وقفة أمام المقالة الأخيرة للمفكر الأمريكي فوكوياما

حمدان حمدان/كاتب وباحث من فلسطين المحتلة يقيم في سورية

تزودنا المقالة الهامة الأخيرة للمفكر الأمريكي المعروف فرنسيس فوكوياما، بعنوان (ما بعد المحافظية الجديدة) والمنشورة في مجلة "نيويورك تايمز ماغازين" شباط (فبراير) 2006 بشريط طويل وتاريخي، عن الموروث الفكري لجماعات "المحافظين الجدد"، حيث انبثقت الجذور من مجموعة استثنائية من المثقفين (وشريحة واسعة منهم من اليهود الذين مروا بـ(سيتي كوليج أوف نيويورك)من منتصف وأواخر الثلاثينات من القرن الماضي) ويذكر منهم ايرفين كريستول ودانييل بيل وايرفنغ هو وناثان غلازير.. وكان يتلخص الإرث الأكبر لهذه المجموعة، بمعتقد مثالي يذهب إلى تحقيق تقدم عالمي اجتماعي، والدفاع عن حقوق الإنسان، مقرونة بمعاداة (تروتسكية) للشمولية الستالينية المطلقة إلى درجة الوحشية.

وقد مثل المحافظون الجدد في بكورة نشأتهم، تيارا يساريا معاديا للشيوعية الدولية، ومناصرا للأهداف الاجتماعية كما تفهمها التروتسكية الماركسية، ثم ما لبثت أن انكفأت تحت وطأة فظاعة النتائج غير المقصودة، لأنظمة تتحدث عن فرض العدالة الاجتماعية بقسوة أمنية لا حدود لطغيانها، ثم توصلت المجموعة عبر صحيفتها آنذاك، (ذا بابلك انترست 1965) إلى أن الهندسة الاجتماعية المفروضة من قبل الشيوعيين، غالبا ما تركت المجتمعات في حال أسوأ بكثير مما كانت عليه قبلها . ومن جديد، فأن النتائج التطبيقية لنظام ستاليني شائع، يعطي الدفعة بجدارة النظر في تأويل سقوط الماركسية الشيوعية، وفيما إذا سقطت الشيوعية أم الشيوعيون، الذين باتوا، مع ذلك، يتسربون إلى الحياة السياسية من جديد، وان العدالة مطلب أنساني منذ فجر التاريخ سواء كانت أفلاطونية أم ماركسية.. وعلى التوازي، ومن خلال فظاعات النتائج المدمرة، لنظام كلياني مطلق، يدعي العدالة ثم آل إلى السقوط، فقد أغلق التاريخ، على نهاية سعيدة، فهمناها كتوق عالمي جارف نحو الحرية، مما سيؤدي حتما إلى شيوع ديمقراطية - ليبرالية حيث الحركة العالمية تتزايد سرعتها لصالح هذه الديمقراطية.. ويصحح صاحب الفكرة (فوكوياما نفسه) هذا الفهم المغلوط الناجم عن التباس (ربما متعمد من المحافظين أنفسهم) في قراءة كتابه المعنون (نهاية التاريخ) فهو كما يؤكد ليس دعاية سياسية للمحافظين الجدد، رغم أنني كنت تلميذا لأحد عمالقتهم آلان بولم، الذي هو تلميذ بدوره لشيخ المحافظين الجدد ليفي شتراوس لكن كتابي يشكل قراءة مطلوبة بخصوص الحداثة، فما هو عالمي بالأساس ليس الرغبة العالمية بالديمقراطية التي يتوجب على التاريخ أن ينغلق عليها، وإنما الرغبة في العيش في مجتمع محدث، أي متقدم تكنولوجيا ومزدهر، وهو ما يميل إلى تحفيز مطالب المشاركة السياسية ويضيف إن الديمقراطية - الليبرالية هي إحدى النتائج الثانوية لعملية التحديث في سياق تقدمها التاريخي.

المحافظون الجدد، فهموا تاريخ فوكوياما، على انه انغلاق التاريخ على آخر الأنظمة (الأيديولوجية) في مسيرة الإنسانية، إلا وهو نظام الرأسمالية الليبرالية الغربية، وربما بالأخص شكل النظام السياسي في أمريكا، ذات القوة الأحادية في العالم، ومن هنا، جاءت النظرة الأحادية للديمقراطية (كسبب جوهري لاندلاع الإرهاب في جزء حساس من هذا العالم) ففقدان الديمقراطية، هو المسبب للخراب والإرهاب، وقد استنبت المحافظون الجدد، فكرة غريبة تتمحور حول مقولة (الهيمنة الخيرة) بغرض جلب الديمقراطية إلى الآخر، وهي ثقافة تسليع قائمة على مفهوم التجارة الأمريكية. وقد كتب بارزون مثقفون من أمثال الكتاب تشارلز كروتامر، وروبرت كاغان، ووليم كريستول.. آيات من البينات والمقالات، وكلها تجول في ممارسة قوة طيبة (أي أنها تطلق النار بقفاز من حرير)، على الأنظمة الشمولية مع شعوبها، ولأن العديد من أجيال الحروب في أوروبا، ما زالوا على قيد الحياة، فقد استدارت الوجهة الأمريكية نحو ذرائعيات اشد بؤسا من الحرب الأخيرة في احتلال العراق، ولا يمانع الرئيس بوش من الانتقال من مرتبة النبوة، إلى مرتبة الفلسفة، حين يؤدلج لتماه إلى درجة الاتحاد العنصري، بين ما هي مبادئ وولسونية ومصالح كيسنجرية في عالم الداخل الأمريكي اليوم، أي أن المصالح لا تخرج من فوهة مدفع، بل من وصايا كنيسة مباركة، وعليه فأن المصالح والمباديء، متحدان جمعيان، كفطيرة تفاح أمريكية باركتها تلاوة من العهد القديم (بأورغ القس روبرتسون) حامل الوحي من الأب الأعلى.

على الأرض فقد استسهل "المحافظون الجدد" إرساء "الديمقراطية" من نبوءة الهيمنة الخيرة على العراق (وقبله أفغانستان) وبأقل الآلام، من خلال استنتاج مثقل بالأخطاء الميكانيكية، فقد عارضوا سهولة سقوط الاتحاد السوفييتي، القوة القطبية الموازية آنذاك، بهشاشة النظم الديكتاتورية من داخلها، واتخذوا مثلا بسقوط نظام تشاوشيسكو السهل في رومانيا، ثم ما عتموا أن عمموا التجربة ابتداء من المربع الأول، أو ما سمي بفلسفة التدمير الخلاق، وفي المخيال الأمريكي فأن ما نجح في روسيا وأوروبا الشرقية.. يمكنه أن ينجح في "الشرق الأوسط الكبير"، وقد رسمت هذه المخيلة، خطا استقطابيا حادا (خاصة بعد أحداث أيلول) بين معسكرين على شكل حرب عالمية ثالثة تتمثل في قوي الخير وقوي الشر، الاولي مع الديمقراطية والثانية لصالح الإرهاب، أما السببية العميقة والجوهرية لدوافع الصراع، بغض النظر عن توصيف المحاور، فإنها ما زالت غائبة عن التفكير السياسي الأمريكي بصورة عامة، فالإرهاب حتى وفق المقولة الفوكويامية الجديدة، ما زال حدثا هابطا من فراغ الأسباب، فهو يدعو مثلا إلى تجريد الحرب العالمية على الإرهاب من طابعها العسكري والانتقال إلى نوع آخر من أدوات السياسة دون ذكر لتاريخ استعماري بالقرون واستيطاني "اسرائيلي" بالعقود، أما ما حدث في أفغانستان والعراق، فهي استطالة سببية إضافية لانتشار العنف أو ما تسميه الإدارة بالإرهاب.

وتقع نصائح فوكوياما، وحتى نقده الشديد للسياسات الخارجية الأمريكية في خانة الحرص على سلامة الولايات المتحدة، وليس نظرة العدالة لصالح الشعوب المقهورة من قبلها، فهو ينصح بان الصراع ضد الإرهاب، لا يحتاج إلى تجريد حملات عسكرية تخوض حروبا ضد جبهات شبحية، لا مكان لها أو زمان، بل (بمنافسة سياسية على قلوب المسلمين العاديين وقلوبهم).

أما الأحداث الأخيرة التي انطلقت من الدنمارك فهي مؤشر مشؤوم، سيضع أوروبا في ساحة قتال مركزية لا نهاية لدمائها حسب قوله. ويحاذر فوكوياما من أن العراق حتى اليوم، مكان أفغانستان كمغناطيس وأرض للتدريب بقاعدة "جهاد المجاهدين والإرهابيين" بوجود الكثير من الأهداف الأمريكية لإطلاق النار عليها.. لكن فوكوياما لا يتحدث عن مئة ألف عراقي وعراقية، قتلوا منذ غزو العراق وحتى اليوم، ويتحدث عن فرصة لخلق ديمقراطية عراقية يهيمن عليها "الشيعة" فيما لا يسعفنا الفهم باقران ديمقراطية مع هيمنة "شيعية"! ولا يشرح لنا، كيف أن الشعب العراقي حقق فوائد واضحة من إسقاط "ديكتاتورية صدام" وفيما إذا كانت (الفوائد الواضحة) هي في الفوضى والقتل على الغارب، أم هي في الثمانين بالمئة من اليد العاطلة عن العمل، أم هي في فقدان الماء والكهرباء وإغلاق الأبواب مع المغيب، أو قراءة الفاتحة على النفس الحية التي يمكن لها أن تموت بعد دقائق من الخروج من المنزل، أو لعلها تموت مع أسرتها داخل المنزل نفسه، فيما جميع الجرائم تسجل ضد مجهول.

لقد زودتنا مقالة فوكوياما الجديدة، بما يقع في جوهر المحاكمات المنطقية الغريبة للمحافظية الأمريكية الحاكمة اليوم، فهي تستغرب انه حتى مع الهجوم الديمقراطي الأوسع، فقد قامت "جماعة الإخوان المسلمين" بعرض قوي في الانتخابات المصرية الأخيرة، وأن المد الإسلامي المتطرف، رفع رئيسا لايران، وان صعود الكتلة الشيعية في العراق، كان العنوان الأبرز، لنتائج ديمقراطية متخيلة في العراق، وأن الطامة الكبرى كانت في نجاح الأصولية الفلسطينية المتمثلة في منظمة حماس، التي هدفها بحسب التنظير الإعلامي اليهودي - الأمريكي المتفوق، هو تدمير "اسرائيل" وليس تحرير فلسطين.

وفي جميع الأحوال، فأن السؤال يبقي قائما إذ ما العمل مع ديمقراطية مفترضة، لكنها جلبت أعداءها إلى حياضها؟! وأين كان الخلل؟! ويستدرك فوكوياما، في قراءة حديثة لكتابه العالمي، نهاية التاريخ ، بأن المطلوب العالمي، حسب وجهة الكتاب، لم يكن هو الديمقراطية الليبرالية بل تهيئة الأرضية لدخول الشعوب في الحداثة، والديمقراطية بدورها هي ناتج هذه الحداثة، وليست بالضرورة سببا لها، وقد عبرنا عن هذه الفكرة في كتابنا العراق وثمن الخروج من النفق حيث نشرت القدس العربي فصولا منه، وتدور الفكرة الرئيسية فيه، حول الحداثة، أي الدخول في العصر، من حيث هو مبتدأ النهضة بصفتها صراعا ضد الأفكار والبنيات التحتية المتخلفة، وقد صادف في التاريخ، إن بدايات القرع على أبواب الحداثة، إنما جرى وفق نموذجين لجهة طبيعة النظام السياسي فالنموذج الغربي كان معروفاً من حيث انطلاقاته المديدة، في التحويلات الثورية، للأفكار وأساليب الإنتاج ونهوض المؤسسات والمجتمعات المدنية والثورات الاجتماعية والفكرية.

أما النموذج الثاني، فقد ابتدأ من عل، أي من الدولة ذاتها، وهو ما يطلق عليه تجاوزا بالنموذج الآسيوي، فالحداثة في اليابان بدأت من الإصلاحي الأول، الإمبراطور مايجي، ولولا أطماع القرن الاستعماري (فرنسا + بريطانيا) في المنطقة لكانت تجربة النهضة الحداثوية في مصر، قد نجحت على يد محمد علي باشا، كذلك الأحوال نفسها بتفاوت الظروف والشروط والأزمنة.. وطبيعة العامل الخارجي (أمريكا + "اسرائيل") بهجماته المباشرة لتحطيم الحلم التاريخي في الخروج إلى العصر، وإسقاط دولتي المشروع في مصر عبد الناصر وعراق صدام حسين، لقد سبق لصموئيل هنتنغتون صاحب "صراع الحضارات" والمنافس القوي لفوكوياما، أن اعتبر في العام 1968 (كان شابا آنذاك) بأن النموذج التصديري للديمقراطية الأمريكية، يكون أحيانا أشبه بزراعة النخيل في ألاسكا، وعزا أن الإخفاق الأمريكي قد لا يعود إلى العقلية اليمينية الأمريكية بصورة عامة، بل والأدق إلى الاستهتار الأمريكي بأشكال التطور السياسي تاريخيا، ويضيف في أطروحته من التغيير إلى التغيير في العام المذكور أعلاه (1968) تاريخيا فأن الأمريكيين استمتعوا بثمار الديمقراطية من دون أن يعانوا عذابات الوصول إليها.. فأمريكا ولدت بحكومة ومؤسسات وولايات بفعل جهود آبائهم البريطانيين منذ القرن السابع عشر. فالتحرك نحو الديمقراطية، يعني جملة الجهود التي تؤدي إلى نجاحها، ولا شك أن الحداثة هي العتبة الأولى لبلوغ الهدف على الطريق الطويل، فالمشكلة المتميزة تحليليا ذات الصلة بالأمر، إنما تتصل ببنية الموقع الذي نتكلم منه، فمن علامات الديمقراطية بمعني الحداثة السياسية وعقلنة النظام، إنها تقتضي رفع منسوب الوعي المجتمعي، وهذا بدوره يتطلب استبدال عدد كبير من السلطات التقليدية والمذهبية والعرقية والعائلية.. ويتدرج مع ذلك بالتزامن مع جهد المسار نحو تنمية اقتصادية مواتية، تقاس بمستوى نصيب الفرد من الناتج الوطني، ومستوي التقدم في التصنيع، والتعليم والصحة والمتاح من المستشفيات والأطباء والمدارس والجامعات.. وسائر الخدمات الحياتية الأخرى.. وكلها مجهودات ذاتية وليست خارجية.

ويضيف هنتنغتون بأن عملية الحداثة بغاية الدمقرطة إنما هي الجسر الفاصل بين مجتمعين الأول ما زال يحبو مع التاريخ البدائي للإنسان، والثاني في حالة صراع مع الفضاء.

والسؤال، كيف يمكن لنخبة ذات كعب في الثقافة الأمريكية العالية، أن تفوتها بدهيات التطور السياسي في تاريخ الشعوب، أم أنها حقائق المصالح التي لا يساوي معها تاريخ الشعوب، بأكثر من رشفة (براندي) إلى جانب موقدة حطبية؟! ننتظر مكر التاريخ بحق الإمبراطورية الجديدة في هذا العالم.