جهاد "حزب الله" الأكبر

عوني صادق

عندما يصدر عن مجلس الأمن الدولي قرار بوقف إطلاق النار، أو وقف العمليات الحربية، يضع نهاية للحرب الدائرة في لبنان بين "حزب الله" والكيان الصهيوني، يكون "حزب الله" قد انتقل من الجهاد العسكري الأصغر إلى الجهاد السياسي الأكبر، وهو ما يحتاج معه إلى صلابة أشد وعزيمة أقوى مما احتاجه في جهاده العسكري المتميز الذي أجبر الولايات المتحدة الأمريكية وصنيعتها الصهيونية على قبول وقف إطلاق النار.

أول ما يجب التذكير به كبدهية سياسية في معرض الحديث عن وقف لإطلاق النار في لبنان، هو أنه لن يكون مقبولا لا بالنسبة للكيان الصهيوني، ولا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، ولا لأي جهة تابعة لهما، أن يأتي هذا القرار ليكشف حقيقة أن "حزب الله" قد أحرز نصراً واضحاً صريحاً في هذه الحرب، ولا بد من محاولات الالتفاف عليه وبذل كل جهد ممكن لتمويهه، كحد أدنى. لكن الهدف الحقيقي الذي ستعمل الولايات المتحدة من أجله هو أن تستعمل نفوذها لتحقق، لنفسها ولحليفتها، بالسياسة ما عجزتا عن تحقيقه في الميدان، لأن تداعيات نصر صريح "لحزب الله" هي أكثر من أن تحصى، وأخطر على المشاريع الأمريكية والأطماع الصهيونية في المنطقة من أن تسمح بها الولايات المتحدة ما دامت قادرة على ذلك.

من حيث المبدأ، أثبتت قيادة "حزب الله" أنها على علم كامل بكل ما تخطط له الولايات المتحدة وما تتطلع إليه حكومة تل أبيب، كما أثبتت أنه لا يعوزها بعد النظر أو عمق التفكير أو التفوق في التدبير. لذلك ولكل ما امتازت به هذه القيادة، استطاعت أن تدير الحرب الضروس التي خاضتها بكل جدارة واقتدار قبل الحرب، بما أظهره مقاتلوها من جاهزية قتالية عالية، وأثناء الحرب بما أظهرته من تخطيط وتنفيذ مدهشين، وبالتالي بما تحقق في الميدان من إنجاز تاريخي بكل ما للكلمة من معنى.

ولقد جاء هذا النصر العسكري الذي أحرز في الميدان بسبب توافر عامل حاسم، إضافة إلى ما يتصل بالأمور العسكرية كمستوى الإعداد والتدريب والتسلح المناسب، هذا العامل الحاسم هو أن قيادة هذه المقاومة، وقيادة "حزب الله"، اعتمدتا على قدراتهما الذاتية، واستطاعتا أن تحققا ما حققتاه لأن ما كان يجري في الميدان كان يحتاج إلى ما هو في متناول هاتين القيادتين. لقد واجهتا العدو الصهيوني وشلتا فاعليته وكبدتاه الخسائر الفادحة ومنعتاه من تحقيق أي هدف من أهدافه المعلنة. في الوقت نفسه، لجمت هاتان القيادتان كل فاعلية لخصومهما، ولم يكن في استطاعة هؤلاء الخصوم، بدءا بالولايات المتحدة وانتهاء ببعض العرب واللبنانيين، أن يفعلوا شيئا لتغيير مسار المعارك (طالما أنهم غير جاهزين للانضمام إلى المعركة بالمعنى العسكري)، وخصوصا بعدما تبين، أولا، أن لبنان كله مطلوب وليس فقط "حزب الله"، وثانيا، بعدما، سقطت مقولة إن "حزب الله" ذهب فيما أقدم عليه إلى "مغامرة غير محسوبة".

الآن بعدما توقفت المعارك وسكتت المدافع، انتقل الجميع إلى المعركة السياسية وهي الأصعب بسبب ما يمتلكه خصوم "حزب الله" من نفوذ. فقرار وقف إطلاق النار الصادر يستند أساساً إلى المشروع الفرنسي الذي ينتهي ليصب في القرار 1559 وما يتضمنه من نزع لسلاح "حزب الله" ونشر للقوات الدولية في جنوب لبنان، وهو ما سيعني في نهاية المطاف إخراج لبنان كله من معادلة الصراع العربي- (الإسرائيلي)، ولو بعد حين. إن ذلك يعني في جوهره إسقاط بل إلغاء كل ما غيره جهاد "حزب الله" الأصغر (الجهاد العسكري وآثاره) من معطيات في الواقع والنفوس العربية بل و(الإسرائيلية).

نعرف أن قيادة "حزب الله" لن تقبل بذلك، لكنها يمكن أن تلجأ إلى المناورة إذا ما كان تنفيذ القرار يعتمد المراحل. وبسبب ظروف كثيرة خلقتها الحرب في الأسابيع الأربعة، أصبح مطلوبا من قيادة "حزب الله" أن تثبت للبنانيين أنه حتى لو تحققت كل المطالب اللبنانية فإنه لا غنى عن وجود استراتيجية دفاعية تضمن للبنان حدوده وسيادته واستقلاله أولا. أما إذا كان تنفيذ القرار يعتمد المخطط الأمريكي من حيث نشر القوات الدولية قبل أن تنسحب القوات (الإسرائيلية) من مزارع شبعا، أو من أي شبر تكون قد دخلته في أيام الحرب، فإن ذلك لن يكون مقبولاً لدى قيادة "حزب الله" وهو ما سيعني استئناف القتال وعدم تنفيذ قرار وقف إطلاق النار. لا يستطيع "حزب الله" أن يدوس على تضحياته الكبيرة مهما كانت الظروف، ولن يقبل قرارا يلغيه أو يلغي انتصاره التاريخي، ولن يقبل أن يكون هذا الانتصار رافعة تحمل لبنان إلى الخانة الأمريكية أو (الإسرائيلية) وهو ما أكده سماحة السيد حسن نصر الله.

إذا لم يقبل "حزب الله" ذلك، تكون الولايات المتحدة خسرت بالسياسة ما خسرته (إسرائيل) بالحرب، وستضطر أن ترجع (إسرائيل) إلى ساحة القتال لتوسع دائرتها وتحولها إلى حرب إقليمية ليصبح ممكنا طمس الانتصار الذي أحرزه "حزب الله". في هذه الحالة يصبح مؤكدا جر سوريا إلى ساحة المعركة، وتصبح إيران مطالبة بتقديم المساعدة لها و"لحزب الله" بطريقة أو أخرى... فهل ينتهي قرار وقف إطلاق النار ليكون إيذانا بتحويل الحرب بين "حزب الله" والكيان الصهيوني إلى حرب إقليمية؟