العراق.. وتصريحات المسؤولين العرب، إلى أين؟..
سميرة رجب/البحرين
بعد ظهور الدستور العراقي، الذي كتبه الأمريكي (اليهودي) نوح فيلدمان في البيت الأبيض، وأُقر باستفتاء عراقي في ظل الاحتلال الأمريكي، ليشرعن تقسيم العراق إلى فيدراليات، وفي مؤتمر صحفي جلس فيه جنباً إلى جنب السيدة كوندوليزا رايس، ظهر وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل، بتصريحه اليتيم في الشأن العراقي منذ العدوان والاحتلال، معلناً أن إيران أصبحت دولة محتلة للعراق، وما معناه أن الأنظمة الخليجية والعربية ترفض ممارسات وسياسات الجمهورية الإسلامية في العراق...
وبعد أن جلس المحتَلان الأمريكي والإيراني في سفارة دولة أجنبية في المنطقة الخضراء في العراق، ليتفاوضوا في الشأن العراقي، ظهر الرئيس حسني مبارك، زعيم أكبر دولة عربية، في حوار على تليفزيون "العربية" ليجيب على سؤال عن التأثير الإيراني في العراق ومنطقة الخليج قائلاً "بالقطع إيران لها ضلع في الشيعة.. الشيعة 65 بالمائة من العراقيين (ولا نعلم من أين جاء الرئيس بهذه النسبة التي لم تتوافر في أي إحصائية في العراق، وخصوصاً إذا علمنا أن الأمريكان كانوا يذكرون الشيعة بالأقلية الشيعية في العراق أثناء الحرب العراقية الإيرانية) وهناك شيعة في كل هذه الدول وبنسب كبيرة، والشيعة دائما ولاؤهم لإيران. أغلبهم ولاؤهم لإيران وليس لدولهم".... وأن "الحرب ليست على الأبواب. هناك حرب أهلية تقريبا بدأت (وهذه الحرب غير موجودة في العراق رغم انها مطلب بريطاني أمريكي ملح). شيعة وسنة وكرد والاصناف التي جاءت من آسيا (..) العراق مدمر تقريبا حاليا"... قد يحتار المرء كيف يفسر مواقف الأنظمة العربية وتصريحات مسئوليها حول الشأن العربي عموماً والعراقي خصوصاً، منذ بدء تشكّل خيوط النظام الدولي الجديد عموماً، ومنذ بدء الاحتلال الأنغلو-أمريكي، الصهيو-صفوي للعراق خصوصاً... ورغم إن تلك المواقف والتصريحات تعد طلاسم بالنسبة إلى المواطن العربي، فيقف ضدها أو معها، من دون أن يعي حقيقتها وأسبابها، إلا أن السلوك الرسمي العربي عموماً لم يعد يشكّل أي غموض بالنسبة إلى المتابعين والراصدين له، بعد أن باتت جميع الأوراق الإقليمية والعالمية مصفوفة ومعلنة للقارئ السياسي، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وبدء المتغيرات الدولية الجديدة التي لم يستشرف العرب حتى اليوم مواقعهم الصحيحة فيها...
وفي قراءة بسيطة لتلك المتغيرات الدولية فيما يتعلق منها بالأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لمنطقتنا العربية، والتنافس العالمي بالسيطرة عليها، يمكننا أن نفسّر السلوك الرسمي العربي خلال ربع القرن الأخير، الممتد منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، ما هو إلا إنعكاس مباشر لاستمرار الصراع الأمريكي الأوروبي (وخصوصاً البريطاني) حول المستعمرات القديمة، وهو صراع لم يتوقف منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي تم خلالها تنازل الإمبراطورية البريطانية عن بعض من مستعمراتها إلى القوة الأمريكية المنبثقة من وسط الدمار والرعب والضحايا التي خلفتهما القنابل الذرية التي أنزلتها الطائرات الأمريكية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، لتقتل خلال يوم واحد أكثر من 50 ألف ياباني وتحوّل المدينتين إلى مثال تاريخي أسود على وحشية العقلية الاستعمارية الغربية. منذ انتهاء تلك الحرب لم يتوقف الصراع البريطاني الأمريكي على منطقة الخليج، ولكن هذا الصراع وصل إلى أوجه مع الأصابع البريطانية التي تحركت مع آخر انقلاب بأفغانستان في عام 1978 لتدخل بعدها المنطقة، من أفغانستان شرقاً إلى المملكة المغربية غرباً، في أشد فترات التوتر والصراع حتى يومنا هذا على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والدينية والمذهبية والعسكرية.
وما يهمنا في كل هذا هو مواقف الأنظمة العربية من تلك الصراعات الدولية على المنطقة، التي تخللتها ثلاثة حروب في منطقة الخليج انتهت باحتلال أغنى وأقوى وأهم دولها، وحرب أهلية في لبنان استمرت أكثر من عقد ونصف عقد من الزمان قضت على قوة المقاومة الفلسطينية لتوجد ميليشيات تؤمّن سلامة وأمن حدود شمال "إسرائيل"، وانتفاضتين للشعب الفلسطيني تخللتهما اتفاقية استسلام لم يجن منها الفلسطينيون سوى المزيد من البؤس والقتل والدمار، إضافة إلى تغيير كامل في خريطة الثقافة العربية، انبثقت منها قوى سياسية جديدة تدعو إلى ثقافة الاستسلام وعدم مقاومة المخططات الغربية الاستعمارية والاحتلالية، بسبب تردي وضعف الأنظمة العربية على كل المستويات وأهمها مستوى التنمية التي خلقت مظاهر جديدة للفقر العربي وأضعاف مضاعفة من الفقراء العرب المتسولين للعمل والرزق في كل أركان الكرة الأرضية...
هكذا تم تثبيت أنظمة "سايكس بيكو" في المنطقة العربية، خلال ربع القرن الأخير، الذي عرف بفترة الاستقلال أو ما بعد الاستعمار، وتميّز بحدة الحرب الباردة بين معسكري الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، فكانت سياسات أنظمتنا لا تحيد قيد أنملة عن منظومة أفكار وسياسات السيدين (سايكس وبيكو) وخلفائهما، طوال تلك الفترة... ولكن مع سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي، وتجدد نوع جديد من الصراع الدولي داخل معسكر الغرب الرأسمالي نفسه، المتمثل في قطبيه الأوروبي والأمريكي، تحتّم تغيير لعبة الشطرنج التي تحركها تلك الأقطاب الدولية في عملية يدفع كل طرف بالمزيد من قواه السياسية والعسكرية والدبلوماسية والإعلامية لتحقيق أهدافه، على أن ينحصر القتل والدمار في المنطقة فقط... وهذه هي اللعبة الاستعمارية المستنزفة لقوى واقتصاديات دولنا منذ أن وهب الله العرب نعمة (أو نقمة) النفط. ورجوعاً للأدوار والتصريحات الرسمية العربية السابقة واللاحقة لاحتلال العراق، وبقراءة سياسية بسيطة لمناسباتها وفتراتها الزمنية فقط، فإنها تشير بوضوح إلى الأصابع الدولية التي تحرّك تلك الأدوار والتصريحات، بحسب متطلبات مصالحها وليس مصالح المنطقة... وبذلك نؤكّد أن التصريحين المذكورين في مقدمة هذا المقال، لا يمكن إلا أن يصبا في هذه الرؤية، إذ إن أبسط القراءات السياسية للعدوان الأنغلو-أمريكي على العراق كانت تؤكد أنه كان يهدف إلى احتلال هذه الدولة الغنية والسيطرة على كامل مواردها النفطية، ومن يتمكّن من السيطرة على العراق ونفطه، سيحصل على منطقة الخليج ونفطها على طبق من فضة...
وبالجانب الآخر، فإن من كان يتوقع احتلال وتدمير العراق، من دون أن يتوقع انقضاض إيران على فريستها التاريخية، فإنه بالتأكيد غير مؤهل للعمل السياسي... ويعلم كل مطّلع على تاريخ الأطماع الإيرانية في المنطقة العربية، والذي تم خلاله احتلال إيران لأغنى منابع النفط العربية، في الأحواز وآبار «نفط شاه« في منطقة قصر شيرين العراقية، واحتلالها لأهم الموانئ والمضايق العربية، في شط العرب والمحمرة ومضيق هرمز... إلخ، إن تلك الاحتلالات قد تمت تحت حراب القوة الأوروبية خلال ما يقارب أربعة قرون، وهي القوة التي مازالت تصارع العالم في سبيل بقاء سيطرتها على المنطقة (سنفرد مقال خاص حول تاريخ أطماع إيران التاريخية في المنطقة)...
والغريب أن تقف أنظمتنا العربية اليوم محتارة في قضية العراق، بعد أن سكتت عن جريمة احتلاله... ورغم كثرة الغرائب في تلك المواقف العربية، إلا أننا نكتفي بهذا الحد، إلى مناسبات أخرى...
وأخيراً يجب تأكيد أن المتحكّم في قضية العراق اليوم هو المقاومة العراقية، وكل ما دون ذلك لا تأثير له على القضية الأساسية، وهي قضية الصراع الدامي الذي تغوص به كل القوى المحتلة للعراق، والمسألة هي مسألة وقت ليس إلا...