من النفط إلى الاقتصاد الحديث
بقلم: الدكتور لويس حبيقة/ باحث ومحلل اقتصادي من لبنان
تتعدى أهمية النفط بالنسبة لدول المنطقة حكما العوامل الاقتصادية، لتصل إلى العلاقات الاجتماعية والسياسية الوطنية والدولية، فالنفط هو مصدر مالي اقتصادي مهم للنمو ليس فقط في الدول النفطية وإنما في كل أنحاء العالم العربي. ليس هنالك بديل عملي عن النفط مما يجعل المنطقة العربية باحتياطها النفطي والغازي محط أنظار العالم. تؤثر التجارة النفطية منذ عقود على العلاقات السياسية بين الدول العربية والخارج، نذكر جميعا أسباب ونتائج الأزمتين النفطيتين في السبعينات ونتائجهما على العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية. المهم أن توظف الإيرادات المالية الكبيرة في الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي وفي بناء مؤسسات عامة حديثة كما في تأمين الاستقرار الاجتماعي، يساهم النمو في محاربة الفقر ونشر التنمية وفي تأمين فرص عمل كافية للشباب والشابات كما يخفف من هجرة الأدمغة.
هنالك أمثلة كثيرة في المنطقة وخارجها عن هدر أموال عامة وفساد واسع وفوضى كما عن توظيفات استثمارية غير مدروسة أعطت جميعها نتائج اقتصادية سلبية. خارج المنطقة وضمن المجموعة النفطية، تحقق نيجيريا مثلا منذ عقود نسب نمو ضعيفة بالرغم من الإيرادات النفطية الكبيرة وذلك بسبب الهدر وسؤ الاستعمال وإهمال الفرص الثمينة والفريدة. كما زاد سؤ توزع الدخل، إذ لم تنعكس البحبوحة الاقتصادية على أوضاع الفقراء. حصل نفس الشيء في فنزويلا وان كان بدرجات مختلفة أقل سؤا وخطورة، لكنها أنتجت فوزا انتخابيا رئاسيا لليسار مع شافيز. تحقق ذلك بالرغم من الإيرادات الكبرى التي تحلم بها كل الدول النامية والناشئة. في الدول العربية المصدرة للنفط، استعملت الموارد المالية بشكل أفضل إلا أنها لم تنعكس إيجابا كليا على المؤشرات الإنسانية والاجتماعية، فالفقر والبطالة والتنمية ما زالت جميعها مشاكل كبرى تعيق تطور العالم العربي. لا شك أن دولا عديدة بينها لبنان ومصر استفادت من الطفرة النفطية عبر تحويلات المواطنين العاملين في الخليج.
جميع التوقعات بشأن أسعار النفط كانت خاطئة بسبب التغيرات الهيكلية التي لحقت بالسوق. تعدى ارتفاع سعر النفط الاسمي نسبة ال 40% في سنة 2005. أخطاء المتوقعون كذلك في تقدير تغيرات الطلب والعرض كما في مستوى التخزين عالميا وفي الغرب. حققت الدول النفطية إيرادات إضافية كبيرة يجب استثمارها بجدوى في الاقتصاد العربي وخارجه. حققت الشركات الأجنبية المتخصصة أيضا أرباحا كبيرة حولت معظمها إلى دول المنشأ، ساهمت هذه الأموال الإضافية في تحريك الأسواق المالية في الخليج ولبنان وغيرهما، فارتفعت مؤشرات الأسهم إلى مستويات جديدة ربما تكون مؤقتة. من واجب الحكومات ووسائل الإعلام العربية تنبيه المواطنين إلى إمكانية هبوط الأسهم حتى لا تتكرر تجربة سوق المناخ وحادثة سقوط مؤشر الأسهم في أميركا سنة 2000 كما غيرها من التجارب العالمية الموجعة. ما يجب ذكره هو أن الدول المستوردة للنفط (كالولايات المتحدة والصين والهند) استطاعت، بفضل ارتفاع الإنتاجية وحسن استعمال التكنولوجيا وتطويرها، أن تحافظ على درجات نمو عالية بالرغم من ارتفاع التكلفة النفطية الاستيرادية.
إذا اعتمدنا الإحصائيات الدولية المتوافرة، نرى أن النمو العالمي المتوقع لسنة 2006 سيكون في حدود 4,4%، منها 2,7% لمجموعة الدول الصناعية بينها 3,2% للولايات المتحدة و 2,6% لليابان و 1,7% للمجموعة الأوروبية. سيستمر الطلب على النفط قويا (أي يرتفع دوليا من 83,05 مليون برميل يوميا في سنة 2005 إلى متوقع قدره 84,51 في 2006) وبالتالي فالضغط على الأسعار سيكون مرتفعا في حال تجاوب العرض أم لا. من المتوقع أن يرتفع استهلاك النفط في الدول الصناعية من 49,63 مليون برميل يوميا إلى 50,03 هذه السنة. في الدول النامية، سيرتفع الاستهلاك من 22,13 مليون برميل يوميا في سنة 2005 إلى 22,72 هذه السنة. أما في الصين، سيزداد الاستهلاك من 6,54 مليون برميل يوميا السنة الماضية إلى 6,93 هذه السنة. تحولت الصين خلال عشرين سنة من مصدر للنفط (الأولى في شرق أسيا) إلى ثاني أهم مستورد له. خلال سنة 2005، استوعبت الصين ما يعادل 31% من الزيادة الاستهلاكية النفطية العالمية مما يشير إلى الدور الاقتصادي المتزايد للماكينة الصينية المتنوعة. حوالي 45% من الاستيراد النفطي الصيني ينبع من الشرق الأوسط (11% من ايران وحدها) وبالتالي سيزداد تدريجيا تأثيرها السياسي في المنطقة.
في الإنتاج لا يمكن توقع زيادات كبيرة إذ أن مجموعة الدول المصدرة للنفط "أوبيك" تنتج في حدود الأقصى الممكن. زاد إنتاج المجموعة من 29 مليون برميل في اليوم في سنة 2004 إلى 29887 في سنة 2005 والى أرقام مشابهة في الفصل الأول لهذه السنة. أما الدول الأخرى، فمن المتوقع أن يزداد إنتاجها من 54,41 مليون برميل في اليوم في سنة 2005 إلى 56,08 هذه السنة. بما أن الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة استعملت بعضا من احتياطها الاستراتيجي لمواجهة الطلب الداخلي، من المنتظر أن تعيد الاحتياطي إلى المستويات السابقة للأسباب التي وجد من أجلها. لذا تشير توقعات العرض والطلب إلى بقاء الأسعار ضمن الهوامش الحالية التي اعتاد عليها الجميع، وبالتالي ستتمكن الدول النفطية من تحقيق إيرادات جديدة يمكن استثمارها في الاقتصاديات العربية.
انضمام العديد من الدول العربية، آخرها المملكة العربية السعودية في الشهر الأخير من السنة الماضية، إلى منظمة التجارة العالمية هو دليل على تطور المؤسسات وعلى الرغبة العامة في تحديث الاقتصاد والوعي لأهمية المشاركة في العولمة. نأمل أن يتحول لبنان من عضو مراقب الى عضو فاعل السنة القادمة على أبعد تقدير. ما يقلقنا هو أن التحضيرات لانضمام لبنان إلى المنظمة، بالرغم من جديتها، تبقى غير كافية على المستويين العام والخاص لتأمين الجهوزية الكاملة. عربيا، المطلوب اليوم وأكثر من أي وقت مضى وضع القوانين التي تحمي حقوق المستثمر أيا كانت جنسيته وبالتالي ايجاد أجهزة قضائية فاعلة ومستقلة لفض النزاعات الناتجة عن الاستثمارات والعقود. حماية الملكية الفكرية مهمة جدا لتأمين انتقال التكنولوجيا والمعرفة بسرعة الى المنطقة.
لا بد لهذه الإيرادات النفطية من أن تنفق في المكان والتوقيت المناسبين. لن يكون هذا ممكنا في غياب أنظمة وقوانين تفرض الشفافية وتحاسب المقصرين والفاسدين. فالبنية التحتية بحاجة إلى استثمارات دورية تأمينا لتحديثها وتطويرها وتشغيلها كما يجب. في إحصائيات المؤسسات الدولية يتبين أن المشكلة الأساسية أمام الاستثمارات الخاصة هي التمويل. لذا يجب توفير قسم من الإيرادات النفطية الجديدة لتمويل الاستثمارات الخاصة بفوائد متدنية. يمكن للحكومات المعنية أن توجه الاستثمارات، كما فعلت دول شرق أسيا منذ عقود، إلى قطاعات معينة تحفيزا للتنوع الاقتصادي. فالدعم والحماية ضمن أنظمة منظمة التجارة العالمية ممنوعان عموما، إلا أنهما يمارسان من قبل كل الدول وفي مقدمها الولايات المتحدة (مثلا الضريبة على الفولاذ الأوروبي كما على بعض المنتجات الصينية). المهم درس ماذا وكيفية ومدة تمويل أو دعم أي قطاع حتى لا تحتج المنظمة. لا يمكن تمويل النمو إلا عبر أسواق مالية شفافة وفاعلة أي عبر اغنائها بالمؤسسات والأدوات التي تسمح بتلبية كافة حاجات المواطنين والشركات. أخيرا يجب الاستفادة من الإيرادات النفطية لتمويل التعليم الابتدائي كما المهني والتقني بالإضافة الى الصحة العامة الحديثة والتغذية المناسبة التي تؤسس جميعها على المدى الطويل لبناء اقتصاديات تنافسية وذات إنتاجية عالية.