في الذكرى الثالثة لاحتلال العراق

بقلم: محمد حسـن الجبوري

في التاسع عشر من آذار عام 2003 شنت الإمبريالية العالمية بزعامة أمريكا ومعها حلفاءها من البريطانيين وغيرهم من المنضوين تحت خيمتها وبدفع من الصهيونية العالمية حربها القذرة والغادرة ضد العراق وشعبه المسالم والمحاصر واندفعت جيوش الغزو والعدوان لتدخل بعد ثلاثة أسابيع إلى بغداد عاصمة الرشيد في التاسع من نيسان تحت ذريعة اسمها "حرية العراق" والبحث عن أسلحة الدمار الشامل والمحافظة على أمن الجيران، بل الأمن والسلم في العالم على حد زعمهم.

والآن وبعد مضي ثلاث سنوات على احتلال بلدنا أخذت تتضح وتتجسد أكثر فأكثر براهين ووقائع جديدة أيضاً تدل على أن القوى الغازية المحتلة التي افتعلت الحرب وأسبابها وأرادت لها أفظع النتائج وأسوأها ليس على العراق وشعبه فحسب وإنما على المنطقة العربية بأسرها. فإذا كانت الصهيونية العالمية وأميركا ودول الغرب الاستعمارية إضافة إلى أنظمة الردة الرجعية العربية العميلة قد تضامنوا جميعاً في تخطيط إستراتيجية الحرب ضد العراق وفي تنفيذها وقيادة وقائعها ومجرياتها كل حسب ما أنيط به من دور مرسوم له بعناية كما هو واضح منذ بدايتها، فأن هذه القوى قد خططت لإنجاز جملة أهداف أساسية وعملية من خلالها كفلت الإدارة الأمريكية اليمينية المتصهينة البدء بها والانتقال إلى مراحل أكثر تطوراً وخطورة ً تتمثل في السيطرة على النفط العراقي والإبادة والدمار الشامل والتام للعراق وإنهاء الدولة العراقية بكل مؤسساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية وحل الجيش العراقي، وزرع بذور الفتنة الطائفية والعرقية وخلخلة النسيج الاجتماعي والتهيئة للحرب الأهلية ونشر الفوضى لتطال كل مفاصل الحياة.

لقد اتسمت الحرب العدوانية غير الأخلاقية وغير المتكافئة منذ تفجر وقائعها بأسس ومنطلقات فسرت وتفسر الآن امتداداتها وكل التطورات اللاحقة التي أعقبتها والتي تحكم استقراء حقيقة أهدافها في الغزو والاحتلال ويمكن تحديدها بما يلي:

1) إن غزو العراق واحتلاله إرادة صهيونية إمبريالية رجعية خططت لها بالتضامن كل القوى الطامعة بثروات العراق والمعادية لمصالح الشعب العراقي والأمة العربية.

2) إن أسباب الغزو والاحتلال حالة مفتعلة لا سند ولا أساس ولا شرعية دولية لها تبررها وكان بالإمكان تجنبها عن طريق المفاوضات والبحث عن الحلول الدبلوماسية لولا تعنت الإدارة الأمريكية التي أصرت على نهجها العدواني ضد العراق وتعطشها للسيطرة على مقدرات الشعوب ونهب ثرواتها الوطنية مدفوعةً بأفكار اليمين المسيطر على مركز القرار فيها، وكذلك بناءً على نصيحة عملائها من عرب الردة والتقارير المفبركة والكاذبة عن أسلحة الدمار الشامل التي قدمها عملاؤها وغيرها من الأباطيل والحجج الواهية والقوى التي نفذتها إنما أرادت إسـكات النهوض العربي وكتم كل صوت يطالب بحل عادل لقضية العرب المركزية (قضية فلسطين).

3) الرجعية العربية ممثلة بالنظامين السعودي والكويتي وبعض دول الخليج ودول عربية أخرى كانت الأداة الرئيسية لافتعالها وتنفيذها بما خلقته من إشكالات واختلاطات بدعوى تهديد أمنها وحدودها من قبل العراق وطلب الحماية من أميركا ودول أخرى للدفاع عن أراضيها التي ما لبثت أن وضعتها في خدمة دول التحالف العدواني ضد العراق، جرى ذلك بالتنسيق بين هذه الدول وأركان الإدارة الأميركية.

4) هدف آخر أيضاً هو إنهاء القدرة العسكرية العراقية بهدف إبعاد العراق عن الساحة الحقيقية في مواجهة الاستغلال والنهب الإمبريالي والعدوان الصهيوني وأنظمة الرجعية العربية العميلة برموزها ومواقعها المختلفة.

5) إن توقيت الغزو والاحتلال بالتزامن مع تحريك العملاء من الرجعية العربية مجسدةً بنظم الخليج كما أسلفنا وفي مقدمتها النظام الكويتي التي جسدت وكرست الانقسام العربي عن طريق الاشتراك في الحرب وتقديم التسهيلات لجيوش الغزو إنما يعطي من الدلائل ما يكفي لمعرفة أهدافها والذي يأتي في مقدمتها هدف ضرب قدرة العراق العسكرية وإخراجه من المعركة القومية ضد العدو الصهيوني تماماً كما أخرجت مصر تحت شعار السلام بعد توقيع معاهدة "كامب ديفيد" ومن ثم إعطاء المبرر للأنظمة العربية المتخاذلة للبدء بالتطبيع مع الصهاينة والقبول بالأمر الواقع، إضافةً إلى إعطاء الدعم لدول العدوان لغزو العراق واحتلاله بدعوى أن أكثر العرب هم المتحمسون للإطاحة بالنظام العراقي.

إذا كانت هذه هي المنطلقات والأسس التي بنت عليها الإدارة الأمريكية ومعها البريطانية و"إسرائيل" خططها في غزو العراق واحتلاله وأدت من خلال الوقائع والنتائج إلى الوضع المأساوي الخطير الذي وقع على الشعب العراقي والأضرار الناجمة عنه، إنما أريد من خلاله تحقيق العديد من الأهداف أبرزها:

1 - رهن المنطقة (العراق والجزيرة العربية ودول الخليج) بكل ما فيها من ثروات اقتصادية لمصالح الاحتكارات النفطية العالمية من خلال السيطرة المباشرة على هذه المنطقة والتحكم بعمليات استثمار وتصنيع هذه الثروات وصولاً للتحكم بالحالة الاقتصادية لشعوب العالم أجمع من خلال ذلك، خصوصاً وأن احتياطي النفط الأمريكي على وشك النضوب خلال هذا العقد من الزمن كما تشير الدراسات.

2 - خلق المناخ السياسي والعملي الكفيل بتهيئة مؤامرة الاستسلام بمشاريعها وتفرعاتها بأصلها الأمريكي – الصهيوني ونسختها العربية المصممة لهذا الغرض تحت غطاء وأدوات عراقية وعربية.

3 - إيجاد المبررات للأنظمة العربية الحاكمة للانسحاب من تحمل المسؤولية القومية في مسألة الصراع العربي الصهيوني وتوفير الغطاء السياسي والعسكري المناسب لهذه الأنظمة، الأمر الذي يسهم في النهاية إلى إضعاف وتفتيت الجهد القومي للشعب العربي بأجمعه ووضعه أمام خيارات صعبة كما تخطط تلك الأنظمة لذلك وهي التي كانت تزاود وحتى وقت قصير بالقضية الفلسطينية وترفع شعار العداء للإمبريالية و"إسرائيل".

4 - لقد بات واضحاً أن أهداف الغزو والاحتلال لا تقف بتشعباتها وخطورتها عند حد أو مستوى معين والعنوان المركز لفهم مجمل أهدافه هو كون هذا الاحتلال مرحلة في المؤامرة الكبرى على الأمة العربية وعلى المنطقة عامة تبتدئ بالعراق لتصنع منه نموذجاً لما تريده الإمبريالية العالمية للمنطقة مستقبلاً، ومن هنا فإن وقائع الغزو والاحتلال ونتائجه على الأرض رصدت لتتطور وتصبح أكثر تعقيداً.. وهنا تكمن الميزة اللئيمة وغير الشريفة لأنظمة الرجعية العربية والعمالة.. فهذه الأنظمة أكثر قدرة ً على دفع نتائج الغزو والاحتلال وتطويرها بما يخدم الهدف الستراتيجي المطلوب منها، وهي الأكثر براعة في تمثيل المهمة القومية واصطناع شكل العلاقات العربية المستقبلية بقصد خلق حالة الاستسلام الأبدي أمام العدو الصهيوني والإمبريالي.

5 - إن المرحلة الجديدة من نتائج الغزو والاحتلال تنصب في إطار تهيئة الفرص والمبررات الكافية لتحرك الإمبريالية الأمريكية والصهيونية وإطلاق يدها في المنطقة بحجة زوال الخطر العراقي الذي كان يهدد مصالحها الاقتصادية وأمنها السياسي والعسكري بما فيها الكويت ودول الخليج الأخرى وهو ما يفسر الآن السلوك العسكري والسياسي الأمريكي الذي يدل بصورة واضحة على أن واشنطن قد أعدت العدة للإبقاء على قواتها وآلتها العسكرية بصورة دائمة في المنطقة وهو ما يهدف إلى السيطرة الثابتة والانتقال بحالة الوجود البحري لها عبر السفن والأساطيل والقواعد المتنقلة إلى حالة الاحتلال المباشر على الأرض وما تعنيه هذه الحالة وتسفر عنه من بناء للقواعد الجوية والمطارات وتشكيل المواقع الأمنية الثابتة كما يجري الآن في العراق ودول الخليج العربية.

6 - توسيع الدمار والخراب والإفناء سياسياً واقتصادياً وبشرياً بحيث يشمل بالتأثير والمدى ليس العراق فحسب وإنما كافة دول المنطقة وبحيث يصبح الحل لجملة المصالح المتشابكة في العراق والمنطقة العربية وخصوصاً الخليج هو في استبقاء القوات الأمريكية والحليفة كما يدعونها، وتضمينها سلام الخليج وأمنه ومنحها كافة الشروط التي تؤمن الغطاء لوجود واستمرار تلك القوات وبطلب من حكام المنطقة أنفسهم، الأمر الذي يمنح الفرصة التاريخية للإمبريالية الأمريكية لتنظيم سيطرتها على منطقة الخليج وإلى الأبد.

7 - بروز خطر مستقبلي كبير ومرسوم بعناية قبل بدء الغزو والاحتلال للعراق ومعدة أدواته سلفاً بالتعاون الاستراتيجي والتكتيكي الوثيق بين جميع الجهات المستفيدة من الاحتلال، إنه خطر القضاء على العراق ككيان ونظام ودولة ومؤسسات وتفتيت كيانه وإنهاء وجوده عن طريق العمل على تقسيم أرضه إلى كيانات مصطنعة وإنشاء دول طائفية وعرقية لتكون بؤراً جديدة تزرعها الإمبريالية في أرض العراق العربي وقد تجسد ذلك بطروحات بعض الأطراف العراقية مع الأسف بالدعوة إلى تبني الفيدرالية لتقسيم البلد الواحد تمشياً مع المخطط الصهيوني – الأمريكي لتقسيم العراق والدول العربية الأخرى إلى كانتونات وكيانات هزيلة على أسس طائفية وعرقية بغيضة.

إن المؤامرة أكبر مما نتصور وهي لا زالت مستمرة وكل يوم يمر يظهر جزء من مسلسلها الرهيب، فأمريكا وحلفاؤها يريدون السيطرة الكلية والمباشرة على منابع النفط والثروة العراقية والعربية، والصهاينة يريدون تحقيق أحلامهم التوراتية في توسيع دولتهم وتوطين المزيد من المهاجرين الصهاينة، والرجعية العربية وأنظمة العمالة تريد البقاء على كراسي الحكم المهزوزة ولو على حساب الكرامة والشرف الذي أضاعوه، والعراقيون يطالبون برحيل الاحتلال عن أرض العراق العربي الواحد الموحد ولا يرغبون بالحرية والديمقراطية المستوردة التي وعدهم بها بوش وأركان نظامه لأنها جلبت لهم المصائب والويلات والخراب الذي أدخل الخوف والرعب لبيوتهم وأغرق العراق ببحر من الدماء، القتل والخطف والتفجيرات والمفخخات التي تداهم المواطنين غفلة في عتمة الليل ووضح النهار والوضع المعاشي المتردي والمتفاقم لا يستطيعون السيطرة عليه أو تجاهله، ونعمة التحرير نتج عنها تدمير البشر والشجر ولوثت الماء والهواء في ما يطلق علية تسمية "العراق الجديد"، نعم إنه غير العراق القديم الذي دمرت قدراته ونهبت ثرواته وسرقت متاحفه وبيعت مصانعه وقحلت أرضه ويبست مزارعه وبساتينه، "العراق الجديد" كما يريده الأمريكيون نموذجاً يعممونه بعد ذلك على المنطقة العربية، وركيزة للبدء بتشكيل "الشرق الأوسط الكبير" بعد أن يتم تنفيذ ورسم خرائط "سايس بيكو" جديدة لخدمة أطماعهم وتحقيق حلم "إسرائيل" في إقامة "دولتها الكبرى من الفرات إلى النيل" وتمكينها من التحكم بمقدرات العرب أجمعين، وبعد ذلك يأتي دور بقية الأقطار العربية.. ولكن هل سيتحقق لهم ذلك..! نحن على يقين من أن فألهم هذا سيخيب بعون الله تعالى..!

فالنصر حليف الشعوب دوما والاندحار لقوى الغزو والاحتلال البغيض