانه في فلسطين في العام 1948 كإحدى أدوات المشروع الاستعماري في المنطقة العربية ولمنع قيام أي شكل من أشكال الوحدة بين الكيانات العربية التي استحدثتها اتفاقية "سايكس- بيكو" الاستعمارية. وقد أطلق على المنطقة العربية منذ ذلك الوقت اسم (الشرق الأوسط)، وكانت التسمية نفسها تعبيرا عن الهدف الاستعماري الذي يقوم على إلغاء الروابط الجامعة بين البلدان والشعوب العربية كجزء من سياسة (فرّق تسد) البريطانية المعتمدة، من أجل تسهيل السيطرة عليها واستغلال ثرواتها الطبيعية.

ولقد نجحت السياسات الاستعمارية البريطانية - الفرنسية – الأمريكية، خلال القرن الماضي في تحقيق أهدافها الاستعمارية، فحافظت على الوضع العربي المجزأ بما يعنيه من ضعف وفرقة وتنابذ وتناقضات، وتوسلت إلى ذلك ربط معظم الأنظمة والدول العربية بعجلتها، والتآمر على الأنظمة وضرب الدول التي حاولت التحرر من قيودها. وكانت للكيان الصهيوني وظيفة واضحة وهي وظيفة الهراوة الغليظة ضد كل من يفكر في التمرد أو الابتعاد عن سياسة الخضوع والتبعية للدولة الاستعمارية القائدة، وكان ذلك واضحا بدءا من العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 وانتهاء بالعدوان الثلاثي على لبنان في تموز 2006.

نعم لم تتغير أساسيات المشهد الاستعماري في المنطقة العربية خلال القرن، لا من حيث الاستراتيجية ولا من حيث التكتيك، ولا حتى من حيث الأدوات وخصوصا ما يتعلق بالوظيفة المعطاة للكيان الصهيوني. لكن أساسيات المشهد التحرري العربي شهد تغيرات كثيرة، فمن الانقلابات العسكرية التي شهدناها تقع في مصر وسوريا واليمن وليبيا، والتي قام بها ضباط أحرار في جيوش هذه الدول، إلى الثورات الشعبية مسلحة أو غير مسلحة، كما حدث في الجزائر وتونس والمغرب، إلى أن وصلت أخيرا إلى ظهور المقاومة المسلحة في فلسطين والعراق ومؤخرا في لبنان. ولم يكن اعتماد أسلوب المقاومة المسلحة لمواجهة الهجمة الإمبريالية الصهيونية خيارا ترفيا بل جاء نوعا من الاضطرار بعد ما تخلت الحكومات العربية عنها لحساب التسوية الأمريكية.

وأظهر هذا الأسلوب النضالي قدرته على عرقلة المخططات والبرامج والمشاريع الإمبريالية في فلسطين والعراق ولبنان، كما أظهر النموذج المتميز الذي قدمته المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة "حزب الله" ما يمكن أن تصل إليه إمكانات مواجهة وإفشال هذه المخططات الامبريالية. لكن اللافت أنه في الوقت الذي ترى الولايات المتحدة الأمريكية وصنيعتها الصهيونية، وبقية القوى الإمبريالية، أن معركتها هي معركة واحدة لا تتجزأ، وضعتها تحت عنوان (مكافحة الإرهاب) وتمتد من أفغانستان إلى فلسطين إلى العراق ثم أخيرا إلى لبنان، تعاني حركات المقاومة العربية من مرض النظام الرسمي العربي، مرض التجزئة، أي تجزئة المعركة الواحدة.

لطالما تكررت في الأدبيات السياسية العربية مقولة وحدة المعركة التي تخوضها الأمة العربية ضد الإمبريالية والصهيونية، لكن هذه المقولة الصحيحة لم توضع يوماً موضع التطبيق، وإذا كان مفهوماً ألا تفعل ذلك الأنظمة العربية، لأنها لم تكن يوما معركتها، فإنه مستغرب وغير مفهوم ألا تضعها حركات المقاومة العربية موضع التطبيق، إن على هذه الحركات أن تسارع إلى توحيد نشاطاتها، وألا تترك نفسها خاضعة لقانون التجزئة الذي تتمناه وتعمل للإبقاء عليه القوى الإمبريالية والصهيونية. لا بد من النظر إلى المعركة القائمة في فلسطين والعراق ولبنان، وربما سوريا غدا، على أنها معركة واحدة لأنها بالفعل هي كذلك، ومواجهتها لا بد أن تستند إلى استراتيجية تقوم على أساس هذه الحقيقة المؤكدة. عندئذ لن يستطيع أحد أن يستفرد بالمقاومة الفلسطينية أو العراقية أو اللبنانية، والأهم من ذلك أنه لن تستطيع القوى الإمبريالية أن تلتف غدا على ما تستطيع إنجازه، بالأمس، أي من هذه المقاومات وحتى لا تجد نفسها بعد كل معركة تخوضها قد عادت إلى نقطة الصفر.