بعد ثلاث سنوات.. هل أنجزت المهمة؟!
نواف أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين المحجتلة يقيم في الأردن
بعد ثلاث سنوات على احتلال بغداد، تبرز جملة من التساؤلات المشروعة، في مقدمتها: هل سقطت بغداد وسقط العراق حقاً؟! هل انتهت المهمة التي كلف بها المحتلون؟! هل كان الرئيس بوش محقاً في إعلان (النصر) يوم 1/5/2003؟! سقوط العواصم والبلدان يكون حين يستكين أهلها أمام الغاصب والمحتل.
والاحتلال لا يعني السقوط حين تواجهه المقاومة. كما كانت أحوال باريس أثناء الحرب العالمية الثانية بعد الاحتلال النازي، تكون حالة بغداد اليوم، مثلها مثل عدد من العواصم الأوروبية التي احتلها النازيون. لقد دخلت قوات الاحتلال الأمريكي عاصمة العرب ومنارة مجدهم التليد في ذلك اليوم الأسود من أيام نيسان 2003 وأمام ذهول الدنيا كلها التي لم تصدق أن بغداد تستسلم دون قتال، وليصور (مخرجو) هوليوود المرافقون لقوات الاحتلال للعالم كله مشاهد يندى لها الجبين: السرقات والسطو والنهب والحرق للمؤسسات العامة في بغداد والفوضى الشاملة، ومعها جميعاً (هناك من رحب بالمحتل واعتبر يوم 9/4/2003 عيداً وطنياً، لكن لمن؟ هذا هو السؤال) كان يمكن أن يقال أن بغداد قد سقطت وأن العراق كله قد سقط لو لم تندلع على الفور المقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال، وهي من أرغم الإدارة الأمريكية على تغيير وتبديل المهمة وصبغتها بلون الغموض: المهمة ما هي هل كانت (كشف أسلحة الدمار الشامل العراقية)؟ أم هي إسقاط النظام، أم هي بناء نظام ديمقراطي مثالي في وادي الرافدين، أم هي مواجهة الإرهاب، أم هي أشياء أخرى لم تذكر مباشرة وعلانية؟!
إن تعبير الرئيس الأمريكي عن أن النصر سيكون بمطاردة الإرهاب في ساحة المواجهة الرئيسة في العراق، دلالة على التغيير الدراماتيكي للمهمة. (المهمة) إذن لم تنجز ولم تنته ولم تكتمل لا في 9/4/2003 ولا في 1/5/2003 ولا اليوم ولا غداً أيضاً. كان يوم احتلال بغداد تجلياً لسقوط أخلاقي وسياسي وعسكري أمريكي مروع. سقوط أخلاقي لأن الغزو لم يكن مبرراً على الإطلاق، وسقوط سياسي لأن الغزو تم بالقفز من فوق الشرعية الدولية بأسرها، وضمن إستراتيجية عدوانية كونية هدفها الهيمنة على مفاصل الحياة في العالم كله، وسقوط عسكري بدليل أن القوات المحتلة في ورطة عز نظيرها، لم تكن تتوقعها على الإطلاق، إنها تغوص في بحر من الرمال المتحركة، وتغرق في مستنقع اختارته قيادتها لها.
إذا كان الموت قد حصد أرواح ما بين ثلاثة آلاف وستة آلاف أمريكي، والعمليات قد جرحت منهم أكثر من ثلاثين ألفاً، فإن حصاد الشعب العراقي كان أضعافاً مضاعفة. وليس ثمة من ينكر اليوم أن أكثر من مائة ألف مواطن عراقي بريء قد قضى خلال السنوات الثلاث من الاحتلال وأن العراق قد فقد السيادة والاستقلال والثروة، كما فقد الأمن وكل وسائل العيش والحياة. هذا ليس الحصيلة الوحيدة للاحتلال. إن العراق على شفا حفرة من نار الحرب الطائفية، الأهلية، المذهبية، أو العرقية دفعة واحدة.
الاحتلال حقن كل سمومه في الجسد العراقي: الطائفية والمذهبية والعرقية والمناطقية، وأسس لتمزيق العراق الواحد إلى ثلاثة أو أربعة (عراقات) متقاتلة متخاصمة. والمحتل في الوقت عينه يرفض أن يعترف بفشله وبخيبته الكبيرة، لأن ذلك معناه سقوط إستراتيجية إدارة المحافظين الجدد الكونية. لأنها جعلت العراق المحور وحجر الزاوية في عملية تنفيذ هذه الإستراتيجية. هذه هي صورة العراق اليوم:
- المحتلون محصورون في (المنطقة الخضراء) دون أن ينأوا عن شرارات الغضب العراقي.
- هناك حرب طائفية لم تعلن رسمياً بعد، لكنها في واقع الأمر قائمة بعد أن بذل الاحتلال ومن يسنده كل الجهود لإثارة الفتنة الطائفية.
- هناك فراغ سياسي فعلي في العراق، سببه الأساس التكالب الفظيع على الكراسي والمناصب دون إعارة أدنى اهتمام لمصاعب العراقيين ومعاناتهم اليومية، إذ صارت الأمور أن يحتمي المكون السياسي بخندق فردي صغير عرضة للانهيار في لج العاصفة الهوجاء، مغادراً خيمة العراق الكبيرة القوية وخندقه المتسع الحصين.
لعل النجاح الوحيد الذي حققه الاحتلال هو هذا العصف بالعلاقات المجتمعية العراقية وبذر الشكوك بين أبناء الأسرة الواحدة، والمحلة الواحدة، والطرف الواحد، والحي الواحد، والقرية الواحدة، والعشيرة الواحدة، فما بالك بحال أهل المدن الكبيرة العريقة؟ هذه هي حصيلة ثلاث سنوات من الاحتلال والتفنن في صناعة الموت والتدمير وزرع سموم الاحتراب الداخلي، فهل كانت هذه هي (المهمة)؟!
إن كانت هذه هي المهمة فنشهد أن الاحتلال الأمريكي قد حققها، ونشطب على كل دعاواه وادعاءاته عن بناء عراق نموذجي حر وديمقراطي، يكون مثالاً لدول المنطقة والعالم، ونشطب كذلك دعوته بالحرص على حرية العراقيين وثروتهم عبر (مساعدتهم وتحرير وطنهم) بتقديم الضحايا والأموال وأرواح جنود الولايات المتحدة وبريطانيا في هذا السبيل. (المهمة) التي تثقل رؤوس المخططين للغزو والاحتلال في واشنطن لم تنجز، إلا إن اقتصرت على منظر الخراب العراقي والموت المجاني في شوارع العراق، الذي يفتت الأكباد ويفطر القلوب ويثير الغضب على كل جبابرة القوة الغاشمة ممن لا يأبهون بأرواح البشر ولا بكراماتهم ولا بأمنهم ولا بأوطانهم.