الرافعي في مهرجان مركزي للهيئة الوطنية اللبنانية لدعم المقاومة الوطنية العراقية:
ندعو الجميع إلى ملاقاة المقاومة العراقية في منتصف الطريق، وعفى الله عما مضى
بيروت خاص (المحرر):
دعت الهيئة الوطنية
اللبنانية لدعم المقاومة والشعب العراقي إلى مهرجان مركزي أقامته في فندق السفير في
بيروت في تمام الساعة العاشرة والنصف من قبل ظهر يوم الأحد في التاسع من نيسان
2006، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية الثالثة الانطلاقة للمقاومة الوطنية العراقية.

حضر المهرجان عدد من ممثلي الأحزاب الوطنية اللبنانية والفعاليات السياسية والثقافية والفكرية، وحشد كبير من المواطنين والمؤيدين للمقاومة العراقية. وقدَّم الأستاذ حسين شعيب كلمات المشاركين، وأُلقيت كلمات بالمناسبة على التوالي:
كلمة الهيئة الوطنية ألقاها رئيسها الأخ الدكتور سمير الصباغ، كلمة منظمة التحرير الفلسطينية ألقاها الأخ خالد عارف أمين سر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في جنوب لبنان، كلمة الأستاذة بشرى الخليل، عضو هيئة الإسناد للدفاع عن الرئيس صدام حسين ورفاقه وكافة الأسرى والمعتقلين في العراق، الوكيل القانوني للرفيق الأسير طه ياسين رمضان، كلمة السيد معن بشور الأمين العام للمؤتمر القومي العربي، كما ألقى الرفيق الشاعر عمر شبلي قصيدة بهذه المناسبة، واختتم المهرجان الرفيق الدكتور عبد المجيد الرافعي، بكلمة وطنية قومية معبرة قال فيها:
أيتها الأخوات، أيها الأخوة
أن نقيم اليوم في لبنان، مهرجاناً في الذكرى الثالثة للعدوان الإمبريالي الأمريكي البريطاني الصهيوني على العراق ودخول جحافله الغازية إلى بغداد عاصمة الرشيد، في التاسع من نيسان 2003، فلأن هذا التاريخ أصبح يشكل رمزاً للمقاومة العربية في وجه الاستعمار المتجدّد وعملائه، ومشاريعه، للهيمنة على مقدرات أمتنا العربية.
لقد توهَّمت إدارة الرئيس جورج بوش أن في احتلال بغداد، في التاسع من نيسان من العام 2003، سيكون انطلاقة النجاح لمشروعها الخبيث، ونحن نرى اليوم، بعد مرور ثلاث سنوات على الاحتلال، الإندحار الفعلي لهذا المشروع الذي يتحول إلى أوهام.
فالمقاومة العراقية البطلة ومنذ بداية الاجتياح الأميركي للعراق، ابتدأت من أم قصر في الجنوب، وفي المواجهات النظامية التي خاضها الجيش العراقي وكافة الفصائل العراقية المقاتلة في مختلف ساحات المعارك، ثم استمرت بعد احتلال بغداد بوسائل وأساليب حرب التحرير الشعبية، وبعد استعمال الأمريكان لأسلحة القتل والدمار الجماعي من قنابل عنقودية وقنابل فراغية حارقة تطلق غازاً لدى تفجيرها تبلغ حرارته عند الإشتعال أربعة آلاف درجة مئوية، فتحرق كل شيء وتحدث فراغاً شديداً يدفع بالدم والأحشاء إلى خارج الجسد.
ففي تلك المواجهة أرغمت المقاومة العراقية الاحتلال على تغيير كل خططه واستراتيجيته، فأصبح عاجزاً عن مواجهتها، حتى إن الإعلام المعادي هو الذي يكشف بنفسه اليوم، عن النتائج الوخيمة التي يحصدها هذا الاحتلال الأميركي وعملائه جراء ضربات المقاومة، تلك المقاومة التي وضعته على أبواب هزيمة مؤكَّدة يعمل على إخراج نفسه منها بما يحفظ ماء وجهه ووجه النظام الرأسمالي العالمي الجديد.
أيتها الأخوات أيها الأخوة
تمر أمتنا العربية، في هذه اللحظة، بمرحلة ليست أشدّ مراحلها خطورة فحسب، وإنما هي المرحلة الأكثر تفاؤلاً بالمستقبل في نفس الوقت. فبالقدر الذي تواجه فيه أمتنا المخاطر الشديدة، فهي تنتظر مستقبلاً مشرقاً وزاخراً بآمال التحرير من قبضة المشروع الإمبريالي والصهيوني، أما السبب فهو أن الأمة قد بدأت تتطلَّع إلى إنهاء آخر فصول أمركة العالم في العراق، بعد أن استحضرت المقاومة العراقية البطلة، عوامل القوة فيها، واستعادت حيويتها وشبابها.
عوامل القوة في الأمة العربية كانت لا تزال مغيَّبة قبل أن يثبت العمل الشعبي المقاوم، عسكرياً وسياسياً، جدواه وأهميته. فبواسطته غيَّر المقاومون العرب معادلة التوازن بين قوة الاستعمار والصهيونية وبين مخزون الإمكانيات النضالية والجهادية التي تمتلكها الأمة.
إنه وبعد أن أثبت النظام العربي الرسمي عجزه، وفي أحيان كثيرة تواطؤه مع المحتل الغاصب، وحيث بلغت القواعد العسكرية الأمريكية في الدول المجاورة للعراق 48 قاعدة عسكرية حتى اليوم، فإننا نرى في الأفق القريب أن آمال التغيير في الأمة أصبحت اليوم معلَّقة على نواصي خيل المقاومة العربية أينما كانت، سواءٌ في لبنان، أم في فلسطين، أم في العراق.
وفي عصر المقاومة، وفي طليعتها المقاومة المسلَّحة، انتقلت الأمة العربية من حال الهزيمة إلى حال الانتصار، وقد سجَّلت نقاطاً نوعية بطولية ومشرّفة حتى اليوم سواء عندما ألحقت المقاومة الوطنية اللبنانية الهزيمة بالعدو الصهيوني وأجبرته على الاندحار، أو قبلها حيث كانت ولم تزل المقاومة الفلسطينية قد فتحت عصر المقاومة العربية في ستينيات القرن الماضي، وغيَّرت معادلات الصراع آنذاك، ونقلته من أيدي الأنظمة إلى أيدي الجماهير، فانتعشت الآمال، واُستحضرت عوامل القوة الكامنة في الأمة التي ننتسب إليها، وبهذا تجاوزت الأمة عصر الهزائم النظامية وانتقلت إلى مرحلة عصر الانتصارات الشعبية، وهي مرشَّحة الآن وبفعل استمرار جذوتها في فلسطين، أن تُلحق الهزيمة بالمشروع الصهيوني.
وهي وإن كانت لن تحقق النصر عليه بعصاً سحرية، فإنها ستدعه مترنحاً يلعق جراحه على طريق إنهاكه، وإعاقة تمدده، كخطوة استراتيجية للانتصار عليه.
أما في العراق اليوم، فبصمود قوة الإرادة الشعبية العراقية وقيادتها المناضلة تستمر الأمة بنضالها. ففي العراق اليوم يتصدى العراقيون المقاومون لرأس الأفعى، وهم يعملون على سحقه، بما يريح العراق، والأمة العربية، وحركة التحرر العالمية.
أيتها الأخوات، أيها الأخوة
إن كنا نسلِّط الضوء الآن على العراق، فلأن سحق مشروع الأمركة والصهينة على أرضه لهو سحق لامتداداته التي لا تستهدف الوطن العربي وحسب، وإنما كافة ساحات التحرر الوطني والقومي والعالمي.
لقد كانت فلسطين، ولا تزال، تمثِّل مركزية الصراع العربي الصهيوني الإمبريالي، ومن أجل تثبيت مشروع الصهينة فيها احتل العدو الصهيوني أراضي لبنان. ومن أجل اجتثاث كل تطلع قومي عربي يهدف لاستعادة عروبة فلسطين، احتلَّ الأميركيون العراق. ففي العراق ظلَّ النظام الوطني، بقيادة الرئيس الأسير صدام حسين، يحتضن القضية الفلسطينية، ويشارك الفلسطينيين، ويسندهم بالعمق القومي، سياسياً ومادياً، فشكَّل بما يقدِّمه للقضية الفلسطينية أحد أهم أسباب العدوان على العراق واحتلاله، وهكذا فعلوا، فاحتلوا العراق وتسلَّلت الصهيونية إلى كل مفاصل المؤسسات التي بناها الاحتلال فيه.
أما في لبنان، فإن ما يجري على ساحته اليوم من مشاريع هيمنة ووصاية جديدة تحت شعارات خادعة، ظاهرها استعادة الديمقراطية وتعميم الرخاء الاقتصادي فيه، فأن باطنها هو القضاء على كل عوامل المقاومة والممانعة في هذا البلد الأبيّ المقاوم، ليمتد ذلك نحو سوريا والعراق وفلسطين، ويتم استكمال مخطط الدمج الأمريكي الاستعماري الكامل لكل ساحات الوطن العربي، وعلى أساس كل هذه المعطيات ننظر إلى القرار 1559، محذرين من أهدافه ومراميه الحقيقية التي تصب في مشروع الهيمنة على بلادنا واحتلالها.
وبالرغم من كل ما يحيط هذا القرار من خلافات ومواقف فأننا ندعو إلى مناقشة كل ذلك والحوار داخل الصف الوطني اللبناني الواحد بعيداً عن كل تدخل أو تهديد خارجي.
أيتها الأخوات، أيها الأخوة
إذا كنا نحسب اليوم أن العراق هو بوابة نجاح مشروع أمركة العالم، أو فشله. وإذا كانت المقاومة المسلَّحة هي العامل الضروري والأساسي الذي جعل موازين القوة ترجح لصالح العراق والأمة العربية، فإن كل جهد يُبذَل الآن يصبح حاجة ضرورية ملحَّة، ويُطلب توجيهه لدعم المقاومة الوطنية العراقية والشعب العراقي. فالواجب الوطني والقومي يدعونا إلى تعميق أسس الصراع مع المشروع الأميركي الصهيوني من جهة، وإلى تعميق كل عوامل ممانعته ومقاومته على الصعيد القومي من جهة أخرى.
وبهذه المناسبة، ندعو كل الأنظمة العربية للاعتراف بالمقاومة العراقية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب العراقي، وطرد كل الممثلين الذين عينَّهم الاحتلال لتمثيل العراق في شتى مؤسسات الجامعة العربية، أو معتمدين لدى الأنظمة الرسمية. كما ندعو اللبنانيين جميعاً للعمل، بالمساعدة والإسناد المادي والمعنوي والمشاركة، من أجل أن تستمر المقاومة العراقية في إنزال أكبر الخسائر بين جنود الاحتلال وعملائه. كما نحيي صمود الشعب العراقي الذي يتحمَّل الأذى والصعاب عن الأمة كلها. ولهذا نتوجَّه إلى قيادة المقاومة في العراق، من منطلق الحرص على انتصارها بما يلي:
أولاً: إن حزب البعث، وهو في السلطة، بقيادة الرئيس صدام حسين الذي لا يزال الرئيس الشرعي للعراق، قد أعدَّ للمقاومة مستلزمات انطلاقتها، ومستلزمات استمرارها حتى طرد آخر جندي أميركي من العراق، تلك الأسباب التي جعلت منه مؤسساً لها قبل العدوان، وقائداً لها بعد الاحتلال، إلاَّ أنه رفع، ولا يزال يرفع شعار (من يحرر العراق يحكمه). وعمل، ولا يزال يعمل، من أجله، وقد حقق خطوات إيجابية متقدمة على هذا الطريق.
من هنا فأننا نؤكد على المنهاج السياسي والإستراتيجي للمقاومة الوطنية العراقية الذي أعدته في أيلول 2003، واستمرارية هذه المقاومة وشرعيتها وواجب وحق الجماهير العربية في الانخراط فيها حتى تُعمم صفحات المنازلة والمواجهة مع قوى الشر والعدوان والاحتلال، فهذه المقاومة ليست لطرد الاحتلال الأجنبي وعملائه وحسب وإنما هي الأداة الشرعية والوحيدة لتجسيد الوحدة الوطنية العراقية والمدافعة عن عروبة العراق ووحدة ترابه وأرضه الطاهرة من أقصاها إلى أقصاها.
ثانياً: إن المقاومة العراقية، ترفع شعار الضرورة في تغليب التناقض الرئيسي على أي تناقض آخر. الشعار الرئيسي الذي يدعو إلى التحرر من الاستعمار والصهيونية أولاً وقبل أي شيء آخر، فهما يتآمران للسيطرة على العالم كله، ومنه جيران العراق سواءٌ أكانوا عرباً أم غير عرب.
فمن على هذا المنبر ندعو الجميع إلى ملاقاة المقاومة العراقية في منتصف الطريق، وعفى الله عما مضى. فخير لجميع دول المنطقة، وهم يرون أن المشروع الاستيلائي الأميركي الصهيوني لن يستثني أحداً منهم، إذا ما أحكم الاستيلاء على العراق، أن يأتوا متأخرين خير من ألاَّ يأتوا أبداً.
ونؤكد في هذا المجال على أن المخطط التقسيمي لن يستثني قطراً من أقطار الأمة العربية وفق "مشروع سايكس بيكو الجديد" حيث ما من قطر عربي بمنأى عنه اليوم.
ثالثاً: إن الورقة الأخيرة التي يعمل الاحتلال الأميركي على استخدامها، هي تعميق الفجوة بين ألوان الطيف العراقي، عرقياً ودينياً. ويستخدمها على نار حامية بتفجير العتبات المقدسة، وأماكن العبادة لكل الأديان، ونحن نرى أن تلك الممارسات تجري على قدم وساق، دونما تمييز بين عراقي وعراقي آخر، وبهذه المناسبة نسجَّل اعتزازنا بالمواقف التي أعلنتها كل فصائل المقاومة العراقية، قومية وشيوعية وإسلامية، والتي رفضت كل تلك الأشكال، محذّرة من الانخراط بالمخطط المشبوه لتفتيت النسيج الاجتماعي العراقي.
أيتها الأخوات، أيها الأخوة
إذ نحتفل بانطلاقة المقاومة الوطنية العراقية
وإذ نتوجَّه بخطاب نراه يخدم نضال المقاومة وجهادها، نرى أنفسنا، في لبنان وغيره من أقطار الأمة العربية، ملزمين وملتزمين بأن نرتفع إلى مستوى قامة الأبطال الذين دفعوا أحلام إدارة الرئيس جورج بوش، سواءٌ أكانوا من "المحافظين الجدد"، أم من الحرس القديم، إلى الوراء، وهذه هي بشائر القضاء عليها تلوح وتتأكَّد كل يوم أكثر من اليوم الذي سبقه. وهذا هو فوكوياما، أحد أهم فلاسفتهم، قد تراجع عن الترويج لسيطرة إيديولوجيا الرأسمالية، وهو يقول الآن "المحافظون الجدد، كرمز سياسي، ومجموعة من الأفكار تطور إلى شيء لم يعد باستطاعتي دعمه".
وهاهي فضائحهم تتسرّب إلينا يوماً بعد يوم والتي ليس آخرها كما نعتقد ما نقل عن الأمر الذي أصدره بوش بكشف هوية إحدى عميلات الـ(سي أي أي)، ليس لسبب، إلاّ لأن زوجها سفير أمريكا في النيجر كان قد كذّب إدعاءات الإدارة الأمريكية بحصول العراق على مواد نووية من النيجر لتبرير العدوان عليه.
أيتها الأخوات، أيها الأخوة
إن مقاومة شعبية، مسلَّحة بالبندقية والعبوة الناسفة، كما هي مسلَّحة بقوة الإرادة للدفاع عن الكرامة الوطنية، قد انتصرت على تكنولوجيا "حرب النجوم" لجديرة بالدعم والإسناد والمشاركة.
وكما أن شعباً صمد، ولا يزال صامداً، في مواجهة كل عوامل التجويع والهدم والقتل، لجدير بالتقدير والتحية وبالتالي توفير كافة مستلزمات وأشكال الصمود، وأن نقدم كل وسائل الدعم والإسناد للمقاومة فهو لن يكون منَّة، ويجب ألاَّ يكون، لأن ما يجري على أرض العراق، من صمود شعبي وبطولات مسلحة إنما هو دفاع عن الأمة العربية قطراً قطراً، وهو دفاع عن كل عربي فرداً فرداً.
لقد قالها الرئيس صدام حسين أمير النضال والجهاد: (إن الكرم أن تقدِّم من اللحم الحي، وليس الكرم أن تقدِّم ما يفوق حاجتك)، وهو كان يقرن كلامه بالفعل عندما كان يقتطع حصة فلسطين في مرحلة الحصار الجائر الذي كان فيه العراق بحاجة إلى كل درهم. وهو كان يعتبر أن دعم قضية فلسطين واجب لا يعفي أحداً من مسؤولياته مهما كانت الظروف والأسباب. فهل نكون كرماء تجاه المقاومة العراقية والشعب العراقي، أو لا نكون؟
بلى نكون، هكذا أعلنتها (الهيئة الوطنية اللبنانية لدعم المقاومة والشعب العراقي)، وهي كهيئة جمعت شتى أطياف الشعب اللبناني وقواه السياسية، ستكون مثالاً يُحتذى في تغليب الواجب الوطني والقومي على أي اعتبار آخر. وإذ نبارك جهدها نضع إمكانياتنا بتصرفها من أجل إتمام مهماتها الشريفة التي أعلنتها في بيانها التأسيسي في الشهر الفائت.
إنها الخطوة الأولى على طريق أدائنا واجب الدعم والإسناد..
وإننا على عهد المقاومة والممانعة لمستمرون..
والسلام عليكم