الكوميديا والمسخرة!!!

"مصيبة" الرئيس المصري عندما يتحدث في الشأن العراقي

د. فؤاد الحاج

من غير المنطقي أن لا يتحدث أي رئيس أو أي حاكم عربي عن الشأن العراقي سلباً أو إيجاباً، كل بحسب ميوله والمحفل الصهيو- دولي – أمريكي الذي ينتمي إليه، ومن غير المنطقي أيضاً أن لا يكون الشأن العراقي موضع بحث كل المهتمين بالشأن القومي وحال الأمة من وجهة نظر عربية أصيلة شاملة، كذلك من غير المنطقي أن لا يكون الوضع في العراق موضع بحث واهتمام كل القوى الحرة والشريفة في العالم التي تعاني دولها من ويلات أحادية القطب الأمريكي وما نسميه محور الشر الصهيو-أمريكي. بل أن المصيبة تكمن في التزام كل أولئك الصمت حيال الشأن والوضع في العراق بعد انكشاف أكاذيب وخداع إدارة الشر في واشنطن بقيادة المنافق بوش الصغير قبل وبعد غزو العراق واحتلاله، وأنه مطلوب أن يتحدث عن الشأن العراقي كل الحكام الناطقين بالعربية وفي مقدمهم حاكم مصر وحكام بلاد نجد والحجاز وكي لا أطيل وأكيل بالوزن الثقيل من الكلمات أقول أن حديث الرئيس المصري المتلفز لقناة "العربية" بداية الأسبوع الحالي كان بحد ذاته مصيبة مثلما هو مصيبة على مصر العروبة وعلى الأمة العربية ولا أقول الأمة الإسلامية لأنه لا يحسب عليهم لأسباب يعرفها القاصي والداني خاصة شعب سوريا الذي ناداه بصفته الحقيقية خلال المظاهرات التي قام بها إبان فترة العدوان الغاشم ضد العراق قبيل الغزو والاحتلال، وهذا ليس موضوعنا اليوم، لذلك أردد ما قاله عدد كبير من الكتّاب الوطنيين المهتمين بالشأن العراقي أنه إذا كان لا بد من الحديث عن الوضع في العراق لا بد أن يتسم الحديث بالموضوعية والحقائق التاريخية والواقعية من أجل حل قضية الأمة في العراق التي تبناها كل الأحرار والشرفاء في العالم، من هنا أذكّر بما قاله وأعلنه الرئيس "المبارك" إبان فترة غزو العراق حيث طالب قوات الغزو بأن تنهي مهمتها في العراق بسرعة قبل أن تهب الجماهير ويصعب السيطرة عليها!!. ولن أذكر هنا أيضاً بدور أجهزة استخباراته قبل وأثناء غزو العراق واحتلاله، وغير ذلك مما يعرفه كل المهتمين والمتابعين لمجريات الوضع في العراق.

واليوم نجد أن الرئيس المصري يردف حديثه بالكثير من الكلام الذي يدعو بطريقة غير مباشرة إلى تكريس المذهبية والطائفية ليس في العراق فحسب بل في أرجاء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج بغض النظر عن حقيقة سيطرة الفرس والصفويين وأحفاد العلقمي على العراق، التي لا ولن تدوم مهما طال الزمن ولنا في تاريخ العراق عشرات الوقائع والحقائق وأنه سيتم تجاوز هذه المرحلة بفضل وعي العراقيين الوطنيين القوميين، مع أنه كان من المفترض فيه أن يذكر قوى الشر الصهيو-أمريكية ودور أجهزة "الموساد" في مجريات الأحداث ودورها في التدمير والتفجير وسرقة الآثار والشواهد الحضارية والملفات والوثائق التاريخية!

وهنا تستوقف المراقب في حديث الرئيس المصري عدة رؤى أذكر منها بحسب ما أعلنه مبارك "أن انسحاب القوات الأمريكية من العراق الآن سيشكل "مصيبة"، وأن "الشيعة" في العراق هم 65 في المئة من السكان، وأن ولاءهم، وولاء أغلبية "الشيعة" في العالم العربي لإيران!!!.

ما يجب أن يقال ابتداءً هو أنه إذا استثنينا "مؤتمر حوار القاهرة بين القوى العراقية"، والذي جاء ربما بطلب أمريكي مباشر، أو أقله بموافقة أمريكية لأن هكذا "مؤتمر" لا ولن تسمح به أمريكا خاصة وأن عدد من المشاركين فيه هم مجموعات لم تأتي على ظهر الدبابة الأمريكية ونجحوا فيه بشق صف العراقي، وقد اكتشف هؤلاء ذلك لاحقاً وأنهم استعملوا من أجل تمرير المخطط الصهيو-أمريكي في العراق فتراجع عدد منهم وأعاد النظر في ذلك "المؤتمر" بعد خروج البيان الرث المضمون لجهة التناقضات التي احتواها، فإذا استثنينا ذلك "المؤتمر"، نجد أن الحضور المصري، والعربي عموماً في الشأن العراقي يبدو هامشياً، فلماذا يعلن الرئيس المصري ما أعلنه في هذه الفترة التي تحاول قوى الشر محور الشر الصهيو-أمريكي أن تجد مخرجاً لها للهروب من العراق؟!، في الوقت الذي نجد فيه أن الغياب المصري والعربي عموماً ليس محصوراً في الشأن العراقي، إذ أنه يمتد ليشمل الملفات العربية الحساسة، وعلى رأسها فلسطين ودارفور، ولبنان وسوريا والجزر العربية الثلاث في الخليج العربي وغيرها من قضايا شائكة وحساسة!، ولنفترض جدلاً أن الوضع العراقي هو الأكثر خطورة في هذه المرحلة وهو كذلك، ولكن، أن يعلن الرئيس المصري "أن الحرب الأهلية الطائفية في العراق لا يمكن أن تبقى محصورة بداخله، وإنما ستمتد لتصل نيرانها إلى مختلف دول المنطقة المدججة بالكثير من التناقضات العرقية والمذهبية"، فذلك لا يعني سوى قمة الهزال العربي الرسمي عموماً، والمصري على وجه الخصوص ممثلاً في الخوف المبالغ فيه من السطوة الأمريكية، لأنه لو أن النظم العربية الرسمية تريد الخروج من هذه الحالة ما عليها سوى الرضوخ لمطالب الجماهير في التخلص من الفساد وحكم الوراثة، وتحقيق تطلعاتها في العيش الكريم في وطن حر سيد مستقل بكل ما في الكلمة من معنى.

وبعودة إلى عناصر حديث الرئيس المصري، نقول إن مقولة أن انسحاب القوات الأمريكية من العراق الآن "مصيبة" لم تزل تتردد على لسان السيد الرئيس وأعوانه منذ الاحتلال وإلى الآن، ولا ندري متى سيكون انسحاب تلك القوات نعمة وكيف؟!!، وهل يعني ذلك أنها الآن في مهمة إنسانية عنوانها منع العراقيين من قتل بعضهم البعض!!، مع أننا لم نعرف في تاريخ العراق قتلاً على الهوية كما يحدث هذه الأيام؟! ولم يقل لنا السيد الرئيس ما هو بديل "المصيبة" القائمة، وكيف يمكن للعراق أن يخرج من مأزقه، وكيف يمكن للمنطقة أن تتجنب الحرب الطائفية؟

في الجانب الآخر، بدا غريباً بالطبع أن يقول زعيم أكبر دولة عربية أن نسبة الشيعة في العراق هي (65) في المئة، وهي نسبة تكذبها الوقائع على الأرض حيث أنه لا يوجد في تاريخ العراق لا القديم ولا الحديث أي إحصائية رسمية تثبت صحة هذه النسبة المئوية، وإذا قبلنا جدلاً ما سمي بـ"الانتخابات"، و"الاستفتاء على الدستور" المرفوض، فأن ذلك يثبت ذلك أن "الشيعة" لا يتجاوز عددهم نصف سكان العراق!. ثم، لنفترض أن نسبة ما أعلنه الرئيس المصري صحيحة، هل من المنطق أن يصار إلى وضعهم، ومعهم جميع أتباع الطائفة الشيعية في البلاد العربية جملة وتفصيلاً في سلة إيران، وبما ينطوي على ذلك من تشكيك في ولائهم الوطني والقومي، ولست أدري ما إذا كان الرئيس المصري يتحدث وهو واع لما يقوله وأن الحديث على الهواء مباشرة قد أخذه ولم يعد بإمكانه التراجع عنه، مع أنه كان من المفترض أن يعرف مسبقاً فحوى أو موضوع الحوار الذي ستجريه تلك الفضائية ليحتاط ويسأل مستشاريه إذا كان يأخذ برأيهم، وفي حال عدم وجود مستشارين، على الأقل كان من المفترض فيه أن يسأل أجهزة استخباراته عن حقيقة الوضع في العراق، الذين يعدون التقارير المطولة عن كل شاردة وواردة عن كل من يكتب أو يقال يعتقدون أن فيه مس بالسيد الرئيس وبهيبة الدولة إن في مصر أو في أرجاء العالم، مع العلم أن معظم وكالات الأنباء نقلت الكثير من التقارير الإخبارية عن دخول ملايين الفرس الناطقين بالعربية بألفها الممدودة ويائها المكسورة من خلال الناطقين بها إن في البصرة أو في بغداد خاصة في ما سمي "الانتخابات" الأخيرة حيث تم إدخال ملايين البطاقات الانتخابية لأتباعهم من أجل تغيير ديموغرافية الواقع، وهذا لوحده دليل كاف على أن الفرس يلعبون لعبتهم القذرة في السيطرة وتغيير الوقائع على الأرض في عراق العروبة والحضارات، ثم أن التناقض الفارسي العربي يتجاوز التناقض الطائفي لولا الحشد المذهبي القائم حالياً، بدليل تمرد عرب الأحواز على إيران وهم "شيعة اثني عشرية"! مع أن الأصل يجب أن يكون هو الوحدة بين جميع المسلمين بعيداً عن العصبية والمذهبية.

دعونا نفترض أن هذه المقولة صحيحة أيضاً، وأن ولاء أغلبية "الشيعة" في العالم لإيران! هل يتطلب ذلك الهجاء وإثارة العواطف، مع ما ينطوي عليه ذلك من استعداء "للشيعة"، أم أن المطلوب هو فتح قنوات حوار من أجل مصلحة العراقيين ووحدة بلادهم، ومن أجل المصالح المشتركة للجميع، لاسيما أن الحرب المذهبية في المنطقة لن تكون في مصلحة إيران، ولا في مصلحة المسلمين عموماً، ولن يربح منها سوى أعداء الإنسانية ومحور الشر الذي تقوده إدارة بوش الصغير المتربص بالجميع.

وأخيراً هل يعلم الرئيس المصري أن قوى المقاومة الوطنية العراقية تضم أعداد كبيرة من "الشيعة" كما من باقي مختلف الطوائف والمذاهب في مناصب قيادية مختلفة، وأن القوى الوطنية العراقية كما أبناء شعب عراق الحضارات والتاريخ لم يعرفوا في تاريخهم المعروف معنى الطائفية والمذهبية.