متى ولماذا قرر بوش غزو العراق!!

هل انتقم بوش من عرفات لأنه رفض مقابلته عندما كان حاكماً لولاية تكساس!!

"كبير المتمردين: داخل رئاسة بوش الجريئة والمثيرة للجدل"

كتاب يعكس وجهة نظر تل أبيب بشأن الصراع العربي – "الإسرائيلي" وغزو العراق

محمود كعوش

أقل ما يمكن أن يُقال عن كتاب فريد بارنز الجديد الذي صدر حديثاً في نيويورك عن "دار كراون للنشر" أنه يمثل مرآة "صادقة" لمؤلفه الذي وُصف بعدائه السافر للعرب بصورة عامة والفلسطينيين بصورة خاصة. فبارنز كما هو معروف كان قد عمل مديراً تنفيذياً لمجلة المحافظين الجدد "ويكلي ستاندارد" التي يمولها إمبراطور الإعلام اليهودي الأميركي المعروف روبرت موردوخ ومحللاً سياسياً لشبكة "فوكس نيوز" التلفزيونية ذات التوجهات الصهيونية، الأمر الذي ينزع عن آرائه والمعلومات الخاطئة والمفتعلة التي ينقلها في هذا الكتاب صفة الغرابة والدهشة. فقد عُرف عن بارنز أنه يتبنى في كل ما يطرحه عن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش أو غيره من السياسيين الأميركيين والعالميين وجهة النظر "الإسرائيلية"، وبوجه الخصوص عندما يتعلق الأمر بمسألة الصراع العربي – "الإسرائيلي" وغزو العراق واحتلاله.

ينقل المؤلف في كتابه الذي يحمل عنوان "كبير المتمردين : داخل رئاسة بوش الجريئة والمثيرة للجدل" صورة انتقائية من داخل رئاسة جورج دبليو بوش وما يُطلق عليه "الأسلوب الفريد في الحكم والإصلاحات الجريئة وإعادة تشكيل الولايات المتحدة بل تشكيل العالم أيضاً" مبيناً أن الرئيس "ماضٍ في إعادة ترتيب أوضاع واشنطن وحركة المحافظين الجدد"!!

ومن المعروف أنه قد أتيح لفريد بارنز ما لم يُتح لغيره من الكتاب والصحافيين الأميركيين من الفرص التي قربته من الرئيس وحاشيته، الأمر الذي مكنه من إجراء مقابلات خاصة مع  الرئيس نفسه ونائبه ديك تشيني ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد وعدد كبير من كبار المستشارين المقربين من البيت الأبيض. وكانت نتيجة ذلك هذا الكتاب الذي يكشف الكثير عن إدارة بوش المثيرة للجدل، أكان ذلك داخل الولايات المتحدة أو خارجها. وحسبما ادعى مدير دار النشر فإن الكتاب "يبيّن كيف أن الرئيس بوش ماضٍ في التصرف كقوة متمردة في العاصمة الأمريكية واشنطن، وكرئيس من نوعية مختلفة، وكيف أنه عمل على إعادة صياغة تعريف مبادئ المحافظين الجدد بما يتناسب مع متطلبات العصر الجديد، وكيف صنع أغلبية جمهورية جديدة"، ويرسم الكتاب الخطوط العريضة للتغييرات الجوهرية التي أدخلها بوش على السياسة الخارجية الأمريكية، وكيف أن حملة بوش من أجل نشر الديمقراطية كانت شيئاً محرماً حتى على بوش ذاته قبل خمس سنوات، كما نقرأ في الكتاب متى ولماذا قرر بوش غزو العراق، رغم علمه بأنه يعرض مستقبله السياسي للخطر.

وفي ما يمكن اعتباره مبالغة متعمدة، يُسلط الكتاب الذي يقع في221 صفحة كاشفات ضوئية خاصة على "أثر إيمان بوش الديني على قراراته الرئاسية الحاسمة، ونجاحه في مُناورة خصومه السياسيين إلى درجة أنه أثار دهشة رجال الإعلام الذين استخفوا بثقافته واعتبروه من الوزن الخفيف في هذا المجال، وبتحديه الحكمة التقليدية من خلال ازدرائه رأي النخبة وأنصاف الإصلاحات"، كما يلقي الضوء على الأسباب التي عادة ما تجعله ينجح في معاركه السياسة.

يتحدث المؤلف مثلاً، عن دور بوش في "إعادة تشكيل دور أمريكا في الشرق الأوسط". وبعد أن يحدثنا عن قمة كامب ديفيد التي ضمت الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون ورئيس الوزراء "الإسرائيلي" إيهود باراك والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ويستغرق في الحديث التضليلي حول "خيبة الأمل التي خلقها عرفات حين رفض التنازلات التي قدمها له باراك على نحو خارق للعادة، وفشل المؤتمر بسبب تعنت عرفات الذي لم يكن يفعل سوى أن يأمر بجولة جديدة من العنف الفتّاك ضد "الإسرائيليين" أو ينساق مع تجديد الهجمات عليهم... بعد ذلك يروي لنا تطور موقف جورج دبليو بوش من "قضية الشرق الأوسط" الذي لخصه حسب زعمه ما جاء في خطاب ألقاه في حملته الانتخابية عام 2000  وأوضح فيه الخطوط العريضة لسياسته الخارجية حيث قال في حينه أن "على من يكون رئيساً لأمريكا أن يدافع عن مصالحها في الخليج العربي، ويدعم السلام في الشرق الأوسط القائم على أمن "إسرائيل". ويزعم أنه "بما أن السلام كان في تلك المرحلة بعيد المنال، فقد وضع بوش القضية على الرف،  حيث كانت قضية الصين وروسيا والأجندة الأمريكية الداخلية أهم في نظره من "الإسرائيليين" والفلسطينيين" مذكراً أن بوش التقى آنذاك مع آرئيل شارون، الذي يزعم أيضاً أن انتخابه رئيساً لوزراء "إسرائيل" جاء ردّ فعل لما أسماه زوراً وبهتاناً "التفجيرات الإرهابية الفلسطينية".

ويتابع المؤلف سرده العجيب الغريب فيقول: أن أحداث 11أيلول 2001 المفاجئة كانت مرحلة حاسمة في تغيير خط سير سياسة بوش، حيث أبرزت عاملاً مشتركاً بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وهو في زعمه أن كلتا الدولتين معرضتان لخطر "الإرهاب الإسلامي!! وهكذا يربط المؤلف على نحو افترائي وتعسفي بين أحداث 11 أيلول والفلسطينيين، وهو ما لم يسبقه إليه كاتب أو صحافي آخر !!  وكان بوش قد أعلن بعد تلك الأحداث بوقت قصير "أن من يأوون الإرهابيين، جديرون باللوم مثلهم مثل الإرهابيين أنفسهم". وفي ربطه الإفترائي والتعسفي يتعمد المؤلف أن  يشمل الراحل الكبير ياسر عرفات الذي يزعم أنه "أطلق للمنظمات الإرهابية العنان في المناطق الفلسطينية" !! ويضيف المؤلف بالمنطق ذاته: "مع استمرار الهجمات الإرهابية في "إسرائيل" لم يحرك عرفات ساكناً لوقفها". ويتابع وصف التحولات التي طرأت على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بقيادة بوش، فيقول: كان الزعماء العرب، مثل (ولي العهد وقتذاك) الملك عبد الله، يحثون إدارة بوش على إحياء عملية السلام. وأخيراً وفي سلسلة من الاجتماعات التي عقدت في حجرة تحديد الوضع الواقعة في الدور السفلي من البيت الأبيض خلال ربيع عام 2002 تمت صياغة سياسة جديدة نحو الشرق الأوسط، بناء على حث من الرئيس بوش. ويرى المؤلف: "إن هذه السياسة ترقى إلى درجة الثورة في دبلوماسية الشرق الأوسط"!!

ويذكُر أن بوش أعلن هذا التحول في السياسة الأمريكية في "حديقة الورد" في 24 حزيران 2002 بينما كان مستشاروه للأمن القومي يقفون إلى جانبه. ويكشف عن أن التحول قضى باستبعاد الرئيس عرفات على الرغم من أنه لم يذكره في خطابه بالاسم. ويعيد إلى الذاكرة أنه منذ ذلك اليوم لم يجتمع بوش أو أي مسؤول أمريكي آخر بعرفات "لأنه كان جزءاً من المشكلة لا الحل". وكان الرئيس الأميركي الذي لطالما تهرب من مسؤولياته الخاصة بالعدل والسلام في "منطقة الشرق الأوسط" إرضاءً "لإسرائيل"، قد ادعى في حينه أن السلام "يتطلب زعيماً فلسطينياً جديداً ومختلفاً لكي تولد دولة فلسطينية !! وقد صدّق الرئيس حلا يقوم على وجود دولتين، وتقسيم فلسطين بين "إسرائيل" ودولة فلسطينية مستقلة ديمقراطية بحيث تعيش الدولتان جنباً إلى جنب بسلام. وقال: إن الاعتراف الدبلوماسي التام بهذه الدولة سوف يأتي "عندما يكون للفلسطينيين زعماء جدد ومؤسسات جديدة وترتيبات أمنية جديدة مع جيرانهم" زاعماً أن "السلطة الفلسطينية تشجع الإرهاب، بدلاً من أن تعارضه"!!

بوش وضع " مبدأ الأرض مقابل السلام" في صندوق القمامة!!

وبعد أن يستفيض في الدفاع اللامحدود عن ممارسات "إسرائيل" الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني وطرح المبررات العشوائية واللامنطقية لها حاذياً حذو سيده القابع في البيت الأبيض، يتابع فريد بارنز سرد مآثر هذا السيد في هذا السبيل فيزعم انه "كان هنالك تغيير آخر في السياسة الأمريكية لم يذكر علناً، ولكنه كان متضمناً في بيان بوش الشهير. فعلى مدى عقود من الزمن، لم يكن يُطلب من الفلسطينيين اتخاذ أي إجراء ملموس. وظل عرفات يتعهد المرة تلو المرة، بقمع الإرهابيين ولكن ذلك كان وعداً لم يجبر على تنفيذه"!!  ويتمادى المؤلف في كذبه قائلاً انه "بينما كانت "إسرائيل" توافق في مفاوضات السلام على اتخاذ خطوات تنطوي على مجازفة خطيرة، لم يتخذ الفلسطينيون شيئاً من هذا القبيل".

وبعد أن يُذكر المؤلف بأن الرئيس الأمريكي ألزم الفلسطينيين بفعل المزيد  مثل إقامة مؤسسات ديمقراطية وسحق الإرهاب  عندما وافق على خريطة الطريق لسلام الشرق الأوسط، التي ابتكرتها اللجنة الرباعية المكونة من بريطانيا وروسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، يرى أن مبدأ الأرض مقابل السلام الذي على حد تعبيره "أكل الدهر عليه وشرب والذي كانت تطالَب "إسرائيل" بموجبه بالتخلي عن أراضٍ في غزة والضفة الغربية مقابل سلوك سلمي من جانب الفلسطينيين قد أودع في صندوق القمامة... واستعاض بوش عنه بمبدأ السلام مقابل السلام"!!

وفي ما يختص بالتغيرات التي أدخلها بوش على "السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط" يقول: إن معالجة الرئيس غير المتوقعة "لمشكلة الشرق الأوسط"، كان لها مقدمات. ففي أواخر شهر تشرين الثاني وأوائل شهر كانون الأول 1998 قام بوش وثلاثة من الحكام الجمهوريين وزوجاتهم برحلة إلى "إسرائيل". وكان بوش الذي أعيد انتخابه بأغلبية ساحقة حاكماً لولاية تكساس، قد عقد العزم تقريباً على ترشيح نفسه للرئاسة سنة 2000 وكان نجم تلك الرحلة التي استغرقت أسبوعاً وأتاحت لهؤلاء الحكام الالتقاء مع جميع شخصيات الطيف السياسي "الإسرائيلي". ودخنوا السيجار في منزل بنيامين نتنياهو الذي كان رئيس الوزراء يومئذٍ وزعيم حزب الليكود المحافظ (كما يراه المؤلف). وجلسوا مع باراك وشمعون بيريز زعيمي حزب العمل القويين. وساروا في طريق الجلجلة، وقرأوا الكتاب المقدس في كنيسة القيامة. وفي الكنيسة كانت الدموع تترقرق من عينيّ كل منهم، كما قال مات بروكس المدير التنفيذي للتحالف اليهودي الجمهوري ومنظم الرحلة.

هل كان موقف بوش من الرئيس عرفات ثأراً وانتقاماً!!

ويدعي المؤلف: أن مات بروكس هذا كان يحاول منذ أشهر ترتيب لقاء بين هذا الوفد بما فيه حاكم ولاية تكساس جورج دبليو بوش والرئيس ياسر عرفات إلا أن الأخير رفض فكرة اللقاء. ويستغرق المؤلف في ادعائه قائلاً أن "إعلان السلطة الفلسطينية في حينه أن بوش رفض دعوة للقاء عرفات أدهش بوش وأثار حفيظته، إلا أنه آثر ألا يخوض شجاراً مع الفلسطينيين وترك الحكاية تمر دون ضجيج. ويقول على لسان بروكس: لقد كانت تلك فاتحة لتعرف بوش على الفلسطينيين وعرفات وفهمهم !! ولم ينس بارنز أن يتحدث بإسهاب عن مرافقة آرئيل شارون لبوش وحكام الولايات الأميركية الثلاثة في رحلة جوية فوق "إسرائيل" وأراضي السلطة الفلسطينية بطائرة مروحية.

يُعيد المؤلف إلى الذاكرة أن بوش عندما بدأ حملته الانتخابية الرئاسية عام 1999 لم يظهر الكثير من المؤشرات على الكيفية التي سيتعامل بها مع "إسرائيل". وقد انسجم تماماً مع شارون في رحلته إلى "إسرائيل" كما جند المفكر الدفاعي بول وولفويتز الشديد الولاء لتل أبيب ليكون كبير مستشاريه للشؤون الخارجية في حملته الانتخابية. ولكن انتماء بوش العائلي أثار التساؤلات، إذ كانت تجربة والده مع "إسرائيل" مثيرة للخلاف وغير سارة وبخاصة في تعامله مع اسحاق شامير.

كما يُعيد للذاكرة أنه عندما دخل جورج دبليو بوش البيت الأبيض عيّن القليل من حلفاء "إسرائيل" في فريق أمنه القومي  ووزارة خارجيته. ومع ذلك، عندما كان يحضر اجتماعات مجلس الأمن القومي عام 2002 لصياغة سياسة خاصة بالشرق الأوسط كانت كل مفاهيمه تقريباً مؤيدة "لإسرائيل". وتبين أن ديك تشيني لا يقل تشدداً مع عرفات والفلسطينيين عن بوش ورامسفيلد.. إلا أن وزارة الخارجية الأمريكية لم تكن مستعدة للتخلي عن (الرئيس) عرفات. وعندما ذهب نائب الرئيس ديك تشيني إلى "الشرق الأوسط" في ذلك العام، لم يخطط لرؤية عرفات. وكان المقصود من الزيارة إعطاء نائب الرئيس فرصة للتحدث مع زعماء الشرق الأوسط من أجل التمهيد لشن الحرب على العراق والإطاحة برئيسه، وكانت هجمات 11 أيلول قد غيرت الكيفية التي ينظر بها بوش وفريق سياسته الخارجية إلى العراق، ولم تكن رسالة تشيني أن بوش قد اتخذ قراراً بشأن الحرب مع العراق، بل أن الحرب قد أصبحت احتمالاً وارداً إذا لم يتغير الرئيس صدام حسين. وفي هذه الأثناء كانت وزارة الخارجية تريد من تشيني أن يعرج على مقر عرفات، إلا أن تشيني كان يرغب في رؤية عرفات بشرط وحيد: "أن يقوم هذا الفلسطيني بتوقيع اتفاقية أمنية مؤقتة".

يدعي المؤلف، أن الشكوك التي أحاطت بمقدرة بوش على معالجة شؤون السياسية الخارجية بعد 11 أيلول وحرب أفغانستان، تبددت بعد أن "دفع إدارته ببراعة نحو سياسة جديدة إزاء "إسرائيل" والفلسطينيين". وينقل المؤلف عن كوندوليزا رايس، إطراءً لبوش، يذكرنا بما درج عليه المسؤولون الصغار في دول العالم الثالث من مدح رؤسائهم، حيث تقول: إن أحد الأمور التي لا تبدو للناس هو مدى الحسم الذي يتمتع به الرئيس على الصعيد الاستراتيجي.. فهو يستطيع أن يرى ببصيرته اتجاهاً مختلفاً، وبعد ذلك، عندما يقرر أن علينا أن نسلك اتجاهاً مختلفاً، وينفذ إلى جوهر ذلك الاتجاه، يساعد وضوحه هيئة مساعديه على تنفيذ السياسة الجديدة. ويضيف المؤلف "باختصار بوش يقرر ومساعدوه يطيعون وينجزون التفاصيل".

مهمة بوش الرئيسية كانت الحصول على ثقة شارون

ويستغرق المؤلف في التفاصيل قائلاً أن الرئيس بوش توصل إلى نتيجتين عن "إسرائيل" خلال مناقشات السياسة، الأولى "أن "الإسرائيليين" يرغبون فعلاً في السلام ولكنهم لن يقبلوا بتسوية نهائية مع حكومة إرهابية يقوم على رأسها ياسر عرفات الذي لا يمكن الوثوق به، وأن "إسرائيل" مستعدة لأن تنتظر بقدر ما هو ضروري ظهور زعيم مقبول غير مرتبط بالإرهاب"، مضيفاً أنه "ما من شك في أن تفكير الرئيس قد تشكل بفعل زيارته إلى "إسرائيل" عام 1998، والنتيجة الثانية هي أن "الأستذة على شارون كلما فعل شيئاً يزعج الدبلوماسيين الأمريكيين تأتي بنتيجة عكسية". ويؤكد أن مهمة بوش الرئيسية كانت الحصول على ثقة شارون. فإذا حقق ذلك، وإذا اقتنع شارون بأن بوش سوف يقف معه من دون تراجع، فسوف يشعر شارون براحة أكبر في بذل تنازلات كجزء من صفقة سلام. ولهذا السبب، يقول المؤلف: "أوقف بوش ممارسة وزارة الخارجية الأمريكية التي دأبت عليها بإدانة "إسرائيل" علناً كلما قتلت “زعيماً إرهابياً فلسطينياً"!!

ويتابع المؤلف استنتاجاته فيقول "كان طبيعياً أن يطرح الرئيس الذي يمقت الإنجازات الصغيرة السؤال الأساسي الذي يتعلق بالأسباب الجذرية للفوضى التي تسود الشرق الأوسط. وبالطبع، لا يحلم القارئ بأن تكون تلك الأسباب هي الاحتلال "الإسرائيلي" أو الممارسات "الإسرائيلية" العنصرية في الضفة الغربية وقطاع غزة وما ينجم عنها من مقاومة مشروعة يمارسها الفلسطينيون انسجاماً مع حقهم الذي يضمنه القانون الدولي، وهكذا فإن السؤال الذي يطرحه بوش هو لماذا لا نتعامل مع المصدر الحقيقي للمشكلة بدلاً من الاعتناء بالقضايا الهامشية؟". ويجيء توضيح ذلك على لسان كوندوليزا رايس التي تقول: "كانت الطريقة التي يتم بها التفكير بالقضية الإسرائيلية - الفلسطينية على مدى أعوام وأعوام وأعوام تدور حول الحدود... كانت كلها عمّا ستكون عليه حدود الدولة الفلسطينية". ويتابع المؤلف الفكرة فيقول: كان الأمر وكأن رسم الحدود الصحيحة سوف ينتج السلام، ولكن بوش غيّر الموضوع وركّز على القيادة الفلسطينية وما إذا كانت تريد التعايش السلمي مع "إسرائيل". وينقل المؤلف عن كوندوليزا رايس قولها "كان منطق الرئيس يقول انه ما لم يكن لدينا قيادة فلسطينية مستعدة فعلاً لوضع العنف جانباً ومستعدة لقيادة الشعب إلى وجهة غير التي تقوده إليها، فلن يكون تحقيق السلام ممكناً". فما الحل؟ ويجيب المؤلف: يتصور بوش نفسه حلاّل المشكلات... وكان الحل في الشرق الأوسط واضحاً لديه: "يجب رحيل عرفات... فقد كان عرفات وافق على وقف الهجمات الإرهابية، كما قال الرئيس، ولكنه لم يفعل ذلك... لقد أضاع الفرص، وخان بذلك آمال الشعب الذي يُفترض أنه يقوده... ثم كان بوش واضحاً بعد ذلك كل الوضوح، حيث قال أن السلام يتطلب قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة لإمكانية ولادة دولة فلسطينية"!!

ويرى المؤلف أن بوش لم يتوقف عند ذلك.. ولم يكن كافياً بالنسبة له و"لإسرائيل" جعل عرفات شخصاً غير مرغوب فيه، ناقلاً أن المشكلة الكبرى كانت في نظر بوش "أن عرفات كان زعيم حكومة إرهابية فاسدة، وكان يجب اجتثاث المؤسسة كذلك". ويتابع المؤلف سرده قائلاً: "عندما مات عرفات في تشرين الثاني 2004 كان من الممكن أن يصوغ خلَفه محمود عباس نفسه على غراره. وكان من الممكن أن يتقبل العالم ذلك. ولكن، لأن بوش أوضح أن أنموذج عرفات لن يقود أبداً إلى دولة فلسطينية، كان الافتراض الضمني أن خَليفة عرفات سوف يُختار من خلال عملية انتخاب ديمقراطي تجرى بعدالة ونزاهة. وكان كذلك.. وكان الانعطاف هائلاً، وفاز عباس في الانتخابات فوزاً ساحقاً.. ودان الإرهاب بوصفه رئيساً فلسطينياً، وبدأ ما لم يبدأه عرفات أبداً، وهو اعتقال الإرهابيين، وهو ينشد صفقة سلام مع "إسرائيل".

ويمضي المؤلف قائلاً، أن بوش حقق اختراقاً في "الشرق الأوسط" لم يستطع أسلافه من الرؤساء الأميركيين تحقيقه. وكان بعد نظره وعمق بصيرته الأساس لعكس اتجاه السياسة الذي غيّر احتمالات السلام، ولكنه لم يتلق أي مديح على ذلك خارج "إسرائيل"، بل تلقى بدلاً منه الانتقاد المستمر.

وبعد سنتين اتخذ خطوة أخرى، عندما رفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، والذي يتحدث عنه المؤلف بطريقة ملتوية غريبة، واصفاً إياه بأنه "مطالبة الفلسطينيين بأن يعود إلى "إسرائيل" أحفاد الذين كانوا يملكون أرضاً هناك قبل استقلال "إسرائيل" عام 1948"، وبطبيعة الحال، لم يجد المؤلف الذي ينتمي إلى المحافظين الجدد وصفاً أدق من هذا للحديث عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الذي نصت عليه قرارات الأمم المتحدة.

الرئيس بوش مسيحي متشدد

يخصص المؤلف أحد فصول الكتاب للحديث عن عقيدة الرئيس الدينية ومدى إيمانه فيقول:

- إن أحد العوامل الأساسية في رئاسة بوش هي إيمانه المسيحي العميق والراسخ، وهو أول منتجات الحركة الإنجيلية الجديدة التي ظهرت براعمها في ثمانينات القرن الماضي لتصل البيت الأبيض أخيراً. وهذا يجعل بوش دخيلاً على العالم السياسي العلماني في مجمله. وإيمانه شخصي وشديد. وهو يصلي يومياً، وكثيراً ما يفعل ذلك داخل المكتب البيضاوي. وهو يختم الإنجيل مرة كل سنتين!!

 - لقد أحاط بوش نفسه في البيت الأبيض بزملاء مسيحيين. ومستشاروه الأربعة الأشد نفوذاً  وهم روف، وجيرسون، وتشيني، ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس  يشاركونه إيمانه. وكان بوش شديد العناية في اختيار أعضاء دائرته الداخلية. فقد كان يعرف جيرسون، كاتب خطاباته، قبل أن يلتقيه، ويعرف خلفيته الدينية كمسيحي إنجيلي وخريج لجامعة ويتون كوليدج، التي تعتبر بمثابة جامعة هارفارد بين الجامعات المسيحية.

- إن صفة التمرد التي ألقاها المؤلف على الرئيس تعني بالنسبة له "تمرداً على أساليب المؤسسة الأمريكية في الإدارة وفي اتخاذ القرار، وتمرداً على البروتوكول المتعارف عليه في البيت الأبيض". ويقول المؤلف في هذا الصدد "أن الرئيس بوش يعمل في واشنطن مثل قائد جيش احتلال صغير مكون من المتمردين، عصبة منتخبة من الإخوان والقليل جدا من الأخوات في مهمة ما، وهو دخيل على عالم الطبقة الحاكمة ببطاقة خضراء منحه إياها الناخبون، وهو صنف من الرؤساء مختلف في الأسلوب والجوهر...". ويسوق المؤلف ذلك على سبيل الإطراء... ولكن التمرد الذي كانت تجدر الإشارة إليه والذي يبدو انه لا يدخل ضمن إطار خطة المؤلف، هو تمرد بوش على القوانين والأعراف الدولية، بإنكار حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، الذي نصت عليه قرارات الأمم المتحدة، وإضفاء الشرعية على الاحتلال "الإسرائيلي" والمستوطنات "الإسرائيلية"، وإدانة مقاومة الاحتلال واعتبارها إرهاباً... وغزو الدول بحجج ثبت بطلانها حتى له ولإدارته كما هو حاصل في العراق، وازدراء الأمم المتحدة وقراراتها... ورفض التعاون في مجال البيئة، وغير ذلك مما تعارف عليه المجتمع الدولي.

أمّا الكتاب "العتيد" هذا فيفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية والمنطق السياسي الرزين والحيادي واللغة المشتركة بين من عرفوا أصول أبجديات الصراع العربي – "الإسرائيلي" حسبما وردت في أدبيات منظمة الأمم المتحدة في الحدود الدنيا.... إنه بمجمله قائم على التضليل والتدليس والكذب وقلب الحقائق.