امرأة من الجنوب
عبد النبي حجازي - سوريا
"البيت، والمال،
والرزق.. لا يساوي شعرة من رأس مقاوم" قالتها امرأة من الجنوب جالسة على حجر من
أنقاض بيتها المدمَّر وحيدة وقد لوَّنت الشمس وجهها بسمرة هادئة كهدوء صوتها وثقتها
بما تقول.
إنها امرأة من بين الأيامى والثكالى أمهاتٍ وجدّات/ من بين الرجال الذين هدت الحياة أكتافهم ، والأطفال الذين تأتلق عيونهم بالتحدي.. من بين بشر منكوبين تتقاذف عليهم قنابل (بوش الصغير) الذكية من البحر والأرض والجوّ تمزقهم أشلاء، وتسقط البيوت عليهم. منهم من ابتعد يطلب النجاة كالعصفور يستظلُّ بشوكةٍ أو عُلَيقة . ومنهم من سرت جذوره على حوافي داره المتهاوية.. كلهم ردَّدوا مثل هذه العبارات.
تقول تقارير صحفية موثوقة إن عدداً من(دهاقنة) السياسة من (أشقائنا!) اللبنانيين ورطوا(بوش الصغير) قابلوه تترى وطالبوه بالقضاء على "حزب الله" وهم من أعضاء عصابة الرابع عشر من نيسان صبيٌ يهرف بما لا يعرف، ومخضرم يهذي، وناشط ذو حملاق أحمر تكاد تتفجر عيناه ، وآخر رحب الشدقين تكاد أنيابه تبرز من فكيه ورئيس وزراء رقيق منمنم انتحب في اجتماع وزراء الخارجية العرب. وقد قال عنه أحد أفراد العصابة على إحدى شاشات التلفزيون متباهياً إن رئيس الولايات المتحدة خصّص له ساعتين بينما لم يخصص لنظيره الصيني سوى عشرين دقيقة. كما قابل أولئك الدهاقنة (جاك شيراك) وعدداً من أصحاب الجلالة يطلبون الدعم والتأييد. لقد ورطوا بوش، وبوش ورّط "إسرائيل" وعندما أخذت "إسرائيل" تتقهقر شنت على مدى ثلاثة وثلاثين يوماً حرب إبادة بمنتهى الوحشية على البيوت العامرة في جنوب لبنان، وضاحية بيروت الجنوبية ، ومناطق محددة في البقاع بالقذائف والصواريخ العنقودية والذكية التي شُحِنت بجسر جويّ من الولايات المتحدة متعمدين (بخبث - وغباء) أن يحملوا أبناء الطائفة الشيعية على التخلي عن "حزب الله" على أنه السبب لما يحلّ بهم ففوجئوا بولائهم التام حتى الموت لحزب الله وحسن نصرالله كما بينا في مستهل هذه المقالة . كانت حرباً قررها (بوش) بالوكالة عن (الدهاقنة) ونفذتها "إسرائيل" بالنيابة عن (بوش الصغير) وباؤوا جميعاً بالفشل والخيبة . لقد سماها (بوش) انتصاراً فيما اعترفت الصحف الإسرائيلية بهزيمة "جيش الدفاع" وبعضهم سماها "نكسة"، وفيما انعقدت اشتباكات بين الساسة الصهاينة وبين العسكريين راح (الدهاقنة) الذين نهشت الخيبة قلوبهم يستخفون بالنصر ويتذرعون بمطالبة "حزب الله" بالاعتراف باتفاقية الطائف التي أكل الدهر عليها وشرب. ثم راحوا يلومونه لأنه لم يعلم مجلس الوزراء وينسّق معه هذا السؤال نفسه وجهه (بن جدو) إلى حسن نصر الله فأجابه أن اجتماع مجلس الوزراء ما إن ينفض حتى يوزع المحضر - خفية - على السفارات حتى التعويض الذي بدأ "حزب الله" يقدمه للمنكوبين للمساهمة في الإعمار استنكروها. وقال أولئك الذين استقبلوا (بولتون) في بيروت واحتفوا به ، وقدموا له الأوسمة , كما انفردوا – بلا معنى - بكوندوليزارايس حتى اندفع كل منهما يطالب مجلس الأمن بتسويف قرار وقف إطلاق النار بغاية الاستزادة من التدمير لولا أن إسرائيل رفعت يديها عندما أخذت الهزيمة تتجهّم في وجهها. قال أولئك (الدهاقتة) كلاماً لايرقى إليه كل منافقي الأرض كقاتل القتيل الذي يمشي في جنازته. قالوا: لو كان حسن نصر الله طرح علينا مشكلة الأسرى ومزارع شبعة كنا اتصلنا بجهات دولية وعربية وحللناها بكل بساطة بدل أن يختطف أسيرين. وجاء أخيراً (لارسن) مبعوث المسكين (كوفي أنان) الذي يبدو أنه أصيب مؤخراً بالرعاش (الزيهايمر) بادئاً بشفتيه الراجفتين فقد بلّغهم أن فرنسا التي وعدت بإرسال 4000 جندي للمشاركة في قوات حفظ السلام خفّضتها إلى (250) فقط.
لقد فُتحت أبواب التاريخ لحسن نصر الله شاؤوا أم أبوا كما فُتحت من قبل لسيف الدولة الحمداني (الشيعي) ونور الدين الشهيد وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس .. ورفع المتظاهرون من كل الشعوب بمن فيهم الأمريكان صوره وهتفوا له وهو الذي هبّ وحده من ركام الخزي العربي كما هب "الجهاد الإسلامي" و"حماس" في غزة والضفة الغربية الذبيحة وكما هبت المقاومة في العراق الممزق المشتت.
إن تلك الزعامات اللبنانية التي احمرت عيونها قهراً وحقداً فقدت رشدها وأخذت ترفع عقيرتها بـ (الضُّباح). من (بيك) و(شيخ) وأصحاب (دولة) و(فخامة) سابقين . إنهم يعرفون أنهم (ألعوبة) بيد أشدّ أعداء العرب حقداً وشراسة لكنهم يبتلعون هذه المعرفة ليلحسوا بها ضمائرهم التي تفسخت وأنتنت، ولأنهم خسروا كل شيء حتى أنفسهم راحوا يتاجرون بدم (الحريري) وأنا أصرّ أن إسرائيل وراء اغتياله، وأن قتلته أياً كانوا مجرمون عتاة.
إن المجد المزعوم الذي تَهَلْهَلَ بين أيديهم لا يحرره الحقد الدفين ، وخلط الأمور بعضها ببعض. ولئن كان المرء ليحزن على الحريري فإنه يحزن أكثر على ورثته الذين تحرضهم البسوس التي ما تزال متلفعة ببياض الحزن وتزرع فيهم الحماسة من أجل ناقتها على أمل أن يستمر الصراع أربعين عاماً.
وفي فلسطين يعاقب الشعب الفلسطيني بالتجويع لأنه اختار حماس بانتخابات ديموقراطية أشرفت عليها جهات دولية ، وطعن حماس في الظهر أشقاؤها الأقربون على مرأى ومسمع (محمود عباس) الذي ربح ثناء أمريكا والصهاينة أولئك الذين اختطفوا (28) نائباً و(8) وزراء وأخيراً رئيس المجلس التشريعي د. عزيز دويك واندفعوا يحاكمونه ويسومونه ألوان العذاب وهو مريض.. واليوم (19/8) اختطفوا نائب رئيس الوزراء. حكومة وطنية لماذا يا محمود عباس؟ أهو خفض لجناح الذل من الرهبة؟
كل هذا ولم تتحرك شعرة في رأس الزعامات العربية.
إنها مهزلة ما بعدها مهزلة
وفيمن ترجو العقل والحكمة؟ في مريض مصاب بالعصاب يتوارى في وكره محاطاً بالحراسة؟ أم في حَدَثٍ يقدمونه وينفخونه ويتاجرون به ويخيفونه فيتنقل من عاصمة إلى عاصمة متخفيّاً؟ أم في مشبوهين يبحثون عن انتصارات رخيصة ولو كانت على دجاجة بيّاضة؟ ويسعى "بنو إسرائيل" إلى (موسكو) باللوم والتقريع لأن الروس يزودون أعداءهم بالأسلحة المتطورة متغاضين عما تزودهم به أمريكا من وسائل الدمار والتخريب لأنه دفاع عن النفس.
وكانت بيضة الديك (اجتماع وزراء الخارجية العرب في بيروت) الذين سمحت لهم "إسرائيل" أن يمروا عبر أجوائها بطائراتهم، ورغم أنه كان اجتماعاً عقيماً فقد أنجب مكسباً واحداً كرمية من غير رامٍ وهي بطلان حجة "إسرائيل" في أن العرب يستنكرون ما قام به "حزب الله".
قال تعالى ((إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما في أنفسهم)).