"ديمقراطية" الضغوط على الشعب الفلسطيني!
سليمان نزال
تدخلُ مغارة الوصف، فلا تخرج منها بغير الغبار وبعض ثياب الرؤى الممزقة، فالحالة الفلسطينية هذه الأيام تنتج الكثير من الضباب والقليل القليل من الخبز، أما الصبر على الشدائد فمتوفر جدا، فيصدَّر الفائض منه إلى أسواق الحرمان، قبل أن يصطدمَ بموجات الغضب والاحتجاج الذي يصل، أحياناً، إلى درجة الفوضى والتخريب، وبسبب عدم تمكن حكومة حركة "حماس" من صرف الرواتب وسد مطالب البطون الجائعة في غزة والضفة.
ولكل منطقه وخطابه ومعاذيره وحساباته، والجرائم الصهيونية الوحشية متواصلة-كالعادة- والألم الفلسطيني يستطيل ويتسع بحيرات من المكابدات والدم والقهر ويد التضامن مع الشعب الفلسطيني قصيرة وعيون العالم والمجتمع الدولي والحكومات والمنظمات الإنسانية..كفيفة غير بصيرة! فما الذي يجعلها تقدم على التحديق في جراحاتنا والتحرك للمساعدة، إن كان ذلك الأمر سيدفعها إلى مواجهة غضب خانقي الشعب الفلسطيني، سارقي لقمة أطفاله، من صهاينة وإمبرياليين وأتباع ومن منفذين لخطط الضغط والحشر والابتزاز؟
قالوا: نريدكم ديمقراطيين، فابتهجنا، بينما الدنيا تشهد انتخابات فلسطينية، لا تشوبها شائبة غش وتزوير، وباركنا لحركة "حماس" فوزها وأخذَ شعبنا يتطلع إلى تحسين أحواله وظروفه المعيشية، وإلى استتباب الأمن الداخلي، وفي محاربة الفاسدين والمفسدين، في صون الوحدة الوطنية الفلسطينية، من عبث المخربين والمشبوهين والموتورين، في الحفاظ على ثوابته الوطنية في الحرية والسيادة والعودة والاستقلال، فما الذي جرى في الوضع الفلسطيني المأزوم الحزين حتى تساوت –في هذه الأيام- تحليلات و تفسيرات الكتاب والمحللين وخبراء فك أسرار التخبط مع تقولات وتخرسات المنجمين والحواة، هذا، إن لم تفز الثانية بالظلال الناعمة على حساب العقل الفلسطيني!
سنكتشف حالاً مع الجميع:
افتضاح أكذوبة الديمقراطية الغربية والصهيونية، فمعاقبة الشعب الفلسطيني وقطع المساعدات والتضييق الاقتصادي عليه والتصعيد العسكري العدواني "الاسرائيلي"، المسكوت عنه دوليا وعربيا، لمجرد أن "حماس" استلمت الحكومة.
الديمقراطية وفق العقلية الامبريالية الجشعة مطلوبة، إذا هي قادت إلى الاعتراف المجاني بـ"إسرائيل" العنصرية الإلغائية، وتغدو من ترف الكماليات، بل يمكن تجاوزها واغتيالها، إن هي عارضت مناهج التسليع والتفريط وهجمات الهيمنة والنهب والاستيلاء على الثروات، ومثال غزو العراق وتعذيب شعبه والتحريض على الفتن والتحكم بمقدراته، براهين قاطعة على هذا النوع من "الديمقراطية" ومقاصدها وأهدافها وأقنعتها ومكائدها المكشوفة.
إن في عملية لجوء حركة "حماس" إلى تشكيل حكومة "حمساوية" خالصة –تقريبا- لا يختلف في شيء عن الطريقة التي كانت تشكل فيها حركة "فتح" لحكومتها التسع السالفة.. مع الأخذ بعين الاعتبار أن حركة "فتح" وهي التي فجرت الرصاصة الأولى-هنا نتذكر اغتيال أحد أبرز قادتها الشهيد الرمز أبو جهاد الوزير في 16 نيسان من عام 1988 - كانت تلجأ غلى تطعيم حكومتها بعدد من ممثلي الفصائل، وإن لم يتجاوز ذلك الشكليات والديكوزرت المتتمة.
في خضم المأساة الفلسطينية المستمرة، ينبغي التأكيد علي رفض كل الضغوط الإقتصادية التي تتعرض لها حركة "حماس"، وعملياً شعبنا، مع التشديد على أن الاختلاف مع برنامجها الحالي ومع منطلقاتها الفكرية، لا يعني وضع العصي في دواليب محاولاتها للخروج من هذا الأزمة الطاحنة، كما لا يعني التوقف عن انتقاد تكتيكاتها المتبعة، لكن على قاعدة الوحدة والتماسك يتشكل الموقف، ودائما يتجسد الحل الصحيح في التوصل إلى توافق و تفاهم، بين كل الفصائل والتنظيمات الفلسطينية، على أساس برنامج وطني جامع واقعي، منه تنطلق سياسة موحدة في مقارعة الاحتلال الصهيوني، وفي وضح حلول صحيحة عاجلة لمجموعة المشكلات المتراكمة المتزاحمة، التي يعاني منها شعبنا.
قد يصعب الوصف والتفسير، لكل ما يحدث في الحالة الفلسطينية الصعبة، لكن لا يستحيل التدبير، على قاعدة الجهود الموحدة، فالرياح عاتية والبحر غاضب والقارب المشترك لا ولن يحتمل إحداث الثقوب.