هلوسة آخر الليل

الدكتور أحمد يونس يكتب

أنفي اللي يستاهل قطعه

كثيرون من أصدقائي الشريرين يزعمون أن لي أنفاً مخـادعاً، وأن شكـله التافه، وسط بقية الملامح الممعنة هي الأخرى فـي التفاهة، ما هو إلا نـوع من التمويه المتقن، يتستر على ما له من قدرات خارقة. وعلى مدى سنوات الحلم التي أصبحت الآن مجرد ذكريات تطفو في منطقة التشوش، ظل الشريرون من أصدقائي يرددون، بينما نحن نكاد نتهاوى من الجوع، على إثر مظاهرةٍ تلقينا خلالها كالعادة من الشرطة علقةً ساخنةً بميدان العباسية أو شارع القصر العيني، أن فـي استطاعة أنفي أن يعـرف ما الذي تطبخه أمهات الزملاء جميعاً بمختلف أحياء القاهرة وضواحيها، لنختار البيت الذي سنطب عليه - كالقضاء المستعجل - ساعة الغداء. تأكدت هذه التشنيعة بصورةٍ نهائية، حين أراد أحدهم يوماً أن يقلدني، فكانت النتيجة: فول وطعمية. ثـقافتي البرفانية الواسعة التي تجاوزت ما هو أكاديمي، لتضم خبرات التسكع في حـواري العالم، جعلت من أنفي المتواضع أستاذاً مرموقاً يشار إليه بالبنان. ولم يفت الأوساط العلمية بالطبع أن تأخذ في اعتبارها أنه عصامي بدأ السلم من أوله، فضلاً عن عامل مساعد آخر هو ندرة التخصص. أكثر من علاقة حب متأججة، عاشها أنفي حتى مع الأزهار البرية التي تدمي بأشواكها كل من يقترب ليقتحم شذاها. وقد قال عنه أمام كوكبةٍ من رموز الثقافة والفن والإعلام في مصر، أعز الأصدقاء الأسد الراحل الدكتور أحمد قدري، أشجع من تولى رئاسة هيئة الآثار منذ إنشائها ضاحكاً: لو شم هذا الأحمد يونس عطور الصبايا أيام الفراعنة، لسبق شمبليون في حل طلاسم الحضارة المصرية القديمة. على أن الموضوع اتخذ مساراً أكثر خطورة، بالتحديد فـي مساء الثالث من سبتمبر 1981 ، عندما قلت لمجموعةٍ كبيرةٍ من الأصدقاء أو الأقارب في شرفةٍ ما بمصر الجديدة أن أيام السادات - بعد كل ما جرى - أصبحت معدودة، وأنه سيلقى مصرعه مضروباً بالرصاص فـي ظرف أربعين يوماً على أسوأ الفروض. الأمر الذي تكرر مراراً - من يومها - مع أكثر الأحداث غرابةً أو أقلها توقعاً.

لم تعد – إذن - المسألة تقتصر على التسلل بحاسة الشم إلى المطابخ، أو فك شفرة قلوب السيدات بقراءة ما بين السطور في عطورهن. انتقلت – إذن - القضية إلى مناطق أخرى محفوفة بالمخاطر. دخل أنفي دون أن يشعر حقل الألغام. إلى درجة أنني لا أستبعد أن يصدر قرار سيادي باعتقاله  بموجب قانون الطوارئ، أو بتهمة نشر أخبار من شأنها أن تؤدي إلى تهديد الاستقرار أو إشاعة البلبلة أو تكدير السلم الاجتماعي. وعلى كل من يرجوني الآن أن أخبره كيف يرى أنفي ما سيحدث فـي الغد؟ أجيب: أنا مزكوم. فيقول لي أنفي: إنت ما تعرفش إن اللي بيكدب بيروح النار...!؟