بعد أن وصف العملية الاستشهادية بـ "الحقيرة"

من "الحقير" يا أبو مازن؟

عندما يتكلم محمود عباس بالعبرية الفصحى من قلب غزة

بقلم: د. رفعت سيد أحمد

دون لف أو دوران دعونا نسأل الرئيس الفلسطيني، سؤالاً مباشراً من الحقير يا أبو مازن؟ هل الحقير هو من يقاوم واقعاً أم من يستسلم راكعاً؟ هل الحقير هو من يقم بالعملية الاستشهادية مثلما فعل المجاهد باسم سامي سالم أبن (حركة الجهاد الإسلامي) أم من مد يده متسولاً سلاماً لا يأتي وبائعاً أرواح شعبه على مائدة اللئام في واشنطن وتل أبيب مقابل أوهام رخيصة اسمها التسوية! من الحقير.. من يدافع عن شعبه بالدم أم من يتاجر هو وابنه في هذا الدم من خلال شراكته مع شركات "إسرائيلية" داخل القطاع والضفة؟ من الحقير، من يقدم روحه فداء لشعب يذبح يومياً دون أن ينطق هذا الغرب المتحضر وسماسرته من حكام العرب.. أم من يمشى في طابور الخونة من البهائيين الجدد والقدامى، بائعي الكرامة في أسواق النخاسة الأمريكية المنصوبة على امتداد الوطن من الخليج إلى المحيط !!

* بالتأكيد.. "الأخ" – لم أعد استصيغ هذه الكلمة بعدما قاله وفعله رئيس السلطة - أبو مازن لن يرد، ليس لأنه لا يقرأ معاذ الله فالرجل لم تعد له وظيفة سوى القراءة والتصريح للفضائيات، ولكن لأن الرجل ليس لديه ما يرد به سوى السباب واصفاً به عملاً عظيماً كالذي قامت به حركة الجهاد لترفع الظلم عن شعبها، ودعونا نناقش أصحاب هذا المنهج الاستسلامي في حججهم التي يسوقونها كلما وقعت عملية استشهادية، لعل في مناقشتهم ما يرد على حجج الشرفاء منهم ويسكت أو يكشف غير الشرفاء ممن تجرأوا على الدم الفلسطيني الغالي وانحازوا إلى دمهم الأصلي.. الدم "الإسرائيلى":

الحجة الأولى: أن العملية الاستشهادية الأخيرة طالت (مدنيين إسرائيليين) والرد على هذه الحجة وببساطة بات يدركها حتى الأطفال الصغار، أن كل الكيان "الإسرائيلي"، كيان مسلح، إنه كما قال أحد فلاسفتهم (أن "إسرائيل" ليست دولة لها جيش، بل جيش بُني له دولة)، والإدعاء بمدنية أو براءة من قُتل من "الإسرائيليين"، إدعاء باطل، فضلاً عن كونه مردود عليه بأن الشعب الفلسطيني يدافع عن نفسه بنفس المنطق وذات السلاح الذي يواجهه، فإذا علمنا مثلاً أن عدد الشهداء الذين قتلوا منذ أول العام (2006) يعنى في أقل من أربعة أشهر وصل إلى سبعين شهيداً منهم 15 طفلاً (منهم الطفلة هديل غبن والتي قتلتها قنبلة إسرائيلية وأصابت معها 7 من أشقائها وشقيقاتها منهن روان ابنة العام والنصف) ومن قبلها "إيمان الهمص"، ونزيد فنقول لمن يتباكون على الدم "الإسرائيلي" أن آلة الذبح "الإسرائيلية" – يا سيد أبو مازن – قتلت منذ 28/9/2000 (بدء انتفاضة الأقصى) ما يزيد على 2500 مدني فلسطيني بالمعنى الحرفي لكلمة مدني، منهم 700 طفل فلسطيني دون سن 15 عاماً ومع ذلك لم تدن أمريكا وأصدقائها من عينة أبو مازن هذا الإجرام.. ترى هل كان على الشعب الفلسطيني أن يصمت وأن يستسلم حتى يوصف بالشعب المتحضر الذي ترضى عنه أمريكا وفرنسا وبريطانيا، وبعض الكتبة في الصحافة المصرية والعربية ممن يُستأجرون ليتحدثوا بالعبرية الفصحى كلما أصاب كيان الدولة التي يحبونها أذىٍ أم ينتفض ويثأر ويدافع عن نفسه ولو بجسده، يدافع عن نفسه بالحد الأدنى من الرجولة التي يفتقدها هؤلاء القادة، ومن لف لفهم من الكتبة!!

ثانياً: يتحجج أبو مازن، ومن صار على نهجه، أن الوقت غير ملائم ونسأل متى كان الوقت ملائماً حتى يتوقف الشعب الفلسطيني عن الدفاع عن حقه في الحياة والعيش بكرامة؟ يعلم أبو مازن، الذي شارك في جريمة "اتفاقية أوسلو" (1993) أن هذا النهج التفاوضي الاستسلامي لم يوصل بهم إلى شيء، وأن الانسحاب أحادى الجانب من غزة كان دافعه الرئيسي هو الهروب من عمليات المقاومة المسلحة للجهاد وحماس وكتائب الأقصى وكتائب الشهيد أبو على مصطفى واللجان الشعبية ولم يكن أبداً "النهج التفاوضي" هو السبب، بدليل أنهم وبعد أن قتلوا عرفات بالسم وجاء رجلهم المفضل، نظروا إليه بدون تقرير كاف ولم يحترموا خدماته، وسموا انسحابهم بالانسحاب (أحادي الجانب) لأنه لا يوجد فى الطرف المقابل من يثقون به، أو يحترمونه (هكذا قال شارون قبل موته المؤجل)، ورغم هذا الاحتقار المستمر لرجال أوسلو من قبل إسرائيل إلا أنهم لا يزالون مصرين بأن الوقت غير ملائم، وهم في ذلك يكذبون حتى على أنفسهم لأن الشعب الفلسطيني الذي اختار المقاومة (ممثلة فى حماس) يعلم الحقيقة، ويعلم أن "إسرائيل" تقتلته في كل لحظة سواء كانت هناك عملية استشهادية أم لا وأن الوقت الوحيد المناسب لسلامتها مع الفلسطينيين هو الوقت الذي يُفنى فيه هذا الشعب وتدمر البنى التحتية لمقاومته الباسلة، وما عدا ذلك فإنه يعد وقتاً غير ملائماً لا لها أو لرجالها في سلطة أوسلو!!.

ثالثاً: يسوق البعض – ومنهم أبو مازن – حججاً أخرى من قبيل أن هذه العملية ستزيد الحصار على الشعب الفلسطيني وستضرب باقتصاده، ونسأله أليس الحصار مفروضاً على هذا الشعب البطل منذ ستين عاماً (1948)، ماذا فعلت له الأمم المتحدة ومجلس الأمن وأبو مازن، وماذا فعلت له أمريكا لتفك عنه الحصار والتجويع والذي زاد بعد وصول (حماس) إلى السلطة وتوليها مقاليدها وفق خيار شعبي ديمقراطي كانت واشنطن تطالب به، وعندما نفذه الشعب، ارتدت واشنطن ومعها أوروبا المنافقة عن دعوتها، وقطعت المساعدات التي ظهر جلياً الآن أنها لم تكن لأهداف إنسانية بل للابتزاز السياسي الذي يحبه أمثال (أبو مازن)، كان الحصار والتجويع إذن قائماً، ومستمراً حتى في الأيام القليلة السابقة على "عملية الجهاد الإسلامي" فلماذا تتهم العملية بأنها ستزيده، وهو عملياً زائد عن الحد!! أليست هذه حجج واهية يريد بها البعض تبرير الخنوع وقبول الذل "الإسرائيلي" باسم العقلانية، والقراءة الهادئة للأحداث ولطبيعة موازين القوى في المنطقة!! وعلى هؤلاء نرد أيضاً بأن (موازين القوى) لم تكن أبداً لصالح العرب ولن تكون ولذلك عليك أنت أنت تغيرها بما تمتلكه من أدوات ومصادر للقوة أبرزها المقاومة المسلحة، فأمريكا تجتهد منذ ستين عاماً لتثبت لنا يومياً أنها (إسرائيل) الأخرى، ومع ذلك يصر البعض منا على اعتبارها "الراعي" أو "الحكم" في هذه العملية السلامية التي لا تتحقق!! ثم لماذا كل هذا الهلع من أمريكا. وهذا مراعاة لمشاعرها وهى المهزومة تقريباً في كل موقع لها فيه وجود في عالمنا المعاصر (ولنتأمل فنائها الخلفي في أمريكا اللاتينية والتمرد الحاصل هناك من قوى اليسار الديمقراطي ولنتأمل حالها البائس في العراق والمقاومة الباسلة ضدها) فإذا كانت أمريكا تتعرض لكل هذه المقاومة والهزائم السياسية والعسكرية فلماذا كل هذا الخوف منها هذا الخوف الذي يدفع وزير خارجية مصر إلى عدم مقابلة وزير خارجية فلسطين محمود الزهار، ويدفع وزير خارجية الأردن لعدم استقباله، وهو ذاته الذي يدفع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ليسارع باتهام العملية الاستشهادية بـ "الحقيرة"!! لما كل هذا الخوف ممن يهزم في كل أرجاء العالم وينصروه البعض منها في مشهد شديد البؤس!

* ان عملية (الجهاد الإسلامي) في قلب تل أبيب، والتي خلفت تسعة قتلى من قطعان المستوطنين، لهى الأكثر شرفاً، ونبلاً في التاريخ الفلسطيني والعربي المعاصر، لأنها تأتي في التوقيت والمكان الصحيحين والمهمين، وهى العملية الأكثر قبولاً لدى الإنسان العربي وإن رفضها "القادة" الذين يميلون في هواهم وخطابهم حيث تميل الريح الأمريكية، وهى العملية التي سيسجل التاريخ بأسف وألم ولأول مرة أن فلسطيني من لحم ودم - ويتحدث باللكنة الفلسطينية - وصفها بـ "الحقيرة" وهو ما ترفع عنه حتى (إيهود أولمرت)!، سيسجل التاريخ أن أبو مازن أهان شعبه مرتين:

الأولى عندما ضحك عليه باسم السلام طيلة السنوات الممتدة من (1993 – 2006) ولم يقدم له سوى السراب وقبض الريح، والثانية عندما وصف الجهاد والدم الفلسطيني بـ "الحقير"، لقد دخل أبو مازن بهذه الثنائية: ثنائية الاستسلام والسباب، التاريخ من أسوأ أبوابه، وهو من حيث لا يدرى قدم خدمة جليلة للمجاهدين، حين أتتهم هذه "المذمة" ممّن " مارس "المفاوضات الفاشلة، والسلام الذي لا يأتي، وطريقة الأمريكية المغلقة، فأثبت صدق العبارة الشاعرية البليغة:

إذا أتتك مذمتي من ناقص... فهي الشهادة لي بأني كامل

* تحية إلى (باسم) في عليين، تحية إلى الدماء الطاهرة الذكية في فلسطين، ولا نامت أعين الجبناء.. الصهاينة ومن والاهم.