القرار (1559) و"الشرق الأوسط الجديد"
د. عصام نعمان *
ما أن شنت "اسرائيل" عدوانها المدمر على لبنان، بذريعة الدفاع عن النفس، وبهدف تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559، الصادر في مطلع أيلول (سبتمبر) في العام 2004، حتى أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ان "العملية العسكرية" في لبنان ستنتهي في "إطار حل شامل لشرق أوسط جديد". وأثناء جولتها في المنطقة واجتماعاتها بالمسؤولين اللبنانيين وبقادة "حركة 14 آذار (مارس)"، ربطت وقف إطلاق النار بتسليم الأسيرين "الاسرائيليين" ونزع سلاح "حزب الله".
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو الآتي: ما علاقة القرار 1559 بـ"الشرق الأوسط الجديد"، وما علاقة العدوان "الاسرائيلي" بالقرار 1559؟
إن القرار 1559 الذي تناول أموراً تبدو في ظاهرها محض لبنانية تتعلق باستقلال لبنان وسيادته واستعادة الدولة اللبنانية قرارها الحر، لتكون الأنموذج الديمقراطي الذي يحتذى في "منطقة الشرق الاوسط"، القرار هذا يبدو في واقع الأمر جزءاً من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة ويشكل للبنان مشكلة أكثر مما يشكل على الرغم من أن لبنان يعاني من المشكلات التي تناولها القرار، وفي حال تم تنفيذ القرار يتخلص لبنان من هذه المشكلات، ويستعيد وضعه الطبيعي لكن تنفيذ بنود القرار دونها عقبات كبيرة، وقد رأى الذين ينظرون إلى الأمور بعمق وموضوعية إن تنفيذ هذه البنود قد يؤدي إلى إدخال لبنان في المجهول ما لم يتم وضع آليات للتنفيذ مدروسة في إطار سياسة تأخذ بالاعتبار مصالح مختلف الأطراف المعنية بالتنفيذ، وبالتالي تنفيذ القرار في إطار تفاهم سياسي داخلي وإقليمي ودولي، وليس التنفيذ من طريق القوة والعنف.
لقد تناول القرار 1559 أربعة أمور أساسية وهي انتخاب رئيس الجمهورية دون تعديل الدستور وتمديد ولاية الرئيس إميل لحود، خروج القوات السورية من لبنان، نزع سلاح المخيمات الفلسطينية ونزع سلاح الميليشيات اللبنانية والمقصود بذلك سلاح المقاومة الإسلامية المتمثلة بـ"حزب الله".
البند الوحيد الذي طبق من القرار هو خروج القوات السورية من لبنان، ويعتقد الكثيرون أنه لولا اغتيال الرئيس رفيق الحريري والنقمة الشعبية العارمة التي رافقت ذلك توجيه أصابع الاتهام إلى سوريا مباشرة لما نفذ هذا البند، أما البند المتعلق برئاسة الجمهورية فجرى تجاوزه، ومدد مجلس النواب ولاية الرئيس إميل لحود لثلاث سنوات، غير أن المشكلة زادت تفاقماً وتعمقت الانقسامات بين الأطراف السياسية وأصبحت رئاسة الجمهورية المحور الأساسي في هذه الانقسامات ما أدى إلى حالة من الشلل في بعض مؤسسات الدولة. وبعد أن طرح مصير رئيس الجمهورية في هيئة الحوار الوطني صرف النظر في هذه القضية بسبب عدم إمكان وجود حل تتفق عليه الأطراف السياسية، غير أن المشكلة بقيت قائمة.
أما البند المتعلق بنزع سلاح الفلسطينيين خارج وداخل المخيمات فجرى التفاهم على تنفيذه في هيئة الحوار وبالتنسيق مع الجهات الفلسطينية، غير أن رؤية التنفيذ وآلياته شابها الكثير من الغموض، ولم يبدأ التنفيذ وارتفعت أصوات رافضة نزع السلاح الفلسطيني في لبنان، رابطة نزع هذا السلاح بحل عادل للقضية الفلسطينية.
وإذا كان السلاح الفلسطيني في لبنان مشكلة ونزعه مشكلة أيضاً، فإن المشكلة الكبرى هي نزع سلاح المقاومة الإسلامية، وهي مقاومة لبنانية للعدو "الاسرائيلي" الذي لا يزال يحتل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ويحتفظ بالأسرى رافضاً تحريرهم، ويشكل خطراً دائماً على لبنان يعمل على توطين اللاجئين الفلسطينيين فيه والحؤول من دون عودتهم إلى ديارهم في فلسطين، وهو يطمح بالمياه اللبنانية ومخططاته في هذا المجال واضحة للعيان منذ عشرات السنين.
نزع سلاح "حزب الله" شكل عامل انقسام بين اللبنانيين، ففريق منهم يعتبر أن هذا السلاح يشكل قوة ردع استراتيجي في وجه "اسرائيل" وفريق آخر يعتبر أنه لا يجوز أن يكون على الأراضي اللبنانية قوة مسلحة سوى القوى النظامية التابعة للدولة والخاضعة لسلطتها.
فنزع سلاح "حزب الله" ليس بالسهولة التي يتصورها المسؤولون في بعض الدول الكبرى وفي الأمم المتحدة. فبغض النظر عن قوة "حزب الله" العسكرية، فهو حزب لبناني له قاعدته الشعبية العريضة جداً في النسيج الاجتماعي، والسياسي اللبناني وله مؤيدون في مختلف الأوساط اللبنانية، وقد كان له الفضل بتحرير لبنان في العام 2000 ودحر القوات "الاسرائيلية" إلى ما وراء الخط الأزرق، بعد ما عجزت الأمم المتحدة والدول الكبرى عن تنفيذ القرار 425 الصادر في العام 1978 ناهيك بالدعم السوري والايراني الذي يحظى به.
وإذا سلمنا بأن سلاح "حزب الله" ضمانة في وجه المخططات "الاسرائيلية" أو لم نسلم بذلك فأنه لا يمكننا أن نسلم بأية حالة من الأحوال بأن نزع سلاح "حزب الله" يمكن أن يتم بواسطة السلطة اللبنانية ومن طريق القوى وهذا ما أدركه جميع اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية، لذلك جرى البحث في هيئة الحوار في وضع استراتيجية دفاعية يكون للمقاومة الإسلامية دور أساسي فيها إلى جانب الجيش اللبناني، غير أن إصرار الولايات المتحدة الأمريكية و"اسرائيل" على نزع سلاح "حزب الله"، قطع الطريق أمام اللبنانيين فجاء العدوان "الاسرائيلي" على لبنان من أجل تنفيذ القرار 1559، وذلك بمباركة دولية وصمت عربي، على أساس أن هذا القرار، وإن كان يجري تنفيذه على الأراضي اللبنانية، فمراميه أبعد من لبنان، وهو يندرج في إطار إعادة ترتيب أوضاع "منطقة الشرق الأوسط" بما يخدم مصالح "اسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية وهذا ما أفصحت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية عندما ربطت وقف العدوان "الاسرائيلي" على لبنان بالمخطط الأمريكي لـ"شرق أوسط جديد".
هل "الشرق الأوسط الجديد" الذي بدأت بشائره في العراق، بالقضاء على وحدته وتأجيج الصراعات الدامية والمدمرة بين أبنائه، ويستكمل في لبنان عبر العدوان "الاسرائيلي" الذي يستهدف فقط سلاح "حزب الله"، إنما يهدف إلى تدمير لبنان والقضاء عليه من خلال ضرب وحدته الوطنية وتأجيج الصراعات فيه على غرار العراق، وقد عانى اللبنانيون كثيراً في السياسات والمخططات "الاسرائيلية" في هذا المجال، وباتوا أكثر تشبثاً بوحدتهم الوطنية، خاصة أن العدوان "الاسرائيلي" يطالهم جميعاً، هل "الشرق الأوسط الجديد" هو "شرق أوسط" مكون من كتل طائفية ومذهبية وإثنية متصارعة مع بعضها بعضا، تفرض "اسرائيل" سيطرتها عليها؟ أم أن "الشرق الأوسط الجديد" يقوم على ترتيبات سياسية تضمن مصالح "اسرائيل" والولايات المتحدة على حساب مصالح الشعوب العربية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة متروكة للتطورات العسكرية والسياسية، ولكن ليس بالضرورة نجاح المخططات، فالعديد منها كان مصيره الفشل، لأن إرادة الشعوب تبقى أقوى من المخططات.
* دكتور في القانون العام - محام بالاستئناف - وزير سابق للاتصالات - كاتب ومعلق سياسي من لبنان