ما دخلك فينا يا شافيز!

عبد النبي حجازي - سوريا

رئيس فينزويلا (هوغو شافيز) أمر بسحب سفير بلاده من "إسرائيل" احتجاجاً على الصمت الدولي وعلى المذابح التي ترتكبها "إسرائيل" في لبنان وغزة والضفة الغربية وأبدت بلاده عن استعدادها لاستقبال قادة حركة "حماس" بعد أن فرض الغرب حصاراً اقتصادياً على الفلسطينيين. وهو من أشدّ منتقدي الغزو الأمريكي للعراق في آذار (مارس) 2003 وتعبيراً عن الإشادة بموقف شافيز الجريء والتنديد بمواقف الحكام العرب الذين لم يجرؤ أحدهم على اتخاذ مثل هذا القرار. والسخط على الدول العربية التي تقيم علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل"، ورد في عدد من المدونات العربية في مصر عبارات: "عاشت فنزويلا حرة عربية" و"عاش شافيز" وللعلم إن فنزويلا هي خامس أكبر مصدري النفط في العالم.

أما ما فعله شافيز - عن خير قصد - فهو هياج الشارع العربي وصيحات الاستنكار والتنديد وبخاصة المظاهرات التي قامت في المغرب، وتحسّب وزراء الخارجية العرب وقد نهدوا إلى بيروت نهوداً فدائياً تحت دوي الطائرات "الإسرائيلية"، جاؤا متأخرين. لكن المثل يقول: "أن تصل متأخراً خير من أن لاتصل أبداً".

ومن طبيعة رؤساء الدبلوماسية (العربية وغيرها) أن يكونوا مهذبين نظاميين فاستأذنوا "إسرائيل" فوافق أولمرت - لحسن الحظ - وكان أكرم من شارون الذي منع عرفات من حضور قمة بيروت في العام 2002. بيد أن أولمرت استقبلهم منذ البداية بمجزرة (حولا) التي كان ضحاياها (60) شهيداً عدا الجرحى. أتبعها بقصف مركّز على البيوت والمرافق والمستشفيات.. في بلدات الجنوب الأخرى ليكون السادة الوزراء شهود عيان على ارتفاع عدد الضحايا من قتلى ومشردين.

جاء الوزراء مثل الوجاهة التي يسوقها أهل "قاتل القتيل" للمصالحة مع طالبي الثأر وتبنَّوا شروط السنيورة التي أشاح عنها بوش ذاك الذي استقبل السنيورة في البيت الأبيض، وهو عندما تُذكر "إسرائيل" تصغر عيناه وتدقّان وتصبغ ابتسامته حُمرةٌ زهرية ناعمة الملمس كالكوبرا يخفي وراءها من الأحناش والثعابين.

عندئذٍ تراجعت فرنسا التي ما تزال تلطو تحت الجناح الأمريكي تحلم بـ (مصَّة إصبع) من مشاريعها في العراق وهي تحتضن (الشيخ!) سعد ابن الصديق والشريك الذي يتفيّأ بربوعها اتقاءً لغدرات الزمان، وروسيا التي تحلم بهِبَات سخية من أمريكا حتى لا تعجز عن دفع رواتب الموظفين... تراجعتا كلتاهما خطوة إلى الوراء.

وبكى (السنيورة) بحرقة فوقر في قلوب الجمهور العربي. بيد أن وزيرة خارجية "إسرائيل" الشقراء الجميلة ذات القوام الرشيق كغصن الصفصاف كشفت دمامة تلك الخلاسية ذات الشفتين المقلوبتين والتكشيرة التي يتطاير من محياها الحقد كالزلاقط. تكلمت الوزيرة "الإسرائيلية" على طريقة: (تقبريني وأنتي ساكتة وأقبرك وأنت تحكي.) وقالت للسنيورة: "كفكف دموعك إننا نحن الآخرين نبكي على قتلانا التي أوقعها حزب الله"!! وعندما تستمع إلى مداخلة مندوب "إسرائيل" في مجلس الأمن وهو يتحدّث عن الضحايا من "اليهود" والمسلمين والمسيحيين! وعن قصف (المستشفيات، والمساجد) في فلسطين المحتلة بجرائم "حزب الله" ويسوِّغ ما ألحقه جيش العدو الصهيوني بلبنان من خراب وتدمير لم يكد التاريخ يرى مثله فيقول إنها دروع بشرية اتخذها "حزب الله"!!، حتى كاد يبكي هو الآخر فتصاب بالذهول لهذا العهر السياسي!.

فهل نقول عن هذا الاجتماع الذي حقَّق الكثير: "إن أول الرقص حَنجلة" أم أنها نخوة عرب كمن يدقّ (المهباج) ليدوي صوته الرخيم في أرجاء الحيّ يدعو إلى القهوة المرّة المعطرة بحب (الهال) وأن شافيز الأجنبي (الكافر) ليس حريصاً علينا أكثر منا؟

لكننا بالتأكيد نصاب بالضياع عندما نعلم أن دول الخليج كسبت من وراء الحرب على لبنان (370) مليار دولار كما ورد في صحيفة (الفايننشال تايمز) ونتذكر قول المتنبي: (مصائب قوم عند قوم فوائد)، أما النتائج الحقيقية والباهرة فهي أن لبنان هذه الدولة الصغيرة بمساحتها الجغرافية وعدد سكانها دولة عملاقة قادرة على التصدي لدولة همجية تزودها أمريكا بجسر جويّ على مدار الساعة بأشدّ الأسلحة فتكاً في أطول حرب عربية مع "إسرائيل" طيلة أربعة أسابيع، وأن "إسرائيل" تخسر في اليوم الواحد مليوني دولار أمريكي!!.

ومن نتائج هذه الحرب التأكيد على أن شعب لبنان شعب بطل برجاله، ونسائه وأطفاله، يقف بثقة وشموخ بين الركام والضحايا صابراً يخفي ويلاته ومصائبه في قلبه الكبير، ويحلم، ويتفاءل، ويعلمنا معنى الثقة والتفاؤل.

ويا سيادة الرئيس شافيز دعنا بحالنا..

إن من يتبادلون السفارات مع "إسرائيل" منا لم يقتنعوا بعد بتدمير العراق، وفلسطين، ولبنان.. إنهم ينتظرون مصائب أكبر، ومجازر أكثر، وذلاً يخفض الرؤوس إلى القدمين، وحجارة تلقى على الحرمين الشريفين... لأن انتزاع المسجد الأقصى وحده لا يكفي، لعلهم يتحدَّون "إسرائيل" أن تلقي علينا واحدة مما تملك من قنابلها الهيدروجينية.

إن وزراءنا فعلوا ما عليهم - كثَّر الله خيرهم - وجزاهم كل حسنة بعشرة أمثالها.

anhijazi@aloola.sy