من ينقذ الشيعة؟؟!

د. أمير البياتي

دعونا أولاً نتفق على بعض الثوابت، أولها: أننا نجبر أحياناً على استخدام التقسيمات الطائفية التي نمقتها، ونود التخلص منها، لكننا لا يمكن أن نتخلص منها أو نقلل من تأثيرها بتجاهلها أو الادعاء بعدم وجودها فقط.

استخدامنا هنا للشيعة والسنة إنما هو اضطرار وليس اختياراً، وإنما هو محاولة متواضعة لإيضاح بعض الأمور ودق جرس الإنذار أمام آذان شريحة واسعة من المجتمع العراقي وربما العربي، شريحة تغط الكثرة الغالبة منها في نوم عميق وتمني نفسها بالمستقبل المشرق وتحلم أحلام اليقظة والمنام بالحصص النفطية والخدمية التي ستتراكم في خزائنهم وبيوتهم.

وثانيها: أن العراقيين كلهم يعانون ويعانون ويعانون، وأن البعض إنما يعاني أكثر من الآخر، كما أن البعض يتعرض للإبادة والتقتيل والتهجير أكثر من غيرهم.. وعلينا أن نتفق أيضاً أن من ساهم في ذبح العراق وتسليمه إلى المحتل هم كثير ممن يحملون الجنسية العراقية أو يدعون بأنهم عراقيين وأن منهم الشيعة والسنة والعرب والأكراد، وإن كانت النسب تختلف بين شريحة وأخرى، ولكن أياً منهم لم يساهم في الجريمة بناءً على انتماءه القومي أو العرقي أو المذهبي، وأن كل الذين تعاونوا ويتعاونون مع الغاصب المحتل إنما يفعلون ذلك انطلاقاً إما من أطماع ذاتية دنيئة أو من ارتباطات مسبقة بجهات مشبوهة، وفي قليل من الأحيان بناءً على حسابات خاطئة وقصر نظر وغباء سياسي.

إذاً، وبعد أن اتفقنا على ذلك، يمكننا أن نقول: أن في جريمة العصر المتمثلة باحتلال العراق وتدمير مركز الإشعاع العربي والإنساني الذي كان يمثله، أن في هذه الجريمة بعض الخاسرين الصغار وكثير من الخاسرين الكبار! فمن هم الخاسرون الصغار؟ ومن هم الخاسرون الكبار؟

إن الخاسرين الصغار كثيرون، ولن ندخل في تفاصيل تعدادهم، ولكننا سنتحدث عن الذين خسروا كثيراً وفي تصورنا أنهم ثلاثة مرتبين حسب حجم خسارتهم: الكويتيون والأكراد والشيعة! ويمثل شيعة العراق أكبر الخاسرين!

كيف ولماذا؟

كيف يكون "الكويتيون" خاسرين وهم لم يخفوا تواطئهم مع الجيوش الغازية ولا شماتتهم بالخراب والدمار الذي حل بالعراق، ولا فرحتهم بل ومساهمتهم في كل ما يؤذي العراق والعراقيين؟

وكيف يخسر الكويتيون وهم كانوا ومازالوا يسرقون النفط العراقي ويساهمون في تخريب الاقتصاد العراقي ويعيثون في جنوب البلاد فساداً دون حسيب أو رقيب؟

وكيف يخسر الأكراد وهم يثبتون يومياً أركان "فيدراليتهم" ويمهدون السبل للانفصال وتكوين البذرة الأولى للدولة الحلم "دولة كردستان الكبرى" التي ستضم أكراد العراق وايران وتركيا وسوريا وباقي الأكراد في دول المنطقة الأخرى؟

وكيف يخسر الأكراد وهم يضيفون كل يوم مكسباً جديداً إلى مكاسبهم الوزارية والبرلمانية والدستورية؟

وكيف يخسر الأكراد وكردستان العراق اليوم هي واحة الاستقرار والديمقراطية والبناء في عراق ينزف كل يوم دماً غزيراً طاهراً ويصطبغ فجره باللون الأحمر القاني؟

وهل يعتبر الشيعة خاسرين وهم يستولون على أهم المناصب السيادية في "العراق الجديد"؟

وكيف يكونوا خاسرين وهم يؤسسون فضائياتهم ويمتلكون صحفاً خاصة بهم وإعلاماً يروج "لمظلوميتهم" التاريخية؟

وهل هم خاسرون وهم يمارسون شعائرهم الخاصة باللطم والتطبير والبكاء على مدار السنة وعلى مرأى من الناس دون أن يمارس "النظام" عليهم أي ضغط أو منع؟

وهل هم خاسرون وهم يمتلكون "الأغلبية" في برلمان "العراق الحر الديمقراطي"؟!

كل هذه أسئلة وغيرها كثير، وهي كلها أسئلة مشروعة وكلها تشير إلى أن الكويتيين والأكراد والشيعة هم المستفيد الأكبر من احتلال العراق! فكيف يكونون هم الخاسرين؟؟!

من المؤكد أن ظرف الاحتلال هو ظرف مؤقت، وأن عمره بمشيئة الله وهمة الأبطال المقاومين هو أقصر مما يتصور الكثيرون، وأن كل ما جاء به الاحتلال باطل وزائل، وأن كل التشكيلات "الدستورية" و"الجغرافية" وكل "التشريعات" التي رافقت هذا الاحتلال هي مؤقتة ويرتبط بقاؤها ببقاء المحتل.. كما أن من المؤكد أن قوانين الجغرافية لن تتبدل، وأن الأكراد والشيعة، وكذا كل أطياف الشعب العراقي الأخرى باقية في العراق إلى أن يشاء الله، وأن "الكويت" ستبقى جارة للعراق، فلا العراق متحول عن مكانه ولا "الكويت" ذاهبة إلى مكان آخر غير حضن الوطن الأم.. كما أن من المؤكد أن مصالح الدول العظمى الاستراتيجية ثابتة وأن مصالحها التكتيكية متحولة مادامت رياح التغييرات تواصل هبوبها على المعمورة.

وهذا يعني أن الاحتلال إذا زال، وهو زائل لا محالة، فلن يكون في أجندته حماية العملاء الذين سيخلفهم ورائه ولا الحفاظ على تشكيلات وتقسيمات "إدارية ودستورية" وضعها لخدمة أهداف آنية وتكتيكية مرحلية، ولا الحفاظ على مصالح دول استنفذت دورها وانتهى تاريخ صلاحيتها، ولن يكون في أجندته أو في وسعه الدفاع عن "فيدراليات" يمكن أن تكون نواة لدولة يتعارض قيامها مع المصالح والأهداف الاستراتيجية لدولة الاحتلال والدول "العظمى" الأخرى، فقيام الدولة الكردية "الحلم" لا يمكن تحقيقه حتى في ظل "الشرق الأوسط الجديد"، فوجود هذه الدولة يتناقض مع مصالح دول مهمة وأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ودول حليفة وحيوية في خدمة السياسة الأمريكية في المنطقة، وأهميتها تفوق كثيراً أهمية "حق تقرير المصير" الذي تتاجر به القيادات الأمريكية علناً وتدوس عليه وتستخف به عندما يتعارض مع مصالحها.

ومصيبة الأكراد على مر تاريخ صراعهم الطويل مع الأنظمة المتعاقبة في العراق خصوصاً والمنطقة عموماً، أنهم لم يدركوا بعد – أو أنهم أدركوا ولكنهم يتمسكون بقشة الغريق – أنهم إنما أدوات تتلاعب بهم قياداتهم الفاسدة، ورأس الحربة في تنفيذ المخططات الخبيثة للصهاينة والأمريكان.. وإن تطابقت مصالح الأكراد مؤقتاً مع المصالح الامبريالية في المنطقة فأن دوام الحال من المحال.. وسيأتي اليوم الذي يكون زوال "الفيدرالية الكردية" ووجودها سيان في حساب المصالح الأجنبية، وعندها سيجد الأكراد كتابهم منشوراً أمامهم ليقرأوا فيه أخطائهم وخطاياهم وليدفعوا غاليا ثمن قصر النظر الذي وقعت فيه القيادات الكردية الشريفة وثمن عمالة العملاء منهم.. وعندها سيندمون على المكاسب التي كانوا يتمتعون بها في زمن الحكم الذاتي تحت قيادة البعث وسيكون إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء مستحيلاً.

ومصيبة الكويتيين أنهم جار للعراق، وأن العراقيين لن ينسون ما فعله جارهم العزيز وشقيقهم بهم قبل الحصار وأثناء الحصار وبعد الحصار، وقبل الاحتلال وأثناءه.. كما أن العراقيين لن يتنازلوا عن حقهم في استعادة جزء مهم من أجزاء الوطن الغالي.. وعندما تفقد الكويت أهميتها الاقتصادية وتعجز عن لعب دورها التآمري على العراق - ولن يستغرق هذا طويلاً، سيترك الأمريكان الكويت لتسوية مشاكلها المعلقة مع العراقيين "بالمباحثات الثنائية" مع العراق.. وسيكون الحساب عسيراً وعسيراً جداً.. ذلك أن "الإخوة" الكويتيين لم يتركوا وسيلة إيذاء يمكن أن تستعمل إلا وسلطوها على العراقيين، ولم يدخروا جهداً "خيراً" إلا وبذلوه في سبيل "إسعاد الأخوة العراقيين" ومساعدتهم بشتى الوسائل المتاحة المشروعة وغير المشروعة، ولم يألوا جهداً في خدمة السيد الأمريكي حتى دون أن يطلب منهم سيدهم ذلك! لذا سيكون يوم الحساب مشهوداً وسيترحم الكويتيون على كرم صدام حسين ومواقفه الأخوية الشريفة ولات ساعة مندم ولن ينفع وقتها الهرب إلى "الأشقاء السعوديين" الذين لن يستقبلوهم، ولن ينعقد مجلس الأمن لاستصدار القرارات الدولية التي تناصرهم.

أما شيعة العراق فمصيبتهم أكبر!!! وقبل الاسترسال في الموضوع ننبه إلى أن المقصود هنا هي الأحزاب التي تتستر بالمذهب الشيعي وتتاجر بما يسمى بـ"المظلومية الشيعية"، ولكن المصيبة ستكون مصيبة كل الشيعة.. ذلك أن تلك الأحزاب لم تجعل بينها وبين جماهير الشيعة فاصلاً، ولا مّيز السواد الأعظم من الشيعة أنفسهم عن المسار المظلم الذي سارت به تلك الأحزاب، إلا من رحم ربك وهم الشرفاء الواعون الذين ناصروا المقاومة أو انضموا إليها أو كانوا ومازالوا أشواكاً في حلقوم الاحتلال وأعوانه.. فهذه الأحزاب خانت الوطن - وهل بعد الخيانة من ذنب؟ وهذه الأحزاب ساهمت وبشكل فعال في ذبح الوطن - وهل أكبر جريمة من ذبح وطن؟ وهذه الأحزاب أساءت إلى تاريخ العراقيين الناصع الأبيض - وهل أعظم من هذه إساءة؟ وهذه الأحزاب زورت التاريخ وكذبت وكذبت وكذبت - وهل أقبح من الكذب من صفة؟ وهذه الأحزاب خانت الأمانة التي حملتها لها جماهيرها - وهي جماهير غير واعية في معظم الأحيان - وقادتها إلى النار كما قاد فرعون قومه إليها - فهل هناك أسوأ من هذه النهاية؟.. وفوق كل هذا وذاك فقد أساءت هذه الأحزاب إلى المذهب الذي تتاجر به - وأساءت إلى تاريخ الشيعة الزاخر بمقاومة المحتلين - وهذه جريمة تاريخية أخرى.

لقد تأسست الأحزاب الشيعية على أسس العمالة لايران! فـ"حزب الدعوة" رضع الحليب الايراني منذ أول نشأته، وعندما كان في مرحلة "التثقيف أو التبشير" كانت منشوراته تطبع في مطابع المخابرات الايرانية، وحالما انتقل إلى مرحلة "التنظيم" كانت تعليماته تصدر من طهران، وعندما تحول أخيراً إلى مرحلة "العمل المسلح" كانت ايران تزوده بالسلاح.. فكيف تريدون من هذا الحزب ألا يخدم المصالح الصفوية وكيف نريده أن يحافظ على وحدة وعروبة العراق؟!.. لقد كانت كوادر هذا الحزب تتآمر على العراق وقيادته بينما كان العراق مشغولاً بالدفاع عن أرضه وكرامته وحرائره ووحدة ترابه، وكانت تنظيمات الحزب العميل تنفذ عمليات القتل وتفجير السيارات المفخخة في بغداد بينما أبطال العراق يصدون الحقد الفارسي الأصفر على حدود الوطن الغالي.. فكيف نرجو خيراً من هذا الحزب؟

وما قلناه عن "حزب الدعوة" يمكن قوله عن الأحزاب الأخرى التي نشأت وترعرت في أحضان المخابرات الايرانية مثل "المجلس الأعلى" و"الفضيلة" وغيرهما، وساهمت بنفس الدرجة في تدمير العراق وشق وحدته وتمزيق نسيجه الاجتماعي المترابط على مر العصور.. وحتى "التيار الصدري" الذي خدع بعض حسني النية ومازال وهو يتاجر بشعارات "طرد الاحتلال"، لكنه في واقع يساهم من موقعه في جريمة العصر الكبرى، وينفذ أعمال القتل البشعة بحق المواطنين الأبرياء.

نقول بعد كل هذا ماذا جنى المواطن الشيعي العادي؟ وأنا أعتذر ثانية عن استعمال هذه التعابير الطائفية لكنني أجد نفسي مضطراً لذلك في سياق الموضوع، نقول ما هي المكاسب التي حصل عليها هذا المواطن؟؟؟ فمعاناة العراقيين واحدة وإن كانت بدرجات ولكن أزمات الخدمات والكهرباء والماء والوقود تشمل كل العراقيين، وليس صحيحاً ما يشاع عن تمتع المحافظات الجنوبية وحرمان غيرها، والقتل الطائفي الذي تنفذه عصابات "بدر" و"جيش المهدي" وغيرهما يطال أبناء كل الطوائف العراقية، والمفخخات لا تميز بين أحد وتترك أحداً، والبطالة تنتشر ربما بين "الشيعة" أكثر من غيرهم ولأسباب اجتماعية معروفة. وكل ما حصلوا عليه هو حق "اللطم" وحق "المشي" إلى زيارة الإمام الحسين عليه السلام.. وهي أفعال سيكتشفون قريباً أنها لا تستحق الثمن الذي يدفعونه يومياً - إن لم يكون الكثير منهم قد وصل إلى هذه القناعة الآن-.

ولكن الأخطر من هذا هو أن المذهب الشيعي الآن قد ارتبط – وللأسف - بالعمالة وخيانة الأوطان وخدمة المحتل، فما عاد يذكر الشيعة إلا وذكرت العمالة وخيانة الأوطان وخدمة الأجنبي!!! كما ارتبط المذهب الشيعي - وهو براء من ذلك - بطقوس البكاء ولطم الصدور وجلد الظهور وتطبير الرؤوس، وما عاد المذهب يعرف بطروحاته الفقهية ولا آرائه في التشريع والتفسير والتطبيق، وإنما بات يعرف باحتفالاته البكائية المتطرفة - فالاحتفال بولادة الإمام أو وفاته سيان فهي طقوس لطم وبكاء – وما عاد الشيعة يذكرون من تضحية الحسين عليه السلام غير الجانب المأساوي ويشفعون ذلك بالبكاء والتطبير - وينسون أن الإمام الحسين إنما استشهد دفاعاً عن مبادئ الإسلام الحقيقي وثار على الظلم - وهم يهادنون الظالم ويحمونه ويروجون لطروحاته ويخدمونه دون أن يسأل المواطن الشيعي نفسه: أيهما أفضل أن أبكي الحسين عليه السلام أم أقارع المحتل الظالم؟ وهل لو كان الإمام حياً هل كان سيتواطأ مع المحتل أم كان قاومه وقاتله؟ ولو كان عليه السلام موجوداً هل كان سيأمر أتباعه بالبكاء واللطم على سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام، أم كان سيأمرهم ببناء الوطن وتحريره والحفاظ على وحدته وشرف حرائره؟ ولو كان سيد الشهداء موجوداً هل كان سيجلس على طاولة الأمريكان ذليلاً خانعاً – حاشاه - يتلقى تعليمات السيد الأمريكي؟ أم كان سيقود مقاومة شعبية شاملة لإخراج المحتل؟

لقد حولت الأحزاب الشيعية العميلة المذهب الشيعي إلى مطّية للمحتل وأصبح الشيعة الحقيقيون يخجلون من انتمائهم للمذهب!!! وأصبحوا يدافعون عن انتماء مذهبي دفاعاً سياسياً ويدرؤون شبهة العمالة والخيانة عن أنفسهم دون ذنب سوى أنهم شيعة!!!

إن جريمة الأحزاب المتسترة بالمذهب الشيعي جريمة مضاعفة، فهي قد أجرمت بحق وطنها وأجرمت بحق شعبها وأجرمت بحق مذهبها وأجرمت بحق الشيعة أنفسهم.. وجريمة الجماهير التي ركبت موجتها هي جريمة كبرى بحق كل ما تقدم.. ولا يعفي المضللين قولُهم "أننا لم نكن نعلم"، فالتاريخ لن يرحم المغفلين، ويوم الحساب بات قريباً وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون..

إذاً من ينقذ الشيعة؟؟؟ لن ينقذهم أحد إذا حان الحساب، ولكن ينقذهم مسارعتهم في كشف العملاء والتخلي عنهم والبدء بتضييق الخناق على المحتل المجرم.. وربما تنقذهم توبتهم إلى الله توبة نصوحاً، ولن يشفع آل البيت الأطهار لهم، فخيانة الوطن وخدمة المحتل الكافر جريمة لا تحل معها شفاعة أحد من الخلق، ولن يغفر الله والتاريخ مواقفهم المخزية هذه، والله يهدي لسواء السبيل.

amiralbayati@yahoo.com