شرق خليل حاوي

رشاد أبو شاور/كاتب وروائي وناقد من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن

مع بدء هذه الحرب التي هي (غير شكل)، المختلفة عن حروب سلفت وخلّفت لنا عاهات في النفوس، حروب نهبت فيها أرضنا، وأورثتنا شّكاً مقيماً في قدراتنا، ويأساً من يوم ينتصب فيه ميزان العدل، فننتصف من كل من أوهنوا عزائمنا، وأوهوا قوّتنا، وتسببوا في ذلّنا ...

مع بدء هذه الحرب، مع أيامها الأولي التي بدأت تمسح بعض ما تراكم من خمج وعفن، تذكّرت الشاعر الكبير خليل حاوي، الذي انتحر عام 82، واضعاً حدّاً لحياة شقيّة في بلاد عريقة تهزم أمام شراذم لا صلة لها بالحضارة، شراذم طارئة قادرة علي الاستباحة والتدمير ...

شاعر الانبعاث الحضاري انتحر ! تلك كانت صدمة لكل من حلم بمشروع خليل حاوي، الأهم من مشاريع (الأحزاب)، والأكثر ديمومةً من كّل الخطابات السياسيّة، لأنّ بنده الأساس هو نهوض الأمّة، وميلاد الإنسان العربي الجديد ...

يكتب خليل حاوي نثراً فيه روح مشروعه الشعري:

كانت في حضور البطل صفوة الأصالة العربيّة، تتخطّي ما تتصف به ذاته من عفّة وكرامة وفداء. يتجسّد في التاريخ فيكون الانبعاث العربي الأصيل، ويغيب فيطغي التهافت، وينتهي إلي ما يشبه الموات. ولهذا يمّحي في حضوره من النفوس السؤال عن المصير وطلب الدليل علي صحّته ويقينه. مصير هو فعل مبرم لا يجيز التسويف، أو الحديث عنه في صيغة المضارع ... (مقدمة قصيدة الرعد الجريح، من ديوانه الذي يحمل نفس العنوان، دار العودة 79)..

في قصيدته الأكثر شهرةً (الجسر)، ينشد خليل حاوي:

يعبرون الجسر في الصبح خفافاً

أضلعي امتدت لهم جسراً وطيد

من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق

إلي الشرق الجديد

أضلعي امتدت لهم جسراً وطيد

تري أهي صدفةً أنّ العدو الصهيوني يدمّر (الجسور) بين مدن لبنان وقراه، حتي لا يتحرّك اللبناني، ويكون معزولاً؟ أليس في تدميره للجسور ما يفضح ما يضمره الكيان الصهويني للإنسان العربي في لبنان، وغير لبنان، من حرمان من التحرّك، والعبور..؟!

الذين يعيشون في (مستنقع الشرق)، هم أولئك الذين:

طفلهم يولد خفّاشاً عجوز

ولذا يصيح خليل حاوي مستحثّاً الهمم:

أين من يفني ويحيي ويعيد

يتولّي خلقه طفلاً جديد

غسله بالزيت والكبريت

من نتن الصديد

أين من يفني ويحيي ويعيد

يتولّي خلق فرخ النسر

من نسل العبيد

شاعر الانبعاث الحضاري، الشاعر الذي حمل مبضعه وغاص في روح بيروت، وجسد الشرق، صاح غاضباً:

اخلعوا هذي الوجوه المستعارة

جلد حرباء كريه

هو الذي صاح فاضحاً الزيف والتدليس:

تولد الفكرة في السوق بغيّاً

ثمّ تقضي العمر في لفق البكارة

نتذكّر خليل حاوي الشاعر الكبير، صاحب الأفكار الكبيرة، الذي ترك لنا نشيداً يهّز الوجدان، ويغسل الروح، ويزلزل الفكر، شاعر الحلم والواقع والأمل...

نتذكّره ونحن نسمع الدعوات الأمريكيّة ـ الصهيونيّة، لشرق أوسط (جديد)، يعني لشرق أوسط بلا هويّة، بلا انتماء، بلا قيم ـ وخليل حاوي شاعر القيّم والمثل العليا ـ إنسانه فارغ، بهيمة تأكل وتشرب وتنام...

شرق خليل حاوي يولد في معركة النار والرجولة، بالإنسان الذي يغتسل بالزيت والكبريت، ويعمّد بالبطولة...
شرق خليل حاوي يولد في شوارع الوطن العربي التي بدأ هدير غضبها، مبدّداً حالة الخنوع والسكينة الذليلة...

شرق خليل حاوي هو شرق مفكري النهضة، المبشرين بشرق حضاري، إنساني، له دور، وحضور، وحقوق، شرق لا يقبل بأقل من حريّته بشراً ووطناً...

كم تمنيّت لو أن خليل حاوي (معنا) في هذه الأيّام ليري أبطال المقاومة اللبنانيّة وهم يحرقون الأرض والسماء تحت، وعلي رؤوس، الغزاة الذين اقتحموا بيروت عام 82...

نبوءة خليل حاوي، شعره، رسالته، فكره.. معنا في هذه الأيام، ونشيده:

يعبرون الجسر

من مستنقع الشرق إلى الشرق الجديد

هو بشارة، ونشيد عبور من مستنقع إلي فضاء إنساني رحب..

أتذكّرك، وأستعيد النشيد، وأشعر كأنني في الميدان، هناك علي ثري الجنوب، حيث يكتب الرجال سفر الشرق الجديد، من لبنان العراقة والحضارة و.. العروبة...