حرب التجويع الأميركية - الأوروبية ضد الفلسطينيين!!

محمود كعوش

لا شك أن ما حدث في السابع من الشهر الجاري كان أشبه ما يكون بإعلان حرب حقيقي لتجويع الشعب الفلسطيني وابتزاز تنازلات من سلطته الجديدة لمصلحة "إسرائيل" وحكامها. ففي ذلك اليوم أقرت الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي تضييق الحصار الاقتصادي على الشعب الفلسطيني، في وقت كان الطيران "الإسرائيلي" يشن الغارة تلو الأخرى على أهداف مدنية فلسطينية في قطاع غزة بما فيها مكاتب لحركة "فتح"، وكان جنود الاحتلال يطلقون رصاصهم الحي على المواطنين الأبرياء في مدينة نابلس ومدن أخرى في الضفة الغربية المحتلة، وكما كان متوقعاً فقد سارعت السلطة الفلسطينية إلى الإعلان عن رفضها للابتزاز الأميركي - الأوروبي، مؤكدة أن هذه الإجراءات لن تحملها على الرضوخ.

في ذلك اليوم المشؤوم أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية حزمة قرارات بشأن المساعدات المباشرة المقدمة إلى الفلسطينيين عقب ساعات قليلة من تعليق الاتحاد الأوروبي مساعداته للسلطة الفلسطينية، وبالتزامن مع تمرير الكونغرس الأمريكي قانوناً جديداً غاية في التشدد والتطرف ضد الفلسطينيين علق عليه دبلوماسي غربي بسخرية وتهكم قائلاً أنه "لو وضع صياغته قادة تل أبيب بأنفسهم لما حمل ما حمله من تشدد وتطرف".

مسؤول في الخارجية الأمريكية فسر ذلك بالقول أن إدارة المحافظين الجدد في واشنطن ستلغي أو تعلق أكثر من 240 مليون دولار تخصصها لمشروعات لمساعدة الفلسطينيين "خشية أن تساعد هذه الأموال في تقوية موقف الحكومة الجديدة التي تقودها حماس"!!

وبالتوافق مع ذلك، مررت لجنة العلاقات الدولية بمجلس النواب الأمريكي قانوناً جديداً مشدداً ضد الفلسطينيين حمل اسم قانون "معاداة الإرهاب الفلسطيني 2006"، أعادت بنوده المتشددة العلاقات الفلسطينية - الأمريكية إلى المربع الأول الذي كانت تدور في فلكه قبل بدء الحوار الفلسطيني - الأميركي في أواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي.

تضمنت بنود القانون منع تقديم المساعدات الأمريكية للحكومة الفلسطينية، مع السماح بذهابها إلى الشعب الفلسطيني عبر قناة رئيس السلطة محمود عباس دون غيرها. وحدد القانون الجهات الفلسطينية التي ستحصل على المساعدات الأمريكية، كما رفع من سقف مطالبة إدارة الرئيس جورج بوش بالقول "أن إزالة حماس من السلطة لن يكون كافيا بعد الآن" لإعادة العلاقات الأمريكية - الفلسطينية إلى سابق عهدها، لأنه يجب على السلطة الفلسطينية كائنة من كانت أن تؤكد عملياً رغبتها في "محو وإزالة الإرهاب والتحريض ضد "إسرائيل"". القانون الجديد الذي وقفت وراءه النائبة ليانا روس ليهتنهاين والنائب توم لانتوس ورئيس لجنة العلاقات الدولية هنري هايد أقر ما يلي:

(تحديد القيود الأمريكية على المساعدات للسلطة الفلسطينية وماهية سياسة الولايات المتحدة في إطار خريطة الطريق وإقامة العلاقات الدولية بحيث تقوم السياسة الأمريكية على معاداة المنظمات والأفراد والدول التي تؤيد الإرهاب والعنف، وحث المجتمع الدولي لتفادي الاتصال مع السلطة الفلسطينية والامتناع عن تأييد (حماس) ودعم السلطة الفلسطينية بقيادة (حماس) مالياً حتى توافق الحركة على الاعتراف "بإسرائيل" ونبذ العنف ونزع سلاحها والقبول بالاتفاقيات السابقة بما فيها خريطة الطريق. أن تشجع الولايات المتحدة ظهور حكم فلسطيني ديمقراطي، ويشترط في السلطة الفلسطينية أن تنبذ وتحارب الإرهاب وتوافق وتتخذ خطوات لنزع سلاح وتفكيك أي هيئة أو شبكة أو وسيلة إرهابية، وأن تعمل على إزالة التحريض ضد "إسرائيل" ومعاداة السامية أو الاحتفاء بالإرهابيين في المجتمع الدولي. أن توافق السلطة الفلسطينية على احترام سيادة جيرانها وتطبق حكم القانون والديمقراطية بما فيها إجراء انتخابات حرة وعادلة وشفافة ضمن المعايير الدولية الشفافية والقضاء على الفساد، وان تكون السلطة الفلسطينية قد وافقت على الاعتراف "بإسرائيل" كدولة مستقلة ذات سيادة يهودية وديمقراطية. وأن تحرز السلطة الفلسطينية تقدماً ملموساً على صعيد تطهير الأجهزة الأمنية من الأفراد الذين لهم علاقة بالإرهاب، وأن تنهي تفكيك البنية التحتية للإرهاب، وتصادر الأسلحة غير المرخصة، وتعتقل الإرهابيين وتقدمهم للعدالة، وتدمر مصانع الأسلحة وتمنع الهجمات الإرهابية وتنفذ ضربات استباقية ضد هذه الهجمات وتتعاون بالكامل مع أجهزة الأمن "الإسرائيلية" وتوقف كل التحريضات ضد "إسرائيل" في الأجهزة التي تتحكم فيها سواء كانت إلكترونية أو مطبوعة وفي المدارس والمساجد والمؤسسات الأخرى وتستبدل هذه المواد بما فيها الكتب الدراسية بمواد تحث على التسامح والسلام والتعايش مع "إسرائيل"، وتلتزم بالديمقراطية وحكم القانون والشفافية).

وطالب القانون الأمم المتحدة بالالتزام بمراجعة الأهداف والبرامج المتعلقة بالفلسطينيين، مشدداً على ضرورة تصفية هذه البرامج أو إرسال طرح مقترحات تتضمن خلق توازن في هذه البرامج تجاه "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية على حد سواء!!

والأخطر من كل ذلك أن القانون اعتبر أن الأراضي الفلسطينية التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية "ملجأ للإرهابيين وان غزة والضفة الغربية ملاذ للإرهابيين".

كما تضمن القانون بنداً يُمنع بموجبه منح مسؤولي السلطة الفلسطينية تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة إذا لم يحدث الخضوع الفلسطيني لكل الشروط، مع منح الرئيس الأمريكي استثناء في حالة أقر بأن من مصلحة الولايات المتحدة منح تأشيرات دخول لأشخاص استجابة لمتطلبات الأمن القومي الأمريكي!! ووضع القانون الجديد المزيد من قيود السفر على مسؤولي وممثلي السلطة الفلسطينية سواء لدى الأمم المتحدة أو لدى الولايات المتحدة بحيث يتم فرض دائرة تحرك مسموح بها لا يزيد قطرها عن 25 ميلاً من مقر الأمم المتحدة لدبلوماسيي السلطة الفلسطينية، كما يتم إغلاق جميع مكاتب السلطة الفلسطينية ويمنع الاتصال بكل ممثليها أو التعامل معهم.

رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية اعتبر أن ما يحدث من تضييق ومحاولات لإفشال حكومة حركة (حماس) هو بمثابة مخطط مرسوم تشارك فيه أطراف عدة تقودها الولايات المتحدة. وهذه الأطراف تريد ديمقراطية على مقاسها الخاص وإصلاحاً على مقاسها الخاص وإدارة على مقاسها الخاص إلا أنها عندما رأت أن الأمور تتجه على شرعة غير شرعة الغاب التي تحكم في هذا العالم بدأت في وضع العراقيل لإفشال ومعاقبة الشعب الفلسطيني على خياره الحر. وهنية برغم كل شيء ما يزال على تفاؤله النابع من إيمانه، يرى أن الأزمات إلى زوال، وأنه كلما اشتد الخناق كان ذلك دلالة على قُرب الفرج، وأذكر من آخر تصريحاته قوله " كلما سمعت تصريحاً أو تلويحاً أو تهديداً أو قلة في مال، شعرت أن هناك فرجاً قادماً لأن - مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا.. وفي السماء رزقكم وما توعدون.. إن الذي يملك خزائن السماوات هو الله"، وهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس يحرصان على تنظيم العلاقة بين مؤسستي الرئاسة والحكومة على أسس سليمة وواضحة لما فيه خير ومصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته.

في ظل استمرار الحرب الاقتصادية الأميركية - الأوروبية ضد الشعب الفلسطيني وسلطته التي بدأت بعيد فوز حركة (حماس) في انتخابات 25 كانون الثاني الماضي وتقاطعها مع الحرب العسكرية التي تستمر "إسرائيل" في   شنها ضدهما، يصبح المطلوب في هذه المرحلة من أجل الانتصار في هاتين الحربين الجائرتين المفروضتين فرضاً تعظيم الصمود الفلسطيني وتمكينه من خلال تعزيز الوحدة الوطنية وتحصينها بالبعد القومي العربي، وهذا يستدعي هذه المرة ضرورة أن تعيد حركة (حماس) النظر بحكومتها والسعي الخالص من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية.. حكومة وحدة وطنية بكل ما في الكلمة من معنى.