طارق عزيز... بمثلك يفخر العرب

بقلم: الدكتور عبد الواحد الجصاني

تجمعت صفات شخصية وظروف دولية لتجعل من طارق عزيز أحد أشهر عشرة دبلوماسيين في العالم المعاصر. ولو أردنا أن نتابع مسيرته خلال ثلاثين عاما قضاها على رأس الدبلوماسية العراقية مدافعا عن قضايا العراق والأمة العربية وعن العلاقات الدولية المبنية على العدل والإنصاف لطال بنا الحديث، ولعلي أكتفي بالإشارة إلى أهم محطات تلك المسيرة ومنها الحرب العدوانية الإيرانية على العراق التي بدأت في الرابع من أيلول 1980، وكان للدبلوماسية العراقية بقيادة طارق عزيز دور بارز في حسمها وهزيمة ايران سياسيا وعسكريا، أو خلال مواجهة العدوان الأمريكي المستمر على العراق بصفحاته المختلفة ومنها لجان التفتيش وبتلر ومناطق حظر الطيران والحصار الجائر لثلاث عشرة سنة، حيث سعت الدبلوماسية العراقية بقيادته لفضح لا شرعية وعدوانية الحرب الأمريكية على العراق. وكان جهد طارق عزيز ومحمد سعيد الصحاف وناجي صبري وقوة الحجة والإقناع وصدق المبادىء وعمق الوطنية من بين الأسباب التي أوصلت الاحتلال الأمريكي للعراق إلى مأزقه الحالي وهيأت الأرضية للمقاومة العراقية أن تحقق انتصاراتها المذهلة وتقرّب يوم التحرير بعون الله.

كان لي شرف رفقة طارق عزيز في كثير من لقاءاته بنظرائه من مختلف دول العالم ورأيت كيف كان يبهرهم بصدق حديثه وقوة منطقه وعمق تحليلاته وصلابته في الدفاع عن عقيدته، وكنت أرى كثيرا منهم يتركون نقاط حديثهم المعدة للقاء ويستمتعوا بصدق حديث أبا زياد. بل وكنت أرى بعض وزراء الخارجية يتحولون إلى تلامذة في حضرة طارق عزيز.

ومن المواقف التي حفظها التاريخ لقاؤه العاصف بجيمس بيكر ورفضه استلام رسالة بوش وتحدث كثيرون عن هذا اللقاء لذا سأتحدث عن لقاءه في أيلول عام 2000 مع وزير خارجية فرنسا المعين حديثا آنذاك دومينيك دوفيلبان لما فيه من دروس كثيرة، فقد بدأ اللقاء متوترا بخطبة نارية من دوفيلبان كال فيها ما شاء من اتهامات للقيادة العراقية ومن ذلك أنها ترفض عودة المفتشين وأنها تخفي أسلحة الدمار الشامل وتتجاهل إرادة المجتمع الدولي وتضطهد شعبها. واستغرب الوفد العراقي هذه اللهجة الهجومية العنيفة وتوقع أن يرد طارق عزيز بهجوم مقابل ينهي به اللقاء، لكن أبا زياد بدأ يرد بهدوء وثقة مفندا طروحات دوفيلبان واحدة بعد الأخرى بوقائع ومنطق. وعندما وصل إلى إدعاء اضطهاد الشيعة والأكراد قال طارق عزيز لدوفيلبان أنظر إلى وفدنا واحكم: أنا مسيحي وهذا زميلي كردي والذي بجنبه شيعي والآخر سني وأضاف: لكني أسألك لماذا تفرض أمريكا منطقة حظر للطيران جنوب العراق بذريعة حماية الشيعة العراقيين وبذات الوقت تسمي شيعة لبنان إرهابيين وتطلق يد "إسرائيل" لإبادتهم؟ ولماذا تفرض أمريكا منطقة حظر الطيران بدعوى حماية أكراد العراق وتسمح لتركيا وإيران بانتهاك حقوق الأكراد الأساسية؟ وكان دوفيلبان يستمع باهتمام ويرد بإيماءات من رأسه تعبر عن التأييد والإعجاب ولم يقاطع أبي زياد طيلة حديثه. وعند نهاية اللقاء صافح دوفيلبان طارق عزيز بحرارة وقال له: كانت حجتك قوية وتحليلك سليما جعل من الصعب عليّ أن أرد عليه.

وأعتقد أن هذا اللقاء ساهم في إبعاد الموقف الفرنسي عن الوقفين الأمريكي والبريطاني بشأن العراق.

ظهر طارق عزيز في محكمة الاحتلال يوم 24/5/2006 نحيل البنية حشروا في فمه طقم أسنان سيء الصنع يسمح له بالكاد الكلام، لكن قلبه وعقله كانا بذات التوقد ولسانه بذات اللغة الرصينة المستندة إلى الوقائع والمنطق وأعطى لمن شاهده درسا في التمسك بالمباديء والاستهانة بالصعاب. ولا بد من الإشارة هنا إلى ظاهرة لم نجد لها مثيلا في التاريخ المعاصر، فالولايات المتحدة عندما احتلت العراق بالقوة الغاشمة وجلبت عملاءها لحكمه وأصدرت قرارات "اجتثاث حزب البعث" والدولة العراقية، كان من بين أهدافها إسقاط هيبة حكومة العراق الشرعية، ولذا نشرت أكاذيب كثيرة حول عمالة أعضاء في القيادتين السياسية والعسكرية لها، وبعد أن احتلت بغداد استخدمت وسائل الترغيب والترهيب مع أعضاء في القيادة، بضمنهم من وقعوا في الأسر، لإجبارهم على إعلان ندمهم أو على الأقل التبرؤ من بعض ممارسات قيادتهم. وبعد أكثر من ثلاث سنوات من المحاولات لم تجد أمريكا عضوا واحدا من القيادة أو الكادر المتقدم في الدولة والحزب يقبل بالاحتلال أو يرتد عن مبادئه الوطنية والقومية. وشاهد العالم أجمع في التلفاز بعض أعضاء القيادة المعتقلين يعلنون أن الأمريكان ساوموهم بأن يشهدوا ضد الرئيس صدام حسين ليطلق سراحهم وإلاّ فستوجّه لهم تهمة عقوبتها الموت، لكنهم جميعا فضلوا الموت على خيانة المبادئ , ناهيكم عن مئات الشهود الذين تطوعوا للشهادة دفاعا عن القيادة العراقية الشرعية متحدين الموت. فهل هناك أبلغ من هذه الحقيقة التي تؤكد أن حزب البعث ذو عقيدة راسخة في صدور رجاله ونساءه، وأن قيادته لم تكن مجموعة من (القتلة واللصوص يقودهم مارق) كما ادعى الأمريكان والإيرانيون، بل هم مبدئيون حافظوا على وحدة العراق وعزته وسعوا لوحدة الأمة العربية، وإنهم برفضهم الهيمنة الأمريكية هزموا النظام الدولي القائم على القطب الواحد بعد أن مرغوا الإدارة الأمريكية في وحل الهزيمة في العراق وفتحوا للعرب والإنسانية آفاقا واسعة لبناء عالم مبني على العدل والمساواة.

وخلال ظهور السيد طارق عزيز في المحكمة قال المدعي العام عنه أنه متهم بقضايا فساد مالي وتبديد ثروات العراق. وكان واضحا أن المدعي العام يشير إلى تحقيقات لجنة الأمريكي فولكر عن برنامج ( النفط مقابل الغذاء ) والإدعاء بأن القيادة العراقية استغلت هذا البرنامج لشراء الذمم وسرقة أموال شعب العراق والمتاجرة بكوبونات النفط. وتلك تهمة لا تقلّ زورا عن تهمة امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل. وإذا كانت تهمة أسلحة الدمار الشامل قد افتضح أمرها فإن تهمة سوء استخدام برنامج النفط مقابل الغذاء وكوبونات النفط لا زالت تنطلي على البعض ويرددونها جهلا أو عن سوء قصد (ومنهم القاضي المتشنج رؤوف). ولذا فهي بحاجة إلى جهد من الذين يعرفون الحقائق لكشفها.

وأود هنا أن أنقل الحقائق التي حاول ركام الأكاذيب الأمريكية طمسها:

نصّ برنامج "النفط مقابل الغذاء" على أن تقوم حكومة العراق بتوقيع عقود بيع النفط وعقود شراء الأغذية والأدوية وبقية المواد الإنسانية وتقديمها إلى الأمم المتحدة حيث يقوم خبراؤها بتدقيق هذه العقود من حيث السعر والمواصفات والموافقة عليها ثم إحالتها إلى لجنة العقوبات المكونة من جميع أعضاء مجلس الأمن لتدرسها وتوافق أو لا توافق عليها. وبعد موافقة لجنة العقوبات، أي بعد موافقة أمريكا وبريطانيا، يبدأ تنفيذ العقود ويقوم مشترو النفط العراقي بإيداع ثمن النفط الذي اشتروه في حساب خاص تشرف عليه الأمم المتحدة كما يقوم موردو المواد الإنسانية باستلام أثمان بضائعهم من ذلك الحساب.

وذلك يعني أن جميع عوائد البرنامج تذهب إلى الحساب الخاص الخاضع للأمم المتحدة. وتنفق الأمم المتحدة نصف موارد البرنامج تقريبا (47%) على التعويضات ولجان التفتيش والمحافظات الشمالية الثلاث والنفقات الإدارية الأخرى، والنصف الآخر يستخدم لتمويل عقود المواد الإنسانية التي توقعها حكومة العراق.لذا فالإدعاء ان حكومة العراق منحت (كوبونات نفط) أو عقود مواد إنسانية كرشاوى خلافا لإجراءات برنامج النفط مقابل الغذاء هو كلام باطل، وكل العقود التي وقعتها حكومة العراق كانت أصولية وافقت عليها الولايات المتحدة وبقية أعضاء مجلس الأمن بالإجماع. ومبالغ عقود النفط ذهبت كلها إلى حساب الأمم المتحدة ومبالغ عقود المواد الإنسانية صرفت كلها من حساب الأمم المتحدة. ولم يسمح للعراق حتى بالإطلاع على تفاصيل حساب الأمم المتحدة رغم مطالباته المستمرة.

وشأنها شأن كل دول العالم, فإن حكومة العراق التي أعطيت حق توقيع عقود النفط والمواد الإنسانية كان لها نظاما للأفضليات التجارية فضلت فيه الدول الصديقة على المعادية كما فضلت الشركات الصديقة داخل الدولة الواحدة عن غيرها، وهذا حق مشروع نصت عليه مذكرة التفاهم الموقعة بين العراق والأمم المتحدة بعلم وموافقة أعضاء مجلس الأمن بالإجماع. وما حصل هو أن بعض أصحاب الشركات وسّطوا بعض السياسيين أو الإعلاميين من بلدانهم لتزكيتهم لدى الحكومة العراقية. وهذه الممارسة معمول بها في كل أنحاء العالم. وإن اتهام الولايات المتحدة سياسيين وإعلاميين من دول عديدة بالتوسط لشركات من بلدانهم هو أمر مثير للاستغراب، فمن البديهي أن يسعى السياسي والإعلامي للترويج لمصالح دولته ومنها مصالحها التجارية وهذا شيء يحسب له وليس عليه. والجميع يعلم علاقة السياسيين الأمريكان بالشركات الأمريكية، ولا يمكن تصور وجود شخصية سياسية أمريكية بلا شركة أو مؤسسة اقتصادية تموله ويدعمها ويكفي أن نضرب مثلا بعلاقة الرئيس بوش بشركات النفط وعلاقة نائبه تشيني بشركة "هاليبرتون".

ومن جانب آخر فقد طلب العراق من الأمم المتحدة أكثر من مرة تخصيص مبالغ نقدية من عائدات البرنامج لتغطية كلفة إنتاج النفط المصدّر وكلفة نقل وتوزيع المواد الغذائية على السكان بموجب البطاقة التموينية. إلاّ أن ممثل أمريكا في لجنة العقوبات كان يرفض ذلك باستمرار باعتبار أن ذلك سيضعف سياسة احتواء ثم إسقاط الحكومة العراقية وهو الهدف الأمريكي المعلن من الحصار. وقد أكّد مستشار الأمن القومي الأمريكي واينبرغر مرارا أنه لن يسمح بحصول العراق على عشرة سنتات (one dime) من برنامج النفط مقابل الغذاء. ونتيجة لهذا الموقف الأمريكي تدهورت صناعة النفط العراقية، إذ كيف يمكن للصناعة النفطية العراقية أن تواصل الإنتاج وتديم منشآتها دون أن تحصل ولو على جزء بسيط من كلفة الإنتاج؟ ولذا ففي المراحل الأخيرة من البرنامج اضطر العراق أن يطلب من الشركات المتعاملة معه أن تساهم بنسبة بسيطة من أرباحها لتغطية نفقات إنتاج النفط ونفقات نقل وتوزيع مواد البطاقة التموينية ووافقت أغلب الشركات أن تمنح الوزارة العراقية المعنية جزءا بسيطا من أرباحها المتحققة.

أما بشأن إدعاء أمريكا أن حكومة العراق كانت تهرب النفط خارج برنامج النفط مقابل الغذاء، فالعراق سعى فعلا لبيع نفطه مباشرة وذلك حق قانوني له ولا يجوز تسميته تهريبا كون الحصار الشامل المفروض على العراق هو الذي لم يكن قانونيا بموجب ميثاق الأمم المتحدة، بل عدّه كثير من فقهاء القانون الدولي جريمة إبادة منظمة بحق شعب العراق وجريمة ضد الإنسانية. ولو لم تقم حكومة العراق ببيع نقطها مباشرة للإنفاق على إدامة الخدمات التي تقدمها للمواطنين لتضاعف أعداد ضحايا الحصار مرات ومرات. والمثير للسخرية أن أمريكا كانت تغض الطرف عن بيع العراق النفط مباشرة إلى تركيا بالشاحنات وتشدد حراستها البحرية في الخليج العربي لمنع ( تهريب ) النفط العراقي بالسفن، حتى أن بعض أعضاء مجلس الأمن تندروا على هذه الازدواجية بقولهم: حلال على العراق التصدير بالشاحنات وحرام عليه التصدير بالسفن.

إن لا شرعية الحصار المفروض على العراق لم تعد اليوم موضوعا خلافيا بعد أن تكشفت حقائق جديدة. فبموجب قرار مجلس الأمن 687 كان المجلس يراجع كل شهرين العقوبات الشاملة المفروضة على العراق بقصد تخفيفها أو رفعها، وفي كل اجتماع كان المندوب الأمريكي يرفض أي تعديل على نظام العقوبات مدعيا أن العراق لم ينجز المهمات المطلوبة في ملف نزع السلاح. واليوم اكتشف العالم كله أن مهمات نزع السلاح أنجزت منذ عام 1991 وأن إدامة الحصار لإثنا عشرة سنة تلت ذلك العام كان مبنيا على إدعاءات ملفقة.

وبالمقابل فإن الفساد وسوء إدارة أموال برنامج النفط مقابل الغذاء كان قائم فعلا ولكن من جانب الأمم المتحدة ومن جانب عضوين دائمين في مجلس الأمن هما الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث علقت هاتان الدولتان آلاف عقود المواد الإنسانية ومنها الأدوية المنقذة للحياة بدعوى إمكانية استخدامها في برامج العراق لأسلحة الدمار الشامل مما تسبب في وفاة مئات الآلاف من المدنيين العراقيين أغلبهم من النساء والأطفال. أما سوء إدارة الأمم المتحدة لأموال العراق وتبذيرها فهي أكثر من أن تحصى، ويكفي هنا الإشارة إلى أن نفقات كلاب إزالة الألغام كانت تعادل عشرة أضعاف حصة المواطن العراقي من البرنامج وان كلفة البحث عن الأسلحة الموجودة في خيال البرايت وبتلر أخذت من هذا البرنامج (الإنساني) نصف مليار دولار. ويمكن الإطلاع على تفاصيل أوفى عن سوء استخدام الأمم المتحدة والولايات المتحدة لبرنامج النفط مقابل الغذاء في رسائل العراق إلى مجلس الأمن وفي عرض وفد العراق في جلسة الحوار الأولى مع الأمين العام للأمم المتحدة في شباط 2001 وفي مداخلة وكيل وزير الخارجية العراقي الدكتور رياض القيسي أمام مجلس الأمن يوم 28 حزيران 2001 (الوثيقة S/PV/4336 Resumption1).

ولا يفوتنا أن نشير إلى مبلغ العشرة مليارات دولار التي كانت في حساب البرنامج عندما احتل الأمريكان العراق وسلمتها الأمم المتحدة إلى بريمر ولم يعثر لها بعد ذلك على أثر.

ختاما... إن ما جرى ويجري على العراق وأهله وقيادته الشرعية هو ظلم فادح وانتهاك لكل شرائع الأرض والسماء وعلى الشرفاء في العالم أن يتصدوا لمسؤلياتهم ويفضحوا هذه المؤامرة ويدعموا شعب العراق ومقاومته الباسلة ويعلنوا تمسكهم بشرعية النظام السياسي القائم في العراق قبل الاحتلال وبطلان الاحتلال وكل ما ترتب عليه وحق شعب العراق بالتعويض عن كل الأضرار البشرية والمادية الناتجة عن الاحتلال واستمراره.