روسيا الاتحادية، الصراع الدولي، والعرب
منير درويش - سوريا
شكل انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية قبل عقد ونصف من الزمن خسارة كبيرة للشعوب العربية وكثير من شعوب العالم الأخرى، نظرا للدعم المادي والسياسي والعسكري الذي كان يقدمه لها بغض النظر عن الأسباب، الإيديولوجية أو السياسية التي تقف وراء هذا الدعم ودوافعه كالاستقطاب الدولي الذي كان سائدا في المرحلة التي دعيت بالحرب الباردة، وتتحمل السياسات العربية مسؤولية ما في هذا الانهيار بسبب مواقفها المتناقضة منه بعضها لم تعترف به للأسباب الإيديولوجية، وبعضها اعتبره مجرد مورد للسلاح والمشاريع الاقتصادية على شكل قروض طويلة الأمد في الوقت الذي كانوا يشترون السلع والكماليات من الأسواق الغربية نقدا وبأسعار فاحشة، فانطبق عليها المثل القائل ((قلبها على الغرب وجيبها على الشرق)).
لقد بلغت ديون الاتحاد السوفييتي على الدول العربية عشرات المليارات من الدولارات بينما كانت الأموال العربية تتكدس في البنوك الغربية حتى وصلت في بنوك الولايات المتحدة وحدها إلى نحو 800 مليار دولار يعجز أصحابها عن تحريكها واستغلالها لمصالحهم إلا بموافقة أمريكا التي تختلق الذرائع أحيانا لإعاقة استخدام هذه الأموال، لكن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يمنع روسيا الدولة المركزية فيه من العودة لتعلب دورها التاريخي في السياسة الدولية بعد أن تخلت عن الدور الإيديولوجي الذي وسم غالبا علاقات الاتحاد السوفييتي السابق وأثقل حركته، وسعت للانفصال عن الدول التي كانت تشكل معها هذا الاتحاد في سابقة تاريخية فريدة إذ نادرا ما لجأت دولة مركزية إلى طلب الانفصال عن الأطراف.
وإذا كانت هذه الدول الأطراف قد لجأت في البداية إلى الولايات المتحدة لتلقي الدعم منها إلا أنها شعرت مؤخرا أن حاجتها الأساسية هي مع موسكو وهو ما حصل في أزمة الغاز الروسي مع أوكرانيا عندما هددت موسكو بقطعه عنها نتيجة السياسات المعادية التي اتبعتها حكومتها بدعم من الولايات المتحدة بعد ما سمي (بالثورة البرتقالية) وقد أحجم الغرب عن المساعدة أو العجز عنها، ومن المحتمل أن تأتي الانتخابات الأخيرة فيها بمؤيدي روسيا إلى السلطة بعد أن أبعدوا عنها في الانتخابات الماضية إثر هذه (الثورة) نظرا لما شعر به المواطن الأوكراني من الاستغلال الأمريكي لمصالحه.. وهو ما يحصل أيضا في بيلاروسيا وجورجيا وغيرها والتي لم ترهن مصالحها للوعود الغربية الوهمية، كذلك قامت بحل خلافها مع الصين هذا الخلاف الذي كان سببا رئيسيا لإضعاف المعسكر الاشتراكي على مدى نصف القرن الماضي، وأقامت علاقات متوازنة مع الشعوب على أساس المصلحة والمنفعة المتبادلة، وتخلت عن الأنظمة التي كانت محسوبة عليها في الوقت الذي كانت سياسات هذه الأنظمة تخدم بشكل مباشر أو غير مباشر المصالح الغربية، بعد أن مارست أسوأ عمليات النهب والاستغلال والاستبداد على شعوبها، كما حاولت روسيا دوما الاقتراب من المياه الدافئة كعامل أساسي للخروج من العزلة القطبية الباردة. لقد بذلت الدعاية الغربية والإعلام الأمريكي جهودا كبيرة للإيحاء بعدم قدرة هذه الدولة على النهوض وعجزها عن مساعدة الشعوب من جديد دون أن تدرك أن هذه الدولة رغم كل الظروف التي واجهتها فقد بقيت القطب الدولي المحتمل فهي ذات المساحة الواسعة التي تعادل بشقيها الآسيوي والأوربي أقل من ضعف مساحة أوربا بقليل (17 مليون كم2) والواقعة على أطراف القارتين ومحمية بالجليد الذي طالما كان مقبرة للغزاة والطامعين، فضلا عن العدد الكبير من السكان 170 مليون نسمة والتاريخ الثقافي والحضاري العريق، مع علاقات حسن جوار ودعم للشعوب الأخرى، والعمل الجاد لتحقيق العدالة والمساواة والسلام في العالم، وفوق كل ذلك مقاومتها لكافة الغزوات العسكرية عندما انتصرت على غزوة نابليون بونابرت في بداية القرن الثامن عشر ومحاولة لاحتلال الألماني لها في الحرب العالمية الأولى، وقبل أن يتشكل الاتحاد السوفييتي وكشفت مؤامرات الدول الكبرى لتفتيت الدولة العثمانية والهيمنة على تركتها، كما كشفت اتفاقيات "سايكس - بيكو" لتقسيم الوطن العربي بعد الثورة البلشفية عام 1917، كما أن انتصار الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية على الجيوش الألمانية وإقامة قوى موازية لقوة الحلفاء الغربيين في أوربا جعله لاعبا أساسيا في السياسة الدولية ثم وقوفه على مدى نصف القرن الماضي في مواجهة المشاريع الأمريكية التي جاء بعضها تحت حجة مكافحة الشيوعية أدى إلى فشل تحقيق هذه المشاريع بالطرق الدبلوماسية مما دفع الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية فيما بعد كما حصل في غزو أفغانستان والعراق، وهو ما يبرهن أن استخدام هذه القوة لم يكن ليأتي لولا فشل الأسلوب السياسي والدبلوماسي. وكانت روسيا خليفة الاتحاد السوفييتي تعلم أن العالم لا يمكن أن تقوده باستمرار قطبية واحدة مهما بلغت قوتها بسبب عمق التناقضات بين قاراته وشعوبه ومحاوره السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وإن استخدام مثل هذه القوة لن يجلب إلا مزيدا من العداء والكراهية لأصحابها.
إن روسيا التي تمتلك موارد مادية وبشرية وثروات هائلة تجعلها قوة اقتصادية منافسة حتى لو كانت هذه القوة كامنة أو غير مستثمرة على الوجه الأكمل، فهي تملك احتياطا من النفط والغاز والمعادن لا يستطيع الغرب تجاهلها والاستغناء عنها وهذا ما يعطيها دورا مفتاحيا في الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية عند استثمار هذه الموارد بالطرق السليمة ولصالح الشعب الروسي، وجعلها أيضا من الدول الصناعية الثمانية رغم محاولات الولايات المتحدة لإبعادها عن هذا الموقع لتبقى تابعة لهيمنتها، كما أنها شريك منافس في إنتاج الأسلحة والمعدات العسكرية وتجارتها بعد أن ورثت هذه الصناعة عن الاتحاد السوفييتي السابق، وتتمتع على هذا الصعيد بثقة وكفاءة عالية في صناعة هذه الأسلحة ومرونة في تجارتها وتوفير الخدمات اللوجستية والخبرات العسكرية اللازمة للتدريب والتأهيل عليها، إضافة لأسعارها الرخيصة قياسا بأسعار الأسلحة الغربية والأمريكية ، ويشكل العقد الروسي الأخير مع الجزائر لتوريد أسلحة روسية لها بقيمة 7.5 مليار دولار والذي وقع في شهر آذار عام 2006 أبرز أشكال هذه المرونة من حيث الأسعار والتدريب وآليات الدفع، وهو منافس لأكبر العقود الغربية في هذا المجال كذلك العقد الموقع مع الأردن لإنتاج طائرة مشتركة وهي ظاهرة غير مسبوقة في عملية التسليح الروسي.
إن موارد روسيا هذه كانت كافية لإقامة علاقات متوازنة مع الاتحاد الأوربي والصين واليابان وبقية دول وشعوب القارات التي جربت في علاقاتها مدى استغلال الولايات المتحدة لها، وإن وجودها عضوا دائما وفاعلا في مجلس الأمن إلى جانب الصين أدى إلى إحباط عدد من المشاريع التي حاولت الولايات المتحدة من خلالها أن تفرض سيطرتها على الأمم المتحدة وهذا ما جعلها تعمل منفردة أحيانا كما حصل في غزوها للعراق. لقد أخذنا على الاتحاد السوفييتي اعترافه بإسرائيل عام 1948 وهو موقف ربما لم يكن صحيحا من وجهة نظرنا نحن العرب لكننا لم نأخذ بنفس القدر على الغرب أنه عمل على إقامة "إسرائيل" ودعمها بكل الوسائل والإمكانيات ولا زال، لكن التاريخ لا يتوقف عند حادثة واحدة لأن للدول والشعوب مصالحها التي لا يمكن للآخر أن يتحكم بها ويسيرها وفق رغباته.
لقد خرجت العلاقات العربية الروسية من إطارها الإيديولوجي كما خرجت من دائرة الاستقطاب وأخذت تبنى بصورة أكبر على أساس المصالح المشتركة وهذا ما يعطيها بعدا أكثر ومرونة ورسوخا عندما نحسن استغلالها على هذا النحو بعيدا عن الداخل الروسي وإشكالاته. لقد وقفت روسيا في وجه الضغوط الأمريكية على سورية على خلفية قرار المحاسبة الذي لا مبرر له سوى التوجهات العدوانية التي تبييتها الولايات المتحدة ضد امتنا، والقرار 1559 وكذلك خلال التحقيقات التي أجراها المحقق (ميليس) في قضية اغتيال الحريري والاتهامات التي وجهت لنا قبل وبعد التقارير التي قدمها لمجلس الأمن وتبين فيما بعد الضغط السياسي الذي مورس كي تخرج بالشكل المجحف الذي قدمت به، واستطاعت من خلال هذا الموقف أن تحبط المشاريع التي حاولت فرض العقوبات المسبقة على بلدنا قبل الوصول إلى نتائج نهائية في التحقيق، كما وقفت مع (حماس) القادمة إلى السلطة الفلسطينية بانتخابات شرعية وتعرضها على ضوئها لأقسى ضغط استبدادي من قبل الدول التي تحاول فرض الديمقراطية على مقاس مصالحها ولا تنظر إليها إلا من زاويتها الخاصة وتحقيق هذه المصالح بأي ثمن، واستقبلت وفدا من (حماس) بغض النظر عن الأهداف الحقيقية التي كانت وراء هذه الغاية لكنها شكلت اعترافا بنتيجة الانتخابات كانت تحتاجه وتحديا واضحا للرغبات الأمريكية والأوربية و"الإسرائيلية".
وتمارس روسيا الآن صلاحيات واسعة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني ومحاولة الغرب حرمانها من ممارسة حقها في استخدام مواردها وخبراتها في هذا المجال حتى للأغراض السلمية بينما تتغاضى عن الملف النووي "الإسرائيلي" والأسلحة النووية "الإسرائيلية" التي تهدد المنطقة بالدمار الشامل، وتحاول روسيا بكل الوسائل وإن كان من زاوية مصلحتها الخاصة تجنيب إيران مخاطر السياسة العدوانية الغربية فيما يتعلق بهذا الملف. لا شك أن الحرب في الشيشان تبقى المثلب الحقيقي في السياسة الروسية الحالية والجرح النازف للقوة العسكرية الروسية والاقتصاد الروسي لا مبرر له مهما كانت أسبابه وعليها أن تجد الوسائل السلمية لحله، إلا أن علينا نحن العرب إذا كنا ندرك أهمية مصالحنا أن نعطي أهمية للقوى التي تقف معنا بالقدر الذي يتحقق فيه توازن هذه المصالح، لأن العالم الآن هو عالم مصالح تلك حقيقة يجب أن لا نتجاهلها ولكن علينا أن نختار بين تلك القوى التي تعمل لتحقيق مصالحها من خلال التوازن المشترك وتلك التي تحققها بالقوة والاستغلال والنهب.