المقاومة هي الحل

عوني صادق

ما جرى حتى الآن في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ وقوع العملية البطولية التي نفذها أبطال المقاومة الفلسطينية في كرم أبو سالم أثبت مجددا، وبشكل قطعي ونهائي هذه المرة، أنه لا سلطة مع الاحتلال، وأن المقاومة هي الحل الوحيد لمواجهة هذا الاحتلال، كما أثبت أن الذين يتشبثون بالمفاوضات مع العدو الصهيوني كوسيلة لمواجهة احتلاله أو لاسترداد شيء من الحقوق الوطنية الفلسطينية هم واهمون في أحسن التقديرات أو مستسلمون، وعلى الأرجح هم متواطئون أيضا.

ثلاثة عشر عاما قضاها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة تحت الاحتلال يدفعون ثمن وهم يقوم على فرضية بائسة كاذبة تزعم أنه يمكن عن طريق المفاوضات والتنازلات والخضوع التوصل إلى حل لصراع على الوجود مع عدو مغتصب للأرض مستوطن فيها بالقوة، عدته ليست إلا أسوأ ما حفظت سجلات الجنس البشري من غطرسة وسادية وحب للجريمة والعنصرية، وسندهم في ذلك أعلى درجات الانحطاط في سلم القيم والأخلاق عرفته البشرية. لكن هذه السنوات لم تثبت إلا ما سبق أن أثبتته من قبل سنوات زادت على نصف قرن على قيام هذا الكيان الغاصب.

إن الإقدام على اعتقال أعضاء في مجلس تشريعي منتخب، وفي حكومة منتخبة، وكذلك اجتياح مدن وقرى وتدمير كل البنى التحتية لمجتمع بأكمله، ثم تدمير البيوت على ساكنيها المدنيين، أظهر مرة أخرى أن الحديث عن وجود سلطة فلسطينية، أو تصور أنه يمكن احترام أي قانون أو قيمة في ظل الاحتلال هو حديث بلا معنى. فأي حديث عن سيادة ولو شكلية لهذه السلطة التي لا يستطيع فيها الرئيس مغادرة مدينته إلا بتصريح من قوات الاحتلال؟ أي سلطة وأي قيمة لرئيس وزراء مهدد بالاغتيال إذا تحرك من المدينة التي يقيم فيها؟ لقد كان خطأ وربما خطيئة اقترفه/اقترفها من اعتبر اتفاقية أوسلو الاستسلامية بداية لحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه الوطنية أو على شيء من هذه الحقوق. وقد كان واضحا منذ البداية، بل قبل البداية، أن العدو الصهيوني لم يوافق على هذه الاتفاقية إلا بعد أن رتبها على نحو يجعلها لا تخدم إلا أهدافه الاحتلالية، سواء كانت التوسعية منها أو كانت الأمنية. لقد وضعت الاتفاقية لتجعل مما سمي (سلطة فلسطينية) مجرد أداة تخدم الاحتلال وأهدافه، وجعلت هذه السلطة عاجزة عن الدفاع عن نفسها إذا ما فكرت في التمرد على تبعيتها للمحتلين بعد أن حرمتها من كل وسائل وأدوات وفرص وإمكانات التمرد. فأي أدوات أو فرص أو إمكانات تمتلك هذه السلطة إذا كان جهاز الشرطة بعدد أفراده، وأنواع البنادق وعدد الطلقات مع كل شرطي.. معروفا ومسجلا ومحفوظا في سجلات الأمن "الإسرائيلي"؟

الآن عرف الجميع أي سلطة وأي حكومة وأي ديمقراطية يريد الصهاينة وحلفاؤهم من الأمريكيين والغربيين والعرب يريدون، الآن على كل الذين يتحدثون في أرجاء الأرض عن السلام مع الكيان الصهيوني أن يخرسوا، وعلى الذين يتحدثون عن المفاوضات معه أن يتواروا عن الأنظار. وإذا كان مفهوما أن يقبل الأوسلويون من الفلسطينيين "اتفاقية أوسلو" وسلطتها بحثا عن مصالح فردية أو فئوية، وأن يتمسكوا بها بعد أن اتضحت أهدافها الحقيقية، فإنه لم يكن مفهوما أن يقبلها بعض الرافضين لها مثل حركة "حماس" أو يقبلوا أياً من منتجاتها وهم يعلمون جيدا حدود ما تسمح به هذه المنتجات من الفعل الوطني. إن "حماس" اليوم تدفع ثمن أخطائها في التقدير، مثلما يدفع الشعب الفلسطيني كله ثمن أخطاء وخطايا القيادات الفلسطينية التي تصدرت العمل الوطني الفلسطيني منذ عقود.

لقد “صدقت” حركة "حماس" أن الأمريكيين يريدون نشر الديمقراطية في المنطقة العربية، فدخلت تجربة كان عليها ألا تدخلها، واختار الشعب نواب الحركة لأنه وجدهم يؤمنون بالمقاومة ونهج المقاومة بعدما خبر جيدا أوسلو وقادة أوسلو وتجار وسماسرة أوسلو. بعدها كشفت أمريكا وكشف الغرب (الديمقراطي) ما يفهمه وما يعنيه وما يريده من هذه الديمقراطية فجاء العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني بالحصار والتجويع والتآمر على ما أعطته الديمقراطية الفلسطينية من نتائج. وتآمرت الأنظمة العربية العميلة لهذا الغرب، وأحكمت الحصار وأكملت التجويع ورفعت من وتيرة العقاب. واستغرب الجميع ودان عملية كرم أبو سالم، وقامت الدنيا ولم تقعد من أجل جندي أسير وقع في الأسر في معركة عسكرية، بينما يتجاهل العالم اليوم وجود أكثر من عشرة آلاف سجين وسجينة في سجون الاحتلال، ومثلما يتجاهل أن ربع سكان الأراضي المحتلة (أكثر من 800 ألف مواطن) قد دخلوا هذه السجون منذ احتلال 1967. فماذا بقي لأي من المتمسكين بأوسلو وسلطة أوسلو ليظلوا متمسكين بها؟

إن ما جرى ويجري اليوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة يؤكد أنه لا سلطة وطنية في ظل الاحتلال، حتى عندما يكون في هذه السلطة وطنيون، إذ بمجرد أن يبدأوا في التصرف كوطنيين سيجدون أنفسهم هدفا لرصاص المحتلين، أو معتقلين في سجونه. لقد أثبت التاريخ عشرات بل مئات المرات أنه لا حل مع الاحتلال ولا طريقة لمواجهته إلا بالمقاومة. فلتذهب أوسلو إلى الجحيم، ولتفتح الطريق مجددا إلى المقاومة كطريق وحيدة إلى تحرير الأرض واسترداد الحقوق وسيادة الوطن وكرامة الإنسان الفلسطيني.