عودة إلى قمة"الهروب" في الخرطوم !!
محمود كعوش
عندما انفض "سامر" القادة العرب في الخرطوم مع انتهاء أعمال القمة العربية الثامنة عشرة، كان بديهياً أن تتدافع الأسئلة الهامة والجادة إلى أذهان المواطنين العرب، يتقدمها السؤال التقليدي: هل اختلفت قمة الخرطوم من حيث "الإنجازات العظيمة والعملاقة" التي حققتها عن القمم العربية السابقة التي ولدت من خاصرة اتفاقات "كامب ديفيد" المهينة والمذلة التي وقعتها مصر مع الكيان الصهيوني في أواخر عقد سبعينات القرن الماضي، أم أنها مثلها مثل تلك القمم ظلت دون مستوى طموحات وآمال الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج؟!
ما من شك أن قمة الخرطوم لم ترقَ إلى مستوى طموحات الأمة والآمال العريضة التي عُلقت عليها على الرغم من أنها خرجت بقرارات وتوصيات جيدة نسبياً، خاصة لجهة دعم السودان في قضية إقليم دارفور، ودعم سورية ضد قانون "المحاسبة" الذي تقف وراءه إدارة المحافظين الجدد في واشنطن، وكذلك دعم المقاومة وحق لبنان في استرداد أراضيه المحتلة. لكن هذه القرارات والتوصيات التي جاءت على "عجل واستحياء" لرفع العتب، لا يمكن لها أن تسد العجز العربي أو لنقل الغياب العربي الفاضح والمخجل في فلسطين حيث الاحتلال الصهيوني يعيث فساداً، وفي العراق حيث الاحتلال الأميركي والنفوذ السياسي والمالي الإيراني باتا في الأيام الأخيرة قاب قوسين أو أدنى من التوصل إلى صفقة مشبوهة قد يضطر لدفع ثمنها من عروبته وعروبة أبنائه.
لكن انعقاد القمة في موعدها وفي المكان المقرر لها دللا على أن الضغوط التي مارستها إدارة المحافظين الجدد لم تأتِ أكلها، على عكس ما حصل معها بيسر وسهولة في القمة الإفريقية الأخيرة عندما تمكنت من إقصاء السودان عن رئاستها كخطوة تمهيدية لفرض تدخل دولي بقيادة أميركية في إقليم دارفور. وبالرغم من أن هذه الإدارة الشريرة تمكنت من جعل الرئيس السوداني عمر حسن البشير يرأس قمة عربية "هزيلة" نسبياً بسبب غياب ثمانية من كبار القادة العرب الاثنين وعشرين وثني الحضور عن اتخاذ قرارات حاسمة بشأن بعض الملفات الساخنة والهامة، إلا أن القرارات التي اتخذتها القمة بما فيها تلك المختصة بإقليم دارفور قد تفرض على هذه الإدارة التراجع عن الخطوة التمهيدية التي خطتها مع انعقاد القمة الإفريقية بخصوص الإقليم!!
لا خلاف ولا جدل حول حقيقة أن قمة الخرطوم 2006 لم ترق إلى درجة محاكاة مثيلتها لعام 1967 وبالأخص لجهة رفع سقف التوقعات الشعبية والخروج بالجماهير العربية من حالة التفكك والإذعان والإحباط إلى حالة التوحيد والعزة والأمل. إلا أن الحقيقة أيضاً أن هذه القمة لم تنحدر برغم ما أحاط بها من ظروف سيئة ومعقدة إلى مستوى الفشل الكامل والشامل، وذلك لأنها تمكنت إلى حد ما من الحفاظ على الحد الأدنى من الثوابت العربية المعروفة.
وإذا جاز لنا أن نسمي بعض ما أقرته القمة من قرارات وتوصيات "إنجازات"، فيمكن لنا أن نُدرج تحت هذا العنوان الفضفاض تخصيص القمة مبلغ 150 مليون دولار لإقليم دارفور، وإقرارها إرسال قوات عربية افريقية إليه لزيادة قوات الاتحاد الإفريقي الحالية التي تشكو من عدم القدرة على حفظ الأمن فيه. لكن تحديد القمة لهذا الدعم المالي بمدة ستة أشهر فقط يجعل منه "إنجازاً" منقوصاً، لأن ذلك يبقي الباب مفتوحاً أمام احتمال تراجع بعض الدول العربية عن مواقفها بعد انقضاء هذه المدة بما يثير المخاوف من احتمال تجدد المطالبة الأميركية بالتدخل الدولي في الإقليم في أي لحظة!! وتحت هذا العنوان أكدت القمة تضامن العرب مع سورية إزاء العقوبات الأميركية. وبالنسبة للبنان، أعربت القمة عن دعم العرب له في سعيه لاستعادة مزارع شبعا وتلال كفر شوبا وفقاً للقرار الأممي 425 العائد لعام 1979. ودعت القمة إيران إلى الانسحاب من الجزر العربية الثلاث المحتلة طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى وإعادتها إلى السيادة الإماراتية.
كل شيء بشأن إصلاح الجامعة العربية ومؤسسات العمل المشترك سار في هذه القمة على "ظهر سلحفاة"، باستثناء التجديد للأمين العام للجامعة عمرو موسى خمس سنوات أخرى. والأهم من ذلك أنه تم إرجاء البت بأهم بنود الإصلاح وهو البند المتعلق بإنشاء محكمة العدل العربية. أما بشأن الإصلاح العربي الداخلي، فقد أظهرت القمة أنه لم يعد يحظى بأي اهتمام يُذكر بعد أن تحولت نتائجه إلى نقمة على الولايات المتحدة ومصالحها في "منطقة الشرق الأوسط" إثر النجاح الذي حققه "الإخوان المسلمون" في الانتخابات العامة المصرية وحولهم إلى ثقل سياسي يُحسب حسابه داخل مجلس الشعب المصري، والنجاح الحمساوي الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة والذي بموجبه استلمت سلطة الحكم في فلسطين، فبعد أن كانت الديمقراطية العنوان الأهم في قمة الجزائر، لم تحظ في هذه القمة على أكثر من سطر يتيم واحد في بيانها الختامي.
العراق المحتل لم يحظ من القادة العرب إلا بالعبارات الفضفاضة والرنانة التي طغت عليها ضبابية ورمادية مفتعلتان. فجميع جمل التأكيد والدعم والتأييد والترحيب الخاصة بتشكيل الحكومة العراقية والدور العربي فيه لم تثر "نخوة" القادة أو تحفزهم على مطالبة الولايات المتحدة مباشرة بالانسحاب الفوري من هذا البلد الجريح الذي عانى الويلات وأصبحت الحرب الأهلية تقض مضاجع أبنائه. وحتى أن هؤلاء القادة تجاهلوا تماماً مطلبي رئيس العراق الشرعي القابع في الأسر صدام حسين ونائبه عزت إبراهيم الخاصين بدعم وتأييد العرب للمقاومة العراقية البطلة.
أما فيما يختص بالقضية الفلسطينية التي يفترض أنها ما تزال قضية العرب المركزية، فلعل ما أثار الدهشة هو حرص القادة العرب على إمساك العصا من النصف. فهم من جهة أكدوا دعمهم المادي والسياسي للحكومة الفلسطينية الجديدة باعتبار أنها ثمرة انتخابات ديمقراطية شهد العالم بنزاهتها وشفافيتها، ومن ناحية أخرى أكدوا التزامهم بمبادرة قمة بيروت 2002 للسلام كأساس لحل الصراع العربي - الصهيوني. والمؤسف أنه في الوقت الذي أبقى القادة على حجم دعمهم المادي للفلسطينيين عند سقف 55 مليون دولار شهرياً بالرغم من حرب التجويع التي تشنها ضدهم كل من تل أبيب وواشنطن، أصروا على التمسك بمبادرة سلام رفضتها حكومة الكيان الصهيوني والإدارة الأميركية منذ اللحظات الأولي لإطلاقها!!
القمة بإجماع المراقبين لم تفشل ولم تنجح لأن القادة العرب الذين شاركوا في أعمالها أو أنابوا عنهم من مثلهم فيها لاعتبارات أمنية وسياسية "خاصة بهم وبجهات خارجية" أرادوا لها ذلك، من خلال تعاملهم مع القضايا والمشكلات التي طُرحت على جدول أعمالها في إطار الممكن عربياً والمسموح به دولياً وبالأخص أميركياً!!إنه الهروب من معالجة الأزمات وحلها الذي أصبح في العقود الأخيرة سمة من سمات النظام الرسمي العربي!! أليس خير ما يمكن أن يطلق على هذه القمة هو قمة "رفع العتب" أو "قمة هروب النظام الرسمي العربي"؟