لبنان بعد انتصار "حزب الله"

عوني صادق

في الحرب التي شنتها "إسرائيل" على لبنان، انتصر "حزب الله"، هذه حقيقة لا أراها موضوعاً للالتباس مهما حاول البعض إظهارها ملتبسة، لذلك لن أدخل في محاولات للبرهنة على انتصار "حزب الله". الأهم في رأيي، الآن، هو النظر إلى لبنان والوضع الذي آل إليه بعد هذا الانتصار الذي يجب على اللبنانيين أن يحافظوا عليه بكل ما يستلزم الحفاظ عليه.

بداية أقول إن الوضع الراهن ليس أكثر من هدنة تفصلنا عن الحرب القادمة التي قد تكون أقرب مما يعتقد البعض، ومن الضروري عدم الركون إلى افتراض أن الحرب قد انتهت. هذه الهدنة فرضها تعب الأطراف التي شنت الحرب: الولايات المتحدة و"إسرائيل". وقد كان واضحا أن "حزب الله" والمقاومة الوطنية اللبنانية لم يتبعا، بالرغم من كل الضغوط التي وضعتها عليهما أوضاع المدنيين الذين كانوا الهدف الوحيد الذي استطاع الجيش "الإسرائيلي" - الذي كان لا يقهر- أن يصل إليه، إلى جانب البيوت والبنى التحتية المكشوفة للطائرات أمريكية الصنع. إن كل ما أقدم عليه الجيش "الإسرائيلي" في الأيام الأخيرة قبل إعلان قرار مجلس الأمن الرقم (1701) والأيام التي تلته حتى موعد سريان وقف الأعمال الحربية كان مجرد محاولات يائسة لتحسين الصورة المهشمة التي ظهر عليها هذا الجيش وقوة الردع لديه التي تهاوت تماما خلال الثلاثين يوما التي سبقت ذلك.

الآن وبعد سريان الهدنة، من السهل لمن لا يريد أن يرى غير الدمار الذي تسببت به الحرب العدوانية أن يتوقف عنده ليخرج مقولات قديمة، عن لبنان وموقعه ودوره، من الأدراج  بالرغم مما أثبتته الحرب الأخيرة على وجه التحديد من خطئها، والذي يفترض أن انتصار المقاومة دفنها وإلى غير رجعة، لكن الحقيقة التي لم تغب وسط كل التطورات والمتغيرات التي سبقت ورافقت الحرب هي أن أصحاب تلك المقولات في لبنان لا يزالون موجودين ولم تتغير مواقفهم، بل ربما يجدون في الحرب وبعض آثارها المرئية ما يدعم هذه المواقف.

من تلك المقولات ما بدأ بعض اللبنانيين يعودون إليه، مثل مقولة إن (قوة لبنان في ضعفه)، وهذه المقولة تأخذ الآن تعبيراً آخر هو (قوة لبنان في حياده). كذلك المقولة الأخرى التي تأخذ شكل السؤال الاستنكاري: (لماذا يظل لبنان الجبهة العربية الوحيدة المفتوحة مع "إسرائيل"؟). وهناك أيضا، مقولة (لبنان يجب ألا يكون ساحة الحروب بالوكالة)... إلخ

في هذا المقام على اللبنانيين أن يتيقنوا، أولا، أن الحرب العدوانية الأخيرة على لبنان لم تكن بسبب (انحياز) لبنان لأشقائه الفلسطينيين، أو لأنه لم يكن (محايدا) في موضوع الصراع العربي- "الإسرائيلي"، بل لأن طرفاً لبنانياً مدعوماً برأي عام لبناني كان يرى أن له أرضا تحتلها "إسرائيل" يتوجب تحريرها، وله أسرى لبنانيون يتوجب أيضا تحريرهم. لقد كانت المقاومة بقيادة "حزب الله" منحازة لمصالح لبنان الوطنية ولمواطنين لبنانيين، وليس غير ذلك. ولقد أظهرت مقولة (قوة لبنان في ضعفه) عجزها عن الدفاع عن مصالح لبنان واللبنانيين على مدى سنوات طويلة حتى جاءت المقاومة وجاء "حزب الله" وأجبر المحتلين الصهاينة على الانسحاب في مايو/ أيار ،2000 فثبت أن قوة لبنان في قوته التي يمكن أن يتوفر عليها بنفسه وبقدراته الذاتية.

أما الأمر الثاني فهو أن ذلك الانسحاب "الإسرائيلي" لم يكن تاما بل كان منقوصا فظلت بعض الأرض اللبنانية محتلة (مزارع شبعا وتلال كفر شوبا)، وظل بعض الأسرى اللبنانيين في السجون "الإسرائيلية"، كذلك ظل مطلوبا من لبنان أن يكون معبراً وممراً ومحطة للتآمر على بلدان عربية وقضايا عربية، بعبارة أخرى ظلت أسباب العدوان على لبنان موجودة، وظل الأعداء في انتظار الفرصة المناسبة في تقديرهم لشن هذه الحرب، وكانوا سيخلقون الفرصة وسيخترعون الذريعة في كل الأحوال عندما يرون الوقت مناسبا.

الآن بعد أن شنت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على لبنان ودفعت "إسرائيل" لتنفذها بالأصالة والنيابة، وبعد فشل المعتدين وانتصار المقاومة اللبنانية، أصبح لبنان - لو أراد - أكثر قوة من أي وقت مضى، وأسس الانتصار الجديد لقيام دولة لبنانية قوية، قادرة على حماية نفسها ومواطنيها، وقادرة على ضمان أمنها والدفاع عن استقلالها وسيادتها الوطنية. وفي هذا السياق نتساءل: هل تستطيع الدول العربية الأكبر كثيرا من لبنان أن تدعي أن ما يزعم عن استقرارها لا تدفع ثمنه من سيادتها وكرامة مواطنيها وثرواتها الوطنية؟ ماذا يعني أن تمنع دولة تعداد سكانها يزيد على 15 ضعفا من عدد سكان "إسرائيل" أن ترسل أكثر من عدد محدد من حرس الحدود مع "إسرائيل"؟

قد يبدو لبعض قصيري النظر أن ما جرى لم يعد على لبنان إلا بالموت والدمار، لكن هذا الزعم أضعف من أن يرد عليه، فالدمار الذي لحق بلبنان لحق بـ"إسرائيل" التي لم يكن يخطر لها أنها ستتعرض لما تعرضت له، وخسائر الحرب لا تؤخذ في ميزان التحرر بالكم، بل بما تتركه في وعي المتحاربين. لقد أصبح غير قابل للتجاهل أو النسيان في وعي "الإسرائيليين" ما يعنيه الاعتداء على لبنان بعد الآن من خسائر ومخاطر آنية واستراتيجية، وأصبح التفكير فيه يحتاج إلى إعادة التفكير مرات ومرات قبل الإقدام عليه، وهذا هو التأسيس الحقيقي لدولة لبنانية قوية قادرة مستقلة ذات سيادة حقيقية، وهو الإنجاز الحقيقي الكبير للمقاومة و"لحزب الله".