هلوسة آخر الليل

الدكتور أحمد يونس يحدثكم عن الأنظمة العربية

قـال عـلى رأي المـثل

(بعتناها تاخـد بتار ابوها رجعت لنا حـبلة)

الكرامة / الثلاثاء 1 أغسطس 2006

عاشت جدتي العمر بأكمله تفسر كـل مـا يحدث في العالم عن طريق الأمثال. ولم تستفد في الحقيقة كثيراً من كـون أبي هو الرائد الأول لدراسـات الآداب والفنون الشعبية في الوطن العربي. بل الأصح أنه هو من استأنس بجواهر الحكمة المكنونة داخل شكمجـية قلبها الطيب. كعلم مصر الأخضر القديم، بهلاله الأبيض ونجومه الثلاث، ستظل هذه السيدة ترفرف في سماء ذاكرتي ما بقيـت حياً.

وقد سـألت نفسي: لو أنها معنا الآن، فبماذا كانت ستعلق على مواقف حكامنا المتواطئين منذ  العدوان "الإسرائيلي" المتوحش ضد لبنان وشعبه في 14 يوليو الماضـي، أو حتى على مدى السنوات الطويلة المترعة كلها بالمهانة التي سبقت هذا التاريخ؟ بماذا كانت ستعلق؟ أطل في جنح الظلام من نافذتي بالطابق الرابع عشر منادياً: كيف يا جدتي أسمي هذه اليوميات؟ كيف يا جدتي؟ دليني من فضلك على العنوان المناسب لعار كهذا. دليني من فضلك، فأنا لا أجد بين مفردات اللغة ما يفي بالغرض. صوتها الدافئ، لا أسمعه إلا في الفجر متخفياً وسط زقزقة العصافير: قـال عـلى رأي المـثل: بعتناها تاخـد بتار ابوها رجعت لنا حـبلة!

لا شيء تغير تقريباً منذ النكبة في 1948. السفاح هو السفاح، ومن يقفون وراءه هم أنفسهم، والمتفرجون هم المتفرجون. الضحية هي الضحية، والخونة هم الخونة، والمشهد –تقريباً- هو نفسه ثابت لا يتغير.

الحرب كانت عربية – "إسرائيلية". أما السلام، فعربي فقط، وهو ما عبر عنه الروائي الكولومبي الأشهر جابرييل جارثيا ماركيث في مقاله العابر للقارات (بيان لا يوقع عليه سواي) حين قال: "السادات دفع حياته ثمناً لمعاهدة سلام من طرف واحد هو العربي". من يومها اجتاح الصهاينة لبنان أربع مرات، غير عدوان 14 يوليو الأخير. اعتدوا على تونس والعراق وسوريا. أسقطوا طائرة مدنية ليبية دون أن يطالب أحد بالتحقيق أو دفع التعويضات. تماماً كما حدث مع أسرانا الذين قتلوهم في حروبنا من 1956 حتى 1973. أما فلسطين، فبلا جدوى أحاول -منذ لا أذكر كم من السنين- أن أتذكر الخريطة التي تعلمها الأكبر مني سناً في المدرسة. كل الأطالس هذه الأيام تطلق عليها اسماً آخر.

إذن، فلقد انهزمت الذاكرة. ولم يعد أمامي سوى أن أستعين بالعقل الباطن لأستحضر تفاصيلها. لم يعد أمامي سوى أن أرسمها بالخط البارز. الورقة امتلأت بالثقوب، لكن شخصاً ما لفت انتباهي إلى أن خلف هذه الحفر الصغيرة ما يقترب كثيراً من ملامح امرأة. آه يا عقلي الباطن! ما أقساك! لماذا أخبرتني بأن فلسطين المحتلة -من كثرة القبور- أصبحت كوجه مراهقة غطاها النمش؟

كنا في أعقاب 5 يونيه نخوض حرب الاستنزاف، كنا ننتزع القوة من شدة الألم، ونبتسم رغماً عنا حتى لا نجهش بالبكاء. كنا نجوع أحياناً دون أن نأخذ بالنا، ونخمس السجائر القليلة التي نشتريها فرط. نسينا فكرة الحصول على حذاء جديد، أو قميص غير هذا الذي دابت ياقته واهترأت أكمامه. نسينا فكرة أن نأخذ العيدية أو نشعل فوانيس رمضان. وحتى كرة القدم تم تعطيل مبارياتها. كان التحرير يصلب ظهورنا، فلا ننحني، فإلى ماذا نستند الآن؟ كنا لا نملك ما يكفي إلا لدعوة حبيباتنا على قرطاس ترمس أو كوز ذرة مشوي، ولا نتكلم بينما نحن نتمشى على النيل إلا عن الوطن الجريح. اختلطت الرومانسية داخلنا بعشق لوطن حر لا تدنس أرضه القدم البربرية. ضفائر البنات تعلن الثورة ضد هبات الهواء، والأنظمة التي تصطك من الذعر أسنانها، والعدو. تتكهرب خلايانا بالانقباض كلما مررنا من أمام آلاف السواتر الحجرية الكئيبة التي تسد المداخل في جميع العمارات بالقاهرة، فضلاً بالطبع عن أكياس الرمل المشبعة بالانكسار. كنا نتظاهر، وتضربنا الشرطة -كما هي العادة في تاريخ مصر كله- بمنتهى القسوة.

الشوارع مقفرة من الثامنة مساءً، والشبابيك مدهونة بالأزرق. ومن جوف العتمة، تأتي أصوات أولاد مثلنا في سن المراهقة، وهم يتصايحون: طفي النور.

الأغاني تقاوم، والأشعار تحذر الحكام من أن يتخاذلوا. وعلى المقاهي النادرة التي تبقى مفتوحة الأبواب بعد أن يحل المساء، نتلاقى لكي لا يواجه كـل منا الحزن وحده، لكي لا يفترس الليل كلاً منا على انفراد، لا أحد غيرنا على الأرصفة المفروشة بالظلال المتثاقلة والأسى، كأن أهل القاهرة لا يريدون أن يتقابلوا حتى لا يتعرض أحدهم إلى السؤال المرير: إيه آخر الأخبار؟

نسافر إلى الإسماعيلية لنشد من أزر الجنود، وعلى جانبي الطريق، عربات نقل ومصفحات تحمل شباباً إلى الجبهة، على جانبي الطريق، أنقاض مواقع تم تدميرها، ومواد بناء لإقامتها مرة أخرى، وعمال يتصببون عرقاً.

البيوت في مدن القناة تهدمت. إلا أنها ظلت واقفة لتؤكد أنها لن تستسلم. كنا نتسكع متعثري الخطى في ليل بلا نهاية تفرضه إجراءات (الإظلام التام)، وتتمزق قلوبنا بمشاعر ليست لها أسماء، بينما تتعالى صرخة فيروز التي تخلع القلب من صوت العرب: الغضب الساطع آت.

الفتارين خاوية، والجيوب أكثر خواءً، والوجوه ليست كما كانت على الدوام، كأن في ملامح كل منا مأتمه الخاص، شيء ما داخلنا فارق الحياة، لكنه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، أنجب إصراراً مفعماً بالشجن يرفض أن ينصرف.

ننتظر رسائل الأحباء من على الجبهة، ونفتش طول النهار عن ذوينا بين الجرحى في المستشفيات. لا أسرة في مصر بغير شهيد، والأوامر تقضي بألا نقيم الجنائز أو نتلقى العزاء، وشعائر الدفن تتم في السر ليلاً "حتى لا يتعمق عند الناس الشعور بالحزن".

نتلقى أخبار الزيتية التي احترقت في السويس والمدن التي خلت من سكانها والمصانع والكباري التي يقصفها العدو.

مواكب المهجرين من مدن القناة إلى المخيمات في طول مصر وعرضها. السينما تعرض أفلاماً قديمة، والمسرح لا يقدم إلا عرضاً واحداً بالمجان، يتمثل في مقطوعات نثرية زاعقة يلقيها كرم مطاوع وسميحة أيوب. محلات العصير والسندوتشات والمطاعم في وسط البلد، ليس بها أحد، باستثناء بعض الكلاب الضالة التي عبثاً تبحث عما تأكله في صفائح القمامة، ورغم هذا، كان هناك حلم يجري في العروق. طرد المحتل. حزانى نعم. أقوياء أيضاً. فقدنا الكثير من القدرة على الفرح. ولم نفقد الكبرياء. أحد اشتكى إلا من الذين يتلكؤون في إعلان حرب التحرير الشعبية. كانت أياماً سوداء. ومع ذلك، فإن كل الهزائم كانت تحمل بين طياتها احتمالات النصر. كل هذا السواد -أو أكثر- موجود الآن، لولا أن المعاناة لا طائل من ورائها، وأن التضحيات بلا معنى.

التضحيات تتحول إلى أرصدة في حسابات اللصوص خارج مصر. لولا أن الوطن -بدلاً من أن يتحرر- أصبح يناشد المستعمر بالعودة، وأننا لا نقاتل، ولا يسمح ملوك الطوائف الذين يتحكمون في مصائرنا لأحد بأن يقاتل، أو حتى يدعم المقاتلين.

قالوا لنا: السلام سيجلب لكم الرفاهية. ستجدون بيوتاً تسكنونها ومدارس لأطفالكم وطعاماً يفيض عن حاجتكم. قالوا لنا: تعالوا إلى أمريكا لتنعموا بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فكانت النتيجة قهر وظلم وفقر ومذلة. ولم نر من أمريكا إلا طائرات الفانتوم والقنابل العنقوديية واليورانيوم المستنفد والفسفور الأبيض. باعونا، بالضبط كتلك التي بعتناها تاخـد بتار أبوها رجعت لنا حـبلة.

كذابون وخونة ومصاصو دماء. هكذا هم ملوك الطوائف الذين يرتعدون خوفاً من سيرة المقاومة. يرتعدون خوفاً من الشارع الذي يرج جدران قصورهم بهتافاته المزلزلة. فيلتمسون العفو من القتلة، ويلعقون  التراب تحت أقدام العدو، ولا يرحلون.

هذا ما يحدث عادةً عندما تكون شهوة الكرسي أقوى من الإحساس بالكرامة.

أظن أن جدتي كانت تعرف أن الانبطاح أمام العدو قد تكون ثمرته هو الآخر حملاً في الحرام. لكنه -لحسن الحظ- يظل لقيطاً في مزبلة التاريخ، بلا أبوين أو شهادة ميلاد.

الأرض بتطرح أطفال

خدوا بالكو يا أطفال العالم.

يا كل الأطفال في العالم.

خدوا بالكو عشان نحمي العالم.

من أعداء كل الأطفال.

نحميه م الغول الهربان.

م القمقم وبقاله زمان.

بيدمر ف مدن وغيطان.

مش فاضل غير الأطفال.

الأرض بتطرح أطفال.

أطفال غير كل الأطفال.

أطفال من كل الأعمار.

جم مع فيضان الأنهار.

كبرم ف مواسم الأمطار.

واندفعوا زي الشلال.

الأرض بتطرح أطفال.

أطفال غير كل الأطفال.

حضاناتهم متاريس وخنادق.

ولعَبْهم ديناميت وبنادق.

في عينيهم أحزان العالم.

على عالم خان الأطفال.

الأرض بتطرح أطفال.

أطفال غير كل الأطفال.

حواديتهم مافيهاش لا قصور.

ولا مصباح سحري ولا بخور.

ولا كنز في قلعة جدرانها من تحت لفوق بالبنور.

حواديتهم بالروح عايشينها.

عايشين أيامها وسنينها.

مش حد بيحكلهم عنها.

هم ف حواديتهم أبطال.

بستان بيروت الجنوبية.

نوافيره جراح مستنية.

تروي أشجار الحرية.

وتفك حصار الأطفال.

بستان بيروت الجنوبية.

نادر أزهاره العربية.

علشان أحلام البشرية.

في عالم من غير أهوال.

خدوا بالكو يا أطفال العالم.

يا كل الأطفال في العالم.

علشان نحمي طفولة العالم.

من أعداء كل الأطفال.

نحميها م الغول الهربان.

م القمقم وبقاله زمان.

بيدمر ف مدن وغيطان.

مش فاضل غير الأطفال.

مش فاضل غير الأطفال.

مش فاضل غير الأطفال.

لا شيء تغير تقريباً.. السفاح هو السفاح، ومن يقفون وراءه هم أنفسهم، والمتفرجون هم المتفرجون. الضحية هي الضحية، والخونة هم الخونة، والمشهد –تقريباً- هو نفسه ثابت لا يتغير. بدليل أنني في صيف ملتهب كهذا، منذ 24 عاماً، وعلى وجه التحديد في أواخر يوليو أو أوائل أغسطس 1982، عندما اجتاحت جحافل الصهاينة لبنان، كتبـت هذه الأغنية (الأرض بتطرح أطفال). قام بتلحينها صديق طفولتي الموسيقار عمار الشريعي. وعلى امتداد الوطن العربي، تغنت بها الفنانة فردوس عبد الحميد. غنيناها مع المقاومة تحت قصف القنابل. بل إن بعض العرب في المهجر قاموا بترجمتها إلى العديد من اللغات على نفس اللحن. الآن، أكتشف أنها تعبر عن الوضع الحالي بالضبط. كأن الزمن لا يمضي. كأن الجرح لا يندمل. فهل هناك من يغني الآن لجيل آخر يسرقون هذه المرة أيضاً طفولته؟ أم أنهم محرومون حتى من هذا؟