في ذكرى ميلاد البعث
إنصاف قلعجي/الأردن
أقيم في مقر حزب البعث العربي الاشتراكي الأردني مهرجان كبير بمناسبة الذكرى التاسعة والخمسين لتأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي اشتركت فيه كافة الأحزاب الأردنية المعارضة والنقابات ممثلة بالمهندسين والأطباء والمحامين والصحافة ومنتسبي حزب البعث وجماهير غفيرة من المواطنين.
وقد ابتدأ الحفل بكلمة لعريف الحفل، الأستاذ هشام النجداوي، عضو القيادة العليا لحزب البعث العربي الاشتراكي الأردني، حول انطلاقة الحزب عام 1947، وحيّا من خلالها المقاومة العراقية والمقاومة الفلسطينية وأشاد بوقفة العزّ والكبرياء التي يقفها السيد الرئيس صدام حسين من خلف القضبان، وتقف من خلفه كافة الجماهير العربية. وقد ألقى السادة التالية أسماؤهم، كلمات بهذه المناسبة القومية العامرة بالعطاء:
- الأستاذ حمزة منصور، رئيس لجنة مجابهة التطبيع وحماية الوطن
- الدكتور محمد العوران، أمين عام حزب الأرض العربية والناطق الرسمي باسم اللجنة العليا لأحزاب المعارضة الوطنية الأردنية
- المحامي الدكتور هاني الخصاونة، وهو شخصية قومية معروفة
- الأستاذ صالح العرموطي، رئيس مجلس النقباء ونقيب المحامين وعضو لجنة الإسناد للدفاع عن الرئيس صدام حسين ورفاقه
- الكاتبة إنصاف قلعجي
- الدكتور تيسير الحمصي، أمين سر القيادة العليا لحزب البعث العربي الاشتراكي الأردني
- الشاعر هاشم سلامة
وقد استذكرت الكلمات وقفة جماهير الأمة من انطلاقة حزب البعث العظيم ودوره الأساسي في التأثير على مسار قادة وتوجهات ثورة يوليو 1953 في مصر وفي المواقف والإنجازات الكبيرة التي تحققت على أيدي الثوار والمناضلين البعثيين في العراق وسوريا والجزائر والأردن واليمن وليبيا وموريتانيا والسودان وتونس وغيرها..رغم كل المؤامرات والعراقيل والمطاردات من مختلف الأصناف التي تعرضوا لها أو حوربوا من خلالها..ويقول البيان الذي أصدره الحزب في الأردن بهذه المناسبة القومية الكبيرة: واليوم وفي ذكرى السابع من نيسان، يقف حزبنا في الأردن ومعه كافة مناضلي البعث العربي الاشتراكي إلى جانب كل الأحرار والمؤمنين بفكره القومي في طول الوطن العربي وعرضه وفي العالم وقفة استذكار لتلك المناسبة العظيمة..وقفة الفخر والإجلال للبطولات والتضحيات الكبيرة والصمود الفذ بمواجهة أشرس وأسوأ غزو بربري صليبي يخالف جميع الشرائع والقيم المتمدنة...
كلمة الرفيق تيسير الحمصي في مهرجان الحزب بالذكرى 59 على التأسيس
بسم الله الرحمن الرحيم
(أولئك كَتَبَ في قلوبهم الإيمان و أيدهم بروح منه... أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) صدق الله العظيم
ضيوفنا الكرم
أيها الرفاق والأصدقاء...
اعتدنا نحن البعثيون أن نحتفل لإحياء ذكرى السابع من نيسان من كل عام... ذكرى عزيزة على قلوب كل الأحرار العرب، هي ذكرى الإعلان الرسمي عن انطلاقة حزبكم العظيم... حزب البعث العربي الاشتراكي، وها نحن اليوم نقف وإياكم لتخليد هذه الذكرى التي بدأت في السابع من نيسان عام 1947 ومازالت وستبقى تتجدد بعون الله لتؤكد للكافة من مشارق الأرض ومغاربها أن البعث فكرٌ ونضال دائم ومتجدد رغم كل العاديات والمؤامرات والصعاب:
كَذَبَ الدعيُ إذا ادعى / فالبعث لن يتصدعا
أيها الحفل الكريم...
زعم البعض من الأعداء والحاقدين أن ما حصل في السنوات الأخيرة من محاربة للبعث واحتلال بل غزو صليبي للعراق أن ذلك يمهد الطريق لاجتثاث بعثكم العظيم... ألا خسئوا.!! فالبعث المتجذر فكراً ونضالاً في عمق الأمة العربية ووجدانها هو باقٍ وفي نمو مستمر لأنه الحقيقة الثابتة والمستمرة كشجره فرعها في السماء وجذورها في الأرض فليموتوا بغيظهم... وها هي المقاومة العراقية الباسلة ذراع البعث في بلاد الرافدين قد أسقطت مقولات أعداء امتنا وردت كيدهم إلى نحورهم بعد ثلاث سنوات من انطلاقتها لتحقق قول الرئيس القائد الأسير أمين عام البعث الرئيس صدام حسين بأن غزو الأشرار سوف يتحطم على أسوار بغداد... وانتم ترون اليوم كيف أن قادة الغزو البربري قد اخذوا يبحثون لهم عن مخرج من ورطتهم التي غاصت فيها أجسادهم حتى الأعناق في المستنقع وراح كل فريق منهم يلقي باللائمة على الآخر بعد أن ثبت كذب مزاعمهم عن أسلحة الدمار الشامل والديمقراطية وتحرير العراق وما خدعوا به أنفسهم أو خدعهم به عملاؤهم بأن شعب العراق سوف يلقاهم بالاحتفالات والورود.!! وها هو يلقاهم كل يوم منذ التاسع من نيسان عام 2003 بالموت والتفجيرات والصواريخ فأذاقهم المر ولم يسمح لهم يوماً بالاحتفال بالنصر المزعوم والموهوم وإنما أعاد جنودهم جثثاً وتوابيت أو جرحى معوقين يعانون وأسرهم الآلام الدائمة عقابا على جرائم رؤسائهم... وسقطت بالتالي مقولة اجتثاث البعث ولم يَعُد يرددها أحد منهم إلا الموغلين في الكذب حتى على أنفسهم وربما على استحياء... فانتصر البعث وانتصرت المقاومة وانتصر شعب العراق الأبي.
طغيان أمريكا ومن سايروا
طغيانها في سيرهم أغبياء
لن يفلحوا ما دام فينا
وفي أمتنا أبطالنا الأوفياء
أيها الحفل الكريم...
معذرة إن كنا اليوم نتحدث بالكثير عن العراق ومقاومة العراق الظافرة، فما ذلك إلا بعضاً من مناسبة ذكرى ميلاد البعث مفجر ثورات شعب العراق، ولن ننسى في هذه الذكرى نضال وتضحيات شعبنا المجاهد في فلسطين وقادته من مختلف فصائل المقاومة الذين اسقطوا كل نظريات العنصريين الصهاينة على مدى العقود الماضية و أودوا بحياة جنرالاتهم رابين وباراك وشارون والى آخر القائمة وانتصرت المقاومة الفلسطينية وتجاوبت معها ولها أرواح الشهداء في العراق وجنوب لبنان وتستمر تردد:
عاشت فلسطين حره عربيه من البحر إلى النهر
والموت للعملاء الخونة والمتآمرين والمفرطين
أيها الإخوة والرفاق...
ولكن هل يكفي أن نقف هنا ونتحدث عن تلك الأمجاد التي تجري وتحصل على ارض العراق وتراب فلسطين..؟! ثم ننصرف وكأننا قد قمنا بالواجب.. نحن البعثيون مع كل المخلصين والأوفياء نقول بالرفض ونردد:
بنو أمتي هبوا من النوم واعملوا
فإن دواعي الشر في الأرض تشرعُ
فلا تقنطي يا قدس فالعز مقبل
وأن صلاح الدين في بغداد يَقْبَعُ
نحن البعثيون مع كل المخلصين والأوفياء لأمتنا العربية إذ نحتفل اليوم بذكرى السابع من نيسان ندعو الجميع إلى تصليب الجبهة الوطنية والقومية والانطلاق إلى الالتفاف حول المقاومة وتعزيز كفاح أشقائنا في فلسطين والعراق حتى تحقيق النصر ودحر الأعداء والأشرار وتطهير الأرض والمقدسات وندعو كافة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وجماهير شعبنا إلى كسر حواجز الرهبة والخنوع والانتقال إلى مواقع كفاحية تتحدى هيمنة وتسلط القوى الطامعة التي تقودها الإدارة الأمريكية والمتصهينة ومن يتآمر معها من العملاء في كل مواقع الخيانة وسنبقى ما بقي البعث وجماهير شعبنا على درب النضال متفائلين مؤمنين بالنصر وتحقيق طموحات امتنا في الوحدة والحرية والاشتراكية ورسالتها الخالدة.
الرحمة وعليون للرفيق القائد المؤسس في ذكرى الميلاد ولكل شهداء العراق وفلسطين والأمة العربية.
تحية إكبار وإجلال وتأكيد للعهد والوعد للرفيق القائد صدام حسين الأمين العام (فك الله أسره) ولكل الرفاق المعتقلين على مواصلة النضال والجهاد وحتى يأذن الله بنصره العزيز.
تحية تقدير ووفاء لكل الأسرى الصامدين خلف قضبان الاحتلال.
تحية تقدير وامتنان لكل أحرار العالم الذين وقفوا ويقفون ضد العدوان.
عاشت فلسطين حرة عربية من البحر إلى النهر
عاش العراق حراً موحداً عربياً من شمال زاخوا حتى جنوب الخليج العربي
المجد للشهداء الأكرم منا جميعاً
الموت للغزاة الأشرار وعملائهم
والله اكبر... الله اكبر... الله اكبر وليخسأ الخاسئون
كلمة المناضلة إنصاف قلعجي في ذكرى ميلاد البعث العظيم
في مقر حزب البعث العربي الاشتراكي الأردني
أيّها الرفاق الأعزاء
يقول الكاتب الكولومبي الكبير غابرييل غارثيا ماركيز:ليست الحياة ما عاشه المرء، بل ما يتذكّره، وكيف يتذكّره كي يرويه..وها أنا هنا أرويني.. احمل بقجتي وكراكيبي وأحزاني وأحط الرحال عند خيمة أهلي وعشيرتي، حمى حزب البعث العربي الاشتراكي.
حين انضممت يوما لحزب قومي هو الحزب العربي الديمقراطي الأردني، كتبت في مجموعتي القصصية "النسر في الليلة الأخيرة" عام 1999 بعض القصص تتعلق بانضمامي للحزب، وأقول في إحداها:ضربت أمي صدرها بكلتا يديها وصرخت:حزب! تصرخ أمي.تلطم وجهها.تضرب صدرها.تشق ثوبها.تولول وتسأل:انضممت للحزب؟ أوميء برأسي دون أي تعبير سوى المرارة التي ما تزال بقاياها في فمي. قالت:بلا حزب بلا ضرّاب السخن، يعني شيوعية؟ قلت بل قومية عربية حتى النخاع. قالت : أبوك أودع السجن بسبب منشور شيوعي...وتمضي القصة لأقول:أحلم يا أمي بصورة واحدة غربها المحيط وشرقها الخليج، لذلك انضممت للحزب لأجدني من حيث ضعت، لألمّ ما تبقّى من الحلم المبعثر، لأصحو من غيبوبتي، لأضع رجليّ على أرض صلبة، لأجد ظهرا يحميني، فأنا كما تعرفين مقطوعة من شجرة..يا أمي.. إلخ.
لست بعثية، نعم لست بعثية بالانتساب لحزب البعث، ولكني بعثية بالفطرة، بالغريزة، أنتمي لأمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، هي رسالة الحلم، رسالة الأمة، رسالة المواطن، رسالة ابن الشارع العربي الذي مزّقوه وألقوا به بين براثن الغزاة "وسايكس بيكو" وما لحق "سايكس بيكو" من أوجاع وجراح..
هي رسالة العروبة، والنقاء العروبي..لكن، أتساءل مع الزميل محمد طمّليه، الكاتب المعروف في جريدة" العرب اليوم" والذي تمنّت له شبكة البصرة المناضلة الشفاء العاجل ليواصل بنقائه العروبي تحدي أعداء الأمة، يتساءل الكاتب وهو يشاهد هذا السقوط العربي المروّع، وكان يأمل أن يقف العرب في مؤتمر الخرطوم موقفا مشرّفا تجاه المقاومة العراقية الباسلة، يقول:" أمة عربية واحدة، بلا رسالة، ولكنها واحدة على أي حال.ومؤتمر قمة في يوم واحد، قمة اليوم الواحد في العاصمة السودانية. ومستفيد واحد هو عمرو موسى.." وأقول: إنهم "المتحمّسون الأوغاد" الذين أشار إليهم الزميل طمّليه في كتابه هذا، وهم الذين خانوا مبادىء الأمة، وهم الذين جاءوا محمولين على صهوة الدبابات الأمريكية، بقبّعات الكاوبوي الأمريكي وبلسان أمريكي..
فلئن قال شاعر إسبانيا يوما فردريكو لوركا "ما عاد الغجر يصعدون الجبل.." نقول بأن المقاومة العراقية ستواصل صعود الجبال الوعرة، وتخوض السهول الصعبة، لتحقق رسالة الأمة : أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.
سألني يوما أحد أساتذة جامعة أردنية في إحدى اللقاءات الثقافية، وكان ينظر إليّ شزرا: أستغرب كيف تكتبين أنت المثقفة عن شخص ديكتاتوري هو صدام حسين ؟ قلت، وفي روحي وجع هائل..:إذا كان الذين يحبّون تراب بلادهم ويبنون حضارة بلادهم ويحمون هذه الحضارة الموغلة في التاريخ، إذا كان الذين يحافظون على مجد بلادهم ويتطلّعون بشوق ليحموا تراث الأمة، فأنا أيّها المثقف، أحب هذا الديكتاتوري صدام حسين، وأنحني له، وسأبقى أنحني له كلما ذكر اسمه، وأنا مع أي ديكتاتوري يعادي أمريكا وعملاءها سواء في كوبا أو فنزويلا أو تشيلي أو بوليفيا.. أو غيرها من الدول التي لا أعرفها..
هذا مهرجان يلمّنا، نحن القابضين على حلم العروبة، مهرجان حزب البعث العربي الاشتراكي، وأقول : لولا الأرضية الصلبة التي يقف عليها الحزب، لما انطلقت هذه المقاومة العظيمة، هذه المقاومة التي بعثرت وشتتت وكسرت الهمجية الأمريكية وأذنابها، وأضاءت الدرب، ومنذ الأيام الأولى للغزو،أمام الملايين من أبناء الأمة، ليزدادوا إيمانا بأن يوم النصر آت لا محالة،وإيمانا بفارس الأمة، أبي المقاومة، وأبي الشهداء وأبي العراق..
يقول الشاعر ماجد المجالي في قصيدته الرائعة:
تثنى ولكنه ما انثنى / لك القلب والروح يا روحنا
لأنك ألف اندحار لهم / لأنك ألف انتصار لنا
لأنك خضت الذي لم يخض / ستبقى المثنى الذي ما انثنى
ويقول الأستاذ المحامي زياد الخصاونة: لقد خرج الرئيس صدام حسين من الجغرافية ودخل في التاريخ، ومن دخل التاريخ لا يمكن أن يعود لفتات الجغرافية. وأقول لأخي زياد : لقد دخل صدام حسين التاريخ من أبهى أبوابه وأنقاها.. لكن المقاومة العراقية ستعيد للجغرافية رونقها وكبرياءها، ستعيد للعراق مجده وعزّه.. عزّ صدام حسين.
حين نتحدث عن الصلة الحميمة التي تربط الأردن بالعراق، وكان ذاك في أزمنة ماضية، فإنني أقتطف فقرة من كتاب أخي الأستاذ فالح الطويل، البعثي السابق والعين السابق في مجلس الأعيان الأردني، والكتاب سيرته الذاتية، والجزء الثاني من الكتاب يحمل عنوان " الطريق إلى عمّان"، وكان سفيرا للأردن في العراق وروسيا وباكستان وغيرها.
يقول الأستاذ الطويل:" في زيارة لجلالة الملك إلى بغداد في شهر كانون الأول سنة 1979، وبينما كان الوفدان يجلسان في قاعة الاستقبال في قصر السلام، بعد وصولهما من المطار، بدأ الرئيس صدام حسين الحديث متوجها لجلالة الملك:
- أبو عبد الله، كيف المطر في الأردن؟
- ليس كما يجب. المطر لم ينزل بعد في الأردن، ونحن الآن في فصل الشتاء. يبدو أننا يا بو عدي، سنعاني من سنة محل أخرى.
- قررنا تقاسم شربة الماء "وياكم". السفير قدم طلبا بذلك ونحن وافقنا في الحال. نحن لا زلنا يا بو عبد الله نروي ونفخر بقصة تلك الفتاة العربية في معركة اليرموك التي جاءت بقربة ماء تبحث عن أخيها في ساحة المعركة. سمعته يطلب الماء، فلما همّت بإسقائه، سمع جريحا قريبا يطلب الماء فآثره على نفسه، وآثر الثاني أخاه الجريح الثالث على نفسه. ما نستطيع نشوف الأردن يعطش وعندنا من المياه ما يكفي كل الأمة. صحيح، المياه تجري في أرض العراق، ولكن للأردن حصة فيها بقدر ما يحتاج. الأردن له حصّة في كل ما يملك العراق، هذا ملك لكم. تأخذونه دون منّة من أحد. عندما تطلبون أكثر مما هو لكم، نقول لكم، "استنفدتم حصّتكم".. "يقول فالح الطويل: كان الحديث عظيما أخذ الجميع على حين غرّة، وجاء محمولا على أجنحة روح نعرفها منذ اليرموك وما قبل اليرموك مصنوعة في حمى تاريخ عربي مجيد لم تستطع الحادثات ولا الهزائم أن تخدشها.كان جلالة الملك سعيدا باللقاء. قال بعد انسحابه لجناحه الخاص في القصر، وكأنما كان يحدّث نفسه:
- يشعر المرء هنا أنه أمام نوع مختلف من القيادة لم نتعوّد عليه من قبل عام 1991، أرسلت للرئيس صدام حسين رسالة مكتوبة بدمي، كان عليّ أن أغطّ الريشة بشكل متواصل في الوعاء المملوء بالدم، لكي لا يجفّ الدم على الريشة، وقضيت الليل بطوله وأنا أكتب، وقد ساعدني في ملء الوعاء أحد الأطباء الأردنيين بعد أن استأذنني أن يخلط دمي بدمه لكتابة الرسالة، وهل يستحق الرئيس أقل من دمنا فداء له؟ وكان ما كان. وذهبت للسفارة العراقية آنذاك رغم كل المخاطر التي كان من الممكن أن تحدث لي، إذ كان زوجي السابق مسؤولا في الدولة الأردنية، وتلقّيت من السفارة صورة للرئيس وهو يصلّي على حدود المحافظة التاسعة عشر للعراق، الكويت. والصورة أضعها أمامي، ألقي عليها تحية الصباح وأدعو الله أن يفرّج كربنا بتحرير الرئيس وتحرير العراق. وأقول له يا سيّد الرجال وفارس الأمة، نحن معك في السرّاء والضرّاء، نحن معك، وأرددها عصبية جاهلية في وجه كل من يحقد على العراق، عراق صدام حسين:
وما أنا إلا من غزيّة إن غوت / غويت وإن ترشد غزيّة أرشد
الهائمون على أرصفة العروبة معك، فقراء الأمة معك، الشعوب العطشى للحرية معك.. معك.. معك..
ويسألونني.. لماذا كتب الرئيس لك قصيدة، أهي من أجل الكتب، وكنت قد أرسلت لسيادته ديوان المتنبي وشروحاته، ومقدمة ابن خلدون، والديوان الأخير للشاعر الكبير حميد سعيد. قلت ليس من أجل الكتب، ولكني مثل كل أبناء الأمة، أهديته جراحا نازفة..أهديته وجعا ممتدا منذ العدوان الغاشم على العراق ثم الحصار ثم الغزو ثم الأسر والتدمير. وأقول بصدق إنني أهديته مبراة (برّاي) لقلم الرصاص بعد أن حرمه الغزاة وعملاؤهم من الأوراق والأقلام. فرحت بالمبراة وأنا أستذكر أن قلم الرصاص منع من دخول العراق سنوات الحصار، وحرم منه أطفال العراق خوفا من أن يستعمل في إنتاج أسلحة دمار شامل.
ببساطة أهديته مبراة ليبري قلم الرصاص.
وأنا لا أعرف صدام حسين شخصيا، ولم أزر العراق أبدا، لكن كليهما كان ممتدا في شعاب الروح.. وفي خريطة القلب.. بتاريخه.. بحضارته.. بعظمته.. بأساطيره الخالدة، وكان يمتد بين فلسطين الروح والشام أهلي والأردن وطني والعراق مستقرّ القلب.. وكنت أراه، أرى الرئيس وأنا في فورة الشباب، أراه في عيون أبي،..كنت أركن بجانبه منذ بداية حرب العراق مع المجوس.وأذكر أنه يوم تحرير الفاو، قفز أبي عن كرسيه وهو يشرق بدمعه. كان وجه الرئيس في وجه أبي الذي علمني عشق عبد الناصر يوم كنت على مدارج الطفولة. ولم أر دمعة أبي إلا حين رحل عبد الناصر ثم دمعة الفرح لإنتصار العراق.
أيّها الرفاق الأعزّاء
يحتاج الإنسان دائما لركن حنون يسند إليه رأسه المتعب، فتقبلوني لأسند رأسي إليكم.
والله معكم
إنصاف قلعجي
7/4/2006