البعث العربي الاشتراكي
التحدي والاستجابة
عز الدين بن الحسين القوطالي – تونس
نشأ حزب البعث العربي الاشتراكي في وقت كانت فيه الأمة العربية ترزح تحت نير الاستعمار والتبعية والتخلف والانحطاط العلمي والثقافي والحضاري وكان جزء كبير من الوطن العربي يعيش في غياهب الظلمات والنسيان وفقدان الوعي بالذات ومنقطع تماما عن العالم ومفتقد لوسائل الاتصال والتواصل الحضاري مع بقية شعوب الأرض ومصاب بداء الركود والخمول والاستسلام.
وكانت المرحلة تبشّر بولادة جيل جديد من أبناء هذه الأمة ممن آمنوا بأن الوقت قد حان لتأسيس حركة عربية ثورية تقدمية تستلهم من تراث الأمة وتنهل من ماضيها المجيد وتمدّ لجماهيرها المتعطشة للحرية والتقدم جسرا بين الحاضر والمستقبل.
ومن هذا المنطلق جاءت ولادة حزب الانقلاب العربي استجابة للتحدي الحضاري الذي فرضته المرحلة فكان لا بدّ من مبادرة جدية وجذرية تتخطى حدود التخلف وتتجاوز مخلفات التجزئة وتتميز عن المعتاد في الحياة السياسية العربية آنذاك حيث سادت الأطروحات الإقليمية وهيمنت الأحزاب والتنظيمات الرجعية وطغت الأفكار والتنظيرات الفوقية المستعلية على جماهير الشعب والمستهينة بطموحاتها وآمالها في الوحدة والحرية والاشتراكية.
لقد آمن البعثيون المؤسسون أنه من الضروري والحتمي أن تنهض هذه الأمة من سباتها العميق وتضطلع بدورها التاريخي والحضاري وتقطع مع حالة الضياع والانحطاط والتخلف وذلك مشروط بتحقيق الانقلاب الشامل على مظاهر الفساد والمرض في الجسم العربي وهي مظاهر استفحلت وتضخمت وأصابت المجتمع العربي بورم خبيث كان لا بدّ من استئصاله واقتلاعه من جذوره وعلى هذا الأساس أطلق الرفيق القائد المؤسس احمد ميشيل عفلق رحمه الله على تلك المرحلة عنوان عهد البطولة إشارة إلى الدور الذي يضطلع به البعثيون في النهوض بالأمة وإنقاذها من حالة الموت السريري الذي كان يهدد وجودها فلا غرو أن يكتب القائد المؤسس ومنذ سنة 1935 قائلا: ((الآن تنطوي صفحة من تاريخ نهضتنا العربية وصفحة جديدة تبدأ تنطوي صفحة الضعفاء الذين يقابلون مصائب الوطن بالبكاء... صفحة النفعيين الذين ملأوا جيوبهم ثم قالوا لا داعي للعجلة كل شيء يتم بالتطور البطيء، صفحة الجبناء الذين يعترفون بفساد المجتمع إذا ما خلوا إلى أنفسهم حتى إذا خرجوا إلى الطريق كانوا أول من يطأطئ رأسه لهذا الفساد ؛ وتبدأ صفحة جديدة صفحة الذين يجابهون المعضلات العامة ببرودة العقل ولهيب الإيمان ويجاهرون بأفكارهم ولو وقف ضدهم أهل الأرض جميعا ويسيرون في الأرض عراة النفوس)).
إن ما كتبه الرفيق القائد المؤسس رحمه الله منذ ما يقارب السبعين سنة يدل على وعي سابق لأوانه بمشكلات الأمة وسبل حلها فالحالة الاستثنائية التي كان يعيشها الوطن العربي تستدعي نشأة حركة استثنائية وهو الأمر الذي يفسّر حجم التحديات والمؤامرات والدسائس التي اعترضت حزب البعث العربي الاشتراكي منذ اليوم الأول لتأسيسه والى يومنا هذا إذ سعت قوى التخلف والرجعية إلى إعاقة نموّ الحزب وتطوره لأنها تعلم علم اليقين أن في وجود البعث العربي تهديد مباشر لوجودها ولكيانها المتداعي حتما للسقوط وأن هذا الجيل من الشباب العربي يشكل أكبر خطر يهدد مصالح الحكام ومعاقل الانتهازية والتبعية والاستغلال وأن الجيل العربي الجديد لا يقبل بالحلول الوسط ولا يرتضي بغير الانقلاب على الواقع الفاسد بديلا.
فحركة البعث حركة استثنائية شكّلت في جوهرها وطبيعتها وأهدافها محور التصدي للمشاريع الاستعمارية، وقطب المقاومة لمظاهر التخلف والإقليمية والرجعية ؛ وسفينة النجاة من حالة الانحطاط والتبعية والخنوع فهي إذن حركة من نوع خاص حركة تاريخية حضارية إنسانية تنطلق من الوطن العربي لتشع بمبادئها على العالم بأسره ؛ ولن نبالغ حين نقول إن الأمة العربية كانت في أشد الحاجة إلى وجود حركة ثورية تقدمية من هذا النوع فحزب البعث العربي الاشتراكي هو الاستجابة الطبيعية والتلقائية بل الحتمية للتحديات التي تواجهها الأمة والآمال التي تحملها الجماهير وتاريخ السابع من نيسان/أفريل 1947 كما قال الرفيق المناضل أحمد حسن البكر رحمه الله: ((لم يكن يوما عاديا في تاريخ العرب المعاصر بل كان بداية انعطاف ضخم وتحولا بارزا في مسيرة النضال العربي عبر الجماهير التي طال تعلقها إلى الخلاص من نير العبودية والقهر والإذلال على طريق الثورة العربية المعاصرة الرافضة للتجزئة والهادفة لبناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد)).
إن الجوهر الثوري التقدمي لحزب البعث العربي الاشتراكي شكل بالتالي تحديا حقيقيا للقوى الاستعمارية باعتبار أن أهداف وشعارات وغايات هذا التنظيم العربي من شأنها بالضرورة أن تقف حائلا دون نجاح الإستراتيجية الإمبريالية القائمة أساسا على مبدأ المحافظة على حالة التجزئة لتيسير عملية النهب الدائم والمتواصل لثروات الأمة وللإبقاء على حالة الضعف والهوان التي تضمن التبعية المطلقة للمركز الاستعماري. ولهذا سعت الإمبريالية وأذنابها من قوى رجعية وإقليمية المنشأ والتوجه إلى إجهاض تجربة حزب الثورة العربية المعاصرة من خلال محاولات احتوائه أو تفجيره من الداخل وصولا إلى إلغائه من الحياة السياسية العربية واجتثاثه من تراب هذا الوطن الجريح.
وقد كان الحزب في كل مرة يواجه فيها التحدي يخرج أكثر قوة وتصميما وعزما على مواصلة الطريق لأنه يختزن في ذاته طاقة جبارة على مغالبة التيار والنهوض بالأعباء الثقيلة التي ألقيت على عاتقه والنجاح في تحقيق أهداف الأمة في الوحدة والحرية والاشتراكية فلا عجب أن يقدم الحزب في سبيل بعث الأمة تضحيات جسام ترجمت من خلال قوافل الشهداء من خيرة المناضلين على امتداد الوطن العربي وفي مختلف الساحات التي أمكن فيها حمل مشعل النضال الوطني والقومي فكان البعثيون في الأقطار العربية أول من يضحي وآخر من يستفيد إذ أن فهمهم للنضال يختلف عن فهم الآخرين الذين لا يقدّمون التضحيات إلا مقابل الفوائد الآنية التي يمكن أن يجنوها لا يهم في ذلك إن كانت الفائدة على حساب الغالبية الساحقة من جماهير الشعب المضطهدة المستعبدة المظلومة.
فالنضال كما قال الرفيق القائد المؤسس رحمه الله: ((هو المعبر الصحيح عن الأمة فإننا في النضال نبني أسس حياتنا المقبلة وفي النضال تزول عوامل الانحطاط وفي جو النضال الجدي لا يبقى نفع خاص ولا تبقى مادة ولا يبقى تنافس حقير ولا تبقى أنانيات لأن النضال يبني مستوى جديدا إما أن ترقى إليه النفوس أو تسقط من الحساب)).
بهذه النفسية والروحية النضالية استطاع حزب البعث أن يسقط أعتى الحكومات الرجعية ويقضي على أذناب الاستعمار والتخلف في بعض الأقطار العربية ويؤسس أول تجربة وحدوية عربية في تاريخنا المعاصر ويحقق الانتصارات السياسية والعسكرية على موجة الحقد الصفراء القادمة من بلاد فارس ويبني قاعدة علمية وتكنولوجية ضخمة ويهدد الكيان الصهيوني في عقر داره ويقف في وجه الطغيان والظلم مجسدا في الإمبريالية الأمريكية وكان الحزب ولا زال قادرا على الفعل والحركة والاستجابة للتحديات الجديدة المطروحة على الأمة وقد أصبح اليوم في حلّ من الالتزامات التي يفرضها منطق الدولة ورجع إلى جوهره النضالي الأصيل وساحته الحقيقية ساحة النضال اليومي مع الجماهير وبها وإليها واستطاع في ظرف وجيز أن يخرج من الأزمة الناتجة عن احتلال العراق بل ويجعل من ذلك الحدث حافزا قويا لشدّ همّة المجاهدين الصابرين ومناسبة لإثراء تجربة العمل السياسي في مرحلة النضال السري وتنمية قدرات المجابهة في حرب التحرير الشعبية مجسدة اليوم أحسن تجسيد في المقاومة الوطنية الباسلة في العراق فألف تحية لفرسان البعث العربي العظيم وخير تحية توجه إليهم وإلى من آواهم ووالاهم وسار على دربهم قول شهيد البعث وفلسطين الرفيق كمال ناصر:
ويشهد الله هذا الدرب لا طمعا **** ولا إدعاءا و لا زهوا مشيــناه
وإنما هزنا في بعث أمتنـــا **** جرح على صدرها الدامي لثمناه
فالبعث وعي وإيمان وتضحيـة **** والبعث همّ كبير قد حملنـــاه
سيعلم الناس أن الدرب في وطني **** وعر أليم طويل كلـــــه آه
تونس في 7/4/2006