البعث كطائر العنقاء ينهض من جديد

فالح حسن شمخي/مالمو - السويد

حزب البعث العربي الاشتراكي كائن حي ينمو ويتطور ويمر بمراحل وفواصل تاريخية في حياته الجهادية والمرحلة التاريخية التي يعيشها الحزب اليوم مرحلة تاريخية خطيرة ومرد الخطورة إلى الأوضاع التي تعيشها امتنا العربية المجيدة، فالأمة تعيش في الوقت الحاضر وللأسف حالة شاذة حيث الفساد والجهل السياسي الذي وصل ذروته بحالة النكوص التي يعيشها هذا القطر أو ذاك حيث تفشت به الطائفية والعشائرية والفئوية الأمر الذي يجعل أبناء الأمة النجباء يتناخون للجهاد في سبيل إعادة الأوضاع إلى نصابها الصحيح وفي مقدمة هؤلاء كوادر وأعضاء حزب البعث العربي الاشتراكي على امتداد الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج، إن المرحلة التي تمر بها امتنا وحزبنا تتطلب نضالا مريرا، شاقا، منظما لا يعرف الكلل والملل، نضالا تتكافل فيه جميع القوى النضالية في حركة واعية تدرك تمام الإدراك مبلغ خطورة هذه المرحلة حيث الصراع الوجودي بين قوى التحرر والانبعاث المتمثلة بحزب البعث العربي الاشتراكي والقوى القومية والإسلامية الحليفة المتخندقة في خندق جهادي واحد كما هو الحال في العراق وفلسطين والأحواز وبين قوى الشر التي يمثلها مصاص الدماء الأمريكي وتابعيه والقوى الشعوبية التي يقودها المجوسي الصفوي وأذنابه والفاسدين من أبناء الأمة بعقليتهم الراكدة وتفكيرهم الشاذ.

إن المرحلة التاريخية اليوم تفرض على رجال هذه الأمة،  رجال البعث العظيم وعي وتفهم عظم المهمة التي اقسموا على تحملها وهم يؤدون قسم عضوية الحزب، مهمة حزب البعث العربي الاشتراكي، ولعل أول ما تتطلبه من البعثي فيما تعارفنا عليه "الانقلاب على الذات والمجتمع" هو مقابلة الفوضى بالتنظيم المحكم الذي يستطيع من خلاله تحقيق أرادته الحرة، الكريمة،العزيزة، المستقلة في الحياة ولذلك نرى لزاما على جميع البعثين أن ينموا في نفوسهم حب التنظيم وان يقاوموا بعنف قوى الواقع الفاسد التي تحاول جرهم إلى الفوضى في الجهاد والعمل والتفكير، التغلب على كل ما هو شاذ وفاسد يأتي عبر الإيمان العميق بأن التنظيم جزء لا يتجزأ من عقيدة حزب البعث العربي الاشتراكي، والتنظيم القوي الحديدي هو من يساعدنا على مجابهة قوى الشر وضربها ضربات عنيفة وهذا ما يحصل اليوم في العراق الأشم.

تنتشر أفكار حزب البعث العربي الاشتراكي اليوم بين الشباب العربي المجاهد المؤمن كما كان عليه أيام التأسيس حيث القائد المؤسس الرفيق احمد مشيل عفلق ورفاقه الأوائل  مع فارق في التجربة الجهادية التي حولت العفوية إلى وعي والبراءة إلى ذكاء  و قائد المسيرة الجهادية للبعث اليوم هوا لرفيق المجاهد صدام حسين فك الله آسره الذي يعطي دروسا في النضال والصلابة والثبات على المبادئ وهو يمر بما يمر به،  وان الحزب وأعضاءه  يتعرضون اليوم إلى امتحان وجودي عسير ولهم الغلبة بعون الله، وحتى يتمكن شباب البعث  والشباب العربي المجاهد من تجاوز محنة اليوم لابد لهم من العودة إلى تجربة البعث النضالية عبر أعوامه المنصرمة للاستفادة من الدروس المستنبطة لتكون لهم عونا في المرحلة التاريخية التي نمر بها اليوم.

لماذا حزب البعث العربي الاشتراكي؟

من يتفحص التاريخ القديم والحديث يجد إن الوطن العربي كان وما زال مسرحا للكثير من الحركات السياسية الفاعلة في الوطن العربي الكبير باختلاف منطلقاتها ومنشأ أفكارها ومبررات نشؤها ولكن الملفت للنظر إن هذه الحركات بدل من أن تتوسع بالتفاف الجماهير حولها وحول أفكارها ضاقت دائرة نشاط هذه الحركات ومنها الحركات الأممية والقومية اللاشتراكية والاشتراكية اللاقومية والأحزاب الدينية وغيرها وهذا ما هو حاصل في الساحة العراقية اليوم حيث تهافت تلك الأحزاب على الفتات الذي يقدمه المحتل الأمريكي والانحراف عن المبادئ والشعارات التي رفعتها، إن الأحزاب التي زحفت وراء الفتات الأمريكي كانت ولازالت أحزاب لا تحمل مبررات نشؤها وأنها دخيلة على الواقع العربي أو إنها تعبير عن رد فعل لموقف معين أو إنها أحزاب سطحية  أو إنها عالجت مصلحة فئوية ضيقة طائفية وغير طائفية في المجتمع أو إنها ارتبطت  مع أعداء الأمة العربية المجيدة بصيغ وأساليب مختلفة.

كانت الولادة التاريخية لحزب البعث العربي الاشتراكي مختلفة عن غيره من الأحزاب بسبب واقعية أفكاره واستجابتها لما تتطلع إليه الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج  وهذا هو سر قوته، إن الشباب العربي الذين شهدوا ولادة المؤتمر التأسيس الأول للحزب استطاعوا أن يستوعبوا الواقع العربي وذلك من خلال اكتشافهم للقوانين المحركة له وكان ذلك الاكتشاف اكتشافا علميا، لذا نجد إن حزب البعث لم يكن حزبا مصطنعا أو سطحيا أو جاء نتيجة لموقف سياسي عابر بل هو حزب نبع من واقع الأمة العربية المجيدة يحمل أفكارها وتطلعاتها فكانت الوحدة العربية هي شعاره الستراتيجي البديل لواقع الأمة المجزأ الشعار الذي أعطاه مضامينه العلمية والثورية والاشتراكية، وكانت الحرية شعاره الثاني الذي أرادها أن تكون كحالة انطلاق للإرادة والقدرة على التعبير وكان شعار الاشتراكية تعبير عن حق الجماهير في ثرواتها وفي حياتها، يقول الرفيق المؤسس احمد مشيل عفلق "لو سئلت عن أسباب ميلي للاشتراكية لأجبت أن ما أطمع به منها ليس زيادة في ثروة المعامل بل في ثروة الحياة"، فالبعث بهذه الأهداف الستراتيجية الثلاث وبالأسلوب العلمي لبلوغها وبواقعيتها استطاع أن يصبح الحركة التاريخية المعبرة عن الأمة العربية وجماهيرها الكادحة صاحبة المصلحة الحقيقية بالتغير  وقد ساهم البعث ومنذ الأيام الأولى لانطلاقته مساهمة جادة في العمل على ترجمة أفكاره وأهدافه ترجمة واقعية الأمر الذي جعل قاعدته الجماهيرية تتسع، فكان للحزب  دور متميز في كل المواقف والظروف العربية في العراق وفلسطين ومصر وأقطار الوطن العربي الأخرى، شارك أعضاء الحزب الأوائل في معركة العرب في فلسطين  واستمروا في المشاركة في العمل الجهادي عبر استلامهم للسلطة في أكثر من قطر عربي وعبر نضالهم السري المتميز والذي يتجسد اليوم في ما يسطروه من ملاحم بطولية في العراق العظيم في ساحات الشرف والجهاد وفي سجون الاحتلال الأمريكي وفي محاكماته الصورية لقادته، البعث كحركة وحزب وتاريخ نراه اليوم عبر مواقف رجاله في العراق وعلى رأسهم المجاهد الرفيق صدام حسين فك الله آسره وهو يحاكم عصر عبرة المحكمة المهزلة ويطالب بحق الحياة للعروبة مترجما لفكر البعث الخلاق.

المؤتمر التأسيسي للحزب

كان المؤتمر التأسيسي الأول 4 - 6 نيسان 1947 في مقهى الرشيد الصيفي في دمشق الذي عقده حزب البعث العربي الاشتراكي حدثا بارزا في تأريخ الحركة العربية الناشئة في سوريا ومختلف الأقطار العربية فقد كان يضم جيلا واعيا من الشباب العربي الجديد المؤمن بأمته العظيمة وإمكانيات شعبه الحي والعمل على تحرير العرب لا داء رسالة خالدة للإنسانية.

بدأ المؤتمر بخطاب الافتتاح الذي أستعرض حركة البعث العربي منذ نشأتها الأولى في ظروف صعبة وقاسية إلى المرحلة الخطيرة التي هي فيها، تلي ذلك مناقشة الأوضاع العربية السياسية في تلك المرحلة النضالية المؤلمة من تاريخ الأمة، انتهوا المؤتمرون إلى إقرار بيان سياسي عام تضمن المقررات التالية والتي نرى إنها تستجيب إلى متطلبات عصرنا الحالي ونحن نعيش العام 2006 ونمر بالظروف المعروفة في العراق وفلسطين والاحواز وفي كافة أقطار وطننا الكبير:

1 - العرب أمة واحدة لها حقها الطبيعي في أن تحيا في دولة واحدة وان تكون حرة في توجيه مقدراتها.

2 - الوطن العربي وحدة اقتصادية سياسية لا تتجزأ ولا يمكن لا ي من الأقطار العربية أن يستكمل شروط حياته منعزلا عن الأخر.

3 - الأمة العربية وحدة روحية ثقافية تزول جميع الفوارق القائمة بين أبنائها بيقظة الوجدان العربي.

4 - الأمة العربية ذات مزايا خاصة تجلت في نهضتها المتعاقبة واتسمت بحب الحيوية والإبداع.

5 - إن ازدهار الوطن العربي متوقف على حرية الفرد ومدى الانسجام بين تطوره وبين المصلحة القومية لذا فأن حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد مقدسة لا يمكن لأي سلطة أن تنقصها.

6 - الاستعمار عمل إجرامي يكافحه العرب ويسعون إلى مساعدة الشعوب المناضلة في سبيل حريتها وان الإنسانية مجموع متضامن في مصلحة مشتركة قائمة على أساس التعاون بين الأمم لتحقيق الرفاهية والسلام.

7 - حزب البعث العربي الاشتراكي حزب شامل تؤسس له فروع في سائر أقطار العربية وهولا يعالج السياسة القطرية إلا من وجهة نظر المصلحة العربية العليا.

8 - إن الحزب اشتراكي يؤمن بان الاشتراكية ضرورة تتيح وحدها للشعب العربي تحقيق إمكانياته ونموه المطرد.

9 - إن الحزب شعبي يؤمن بان السيادة للشعب وحده مصدر كل سلطة وان قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن إرادة الجماهير كما إن قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في اختيارها.

10 - إن الحزب انقلابي يؤمن بان حياة العرب التقدمية الجديدة لن تكون إلا بانقلاب شامل على الواقع الفاسد يشمل جميع نواحي الحياة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

11 - إن المرأة العربية تتمتع بحقوق المواطن كلها والحزب يناضل في سبيل رفع مستواها.

12 - إن العرب دوما في صف الحرية والتقدمية ضد الاستعمار والرجعية في العالم.

13 - إن الثروة الاقتصادية في الوطن العربي ملك الأمة.

14 - إن التوزيع للثروات في الوطن غير عادل ولذلك يعاد النظر في أمرها وتوزع بين المواطنين توزيعا عادل.

15 - إن الملك والإرث حقان طبيعيان ومصونان في حدود المصلحة القومية.

16 - إن المؤسسات ذات النفع العام وموارد الطبيعة الكبرى ووسائل الإنتاج الكبيرة ملك الأمة وتديرها الدولة مباشرة.

17 - أقر المؤتمر تحيد الملكيات الزراعية والصناعية الصغيرة بشكل يمنع استثمار الأفراد ويتناسب مع المستوى الاقتصادي للبلاد.

18 - يؤسس مصرف قومي واحد يصدر منه النقد الذي يسنده الناتج القومي.

19 - إن الدولة تشرف إشراف مباشر على التجار تين الداخلية والخارجية لإلغاء الاستثمار وحماية الإنتاج القومي.

20 - إن الأسرة خلية أساسية في الأمة وان النسل أمانة في عنق الدولة.

21 - إن البداوة حالة اجتماعية ابتدائية تشل نمو خلية أساسية في الأمة وتقدمها ولذلك فتحضير البدو ضرورة قومية.

22 - إن العمل إلزامي وان الدولة تضمن لكل فرد عمل لائق وتسن تشريعا عادلا للعامل وتكفل التامين الاجتماعي.

23 - إن الحزب يعمل في سبيل إيجاد ثقافة عامة قومية حرة تعمم في أوساط الشعب.

24 - طبع الحياة ومظاهرها جميعا بطابع قومي عربي يحفز الأمة إلى مستقبل مجيد زان التعليم من وظائف الدولة وانه مجاني.

25 - اقر المؤتمرين بضرورة المدارس المهنية المجانية وبإنشاء الجامعات وتوسيعها وجعل اللغة العربية رسمية فيها.

البعث ينتشر بين الشباب العربي

لو أردنا أن نحدد بداية لانتشار الحزب في خارج القطر السوري الذي احتضن التأسيس من خلال انتماء بعض الشباب العربي إليه لكان من المتعذر علينا تحديد ذلك على وجه الدقة فضلا عن إن هذا لا يعني شيئا أساسيا إذ لم  ينته لتكوين خلايا حزبية نشطة ومن ثم تشكيل أول نواة صلبة متنامية للعمل الحزبي ومن هنا يمكننا القول إن انتشار الحزب الجدي كان في الأردن ثم في العراق فلبنان فالأقطار العربية الأخرى وأن انتشار الحزب في هذه الأقطار الثلاث كان في أواخر الأربعينيات ومتقاربا إلى حد كبير،استمر الحزب في النمو حتى أصبح في الخمسينيات قادرا على التأثير في مجرى الأحداث السياسية وبخاصة في الأردن والعراق.

الحزب في العراق

بعد انقلاب بكر صدقي في العام 1936 وثورة مايس 1941 ازداد تأثير الجيش والأحزاب في الأحداث السياسية في العراق وتقلص دور الزعامات الاقتصادية والإقطاعية والعشائرية وتمردها على السلطة بالتدريج، برز في هذا الوقت الحكام المندفعين في التعاون مع المحتل البريطاني وعلى رأس هؤلاء كان الوصي عبد الإله ونوري السعيد الذين عمدوا إلى إخماد ثورة مايس بالقوة الغاشمة المستندة إلى المحتل كما تفعل الحكومات العميلة اليوم في العراق والتي تمارس القتل الجماعي في العراق بإسناد من المحتل الأمريكي والبريطاني وبالحجة القديمة الحديثة التي تتهم المجاهدين الأبطال بأنهم ضد الديمقراطية وهناك تهمة أخرى وهي التعاون مع النازية والفاشية، في هذه الفترة بالذات ولد حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق وفي الوسط الطلابي بالذات حيث اصطفى المناضلين الأشداء المستعدين للتضحية والفداء والذين لا يتطلعون إلى مجرد الظهور والكسب الشخصي بل تجذبهم العقيدة البعثية التي تؤمن بالرسالة الخالدة ووحدة العرب كأمة حباها الله بالقران الكريم وبالرسول العرب صلوات الله عليه، من هؤلاء الشباب تكونت خلايا البعث الأولى بسمات ومميزات خاصة افتقرت إليها الأحزاب السائدة آنذاك كما هو حال الأحزاب العميلة وغير العميلة في العراق اليوم التي تتخبط وترقص على الحبال، السمات التي ميزت أعضاء البعث هو الأيمان العميق بالأهداف والتفاؤل المطلق بالمستقبل وفي الإقبال على البذل والنضال بعفوية وصدق وقناعة الأمر الذي جعل خلايا الحزب تمتد خلال بعض سنوات إلى مختلف المحافظات العراقية فأصبحت أهداف وشعارات الحزب الجديد معروفة لدى الجماهير التي التفت حولها باهتمام، كان البعض من الطلبة العراقيين الدارسين في دمشق وبيروت في الأربعينيات قد احتكوا بالبعثيين الأوائل وتعرفوا من خلالهم على مبادئ الحزب وأهدافه وقد اسهم البعض منهم في نقلها إلى العراق عند عودتهم إليه كالدكتور سعدون حمادي الذي درس في بيروت وبادر إلى تشكيل خلايا صغيرة للبعث في كر بلاء في أواخر الأربعينيات وقد حضر الدكتور عبد الخالق الخضيري المؤتمر التأسيسي للحزب عندما كان طالب في كلية الطب في دمشق غير انه لم يسجل نشاط بارز عند عودته للعراق، إن السبيل الأول والاهم لانتشار الحزب في العراق كان عن طريق بعض الطلبة السوريين وبخاصة أبناء لواء الاسكندرونة الذين كانوا يتلقون علومهم في المدارس العراقية ودار المعلمين الابتدائية والعلبا وممن كانوا مرتبطين بأفكار الحزب، حملوا البعض من منشوراته ومنها دستوره وأحاديث الرفاق الأوائل وبالخصوص مقالات الرفيق المؤسس احمد مشيل عفلق "ذكرى الرسول العربي، السياسة العربية، الفئة الحاكمة في طريق الانهيار، القومية العربية وموقفها من الشيوعية". كان العراق ولا زال أخصب مكان لحزب البعث العربي الاشتراكي بسبب الفساد آنذاك الذي تمثل بالإقطاع المقيت وتعقيد الوضع القبلي الذي وقف وراءه الاستعمار البريطاني، حيث منحت سلطات الاحتلال نفوذ كبير للإقطاع و العشائر المرتبطة به، فالإقطاع في العراق لم يكن علاقة اقتصادية بين المالك والفلاح و إنما علاقة اجتماعية قبلية بين رئيس العشيرة وأفرادها، فأفراد العشيرة يشعرون بأن الحكومة خصم لهم لا يحميهم منها إلا رئيس العشيرة. اهتم الحزب في العراق عام 1958 بقضية الوحدة فدعم قيام الجمهورية العربية المتحدة وهاجم ما يسمى بالاتحاد "الهاشمي" بين العراق والأردن واستمر في معارضته الجريئة للفئة الحاكمة في العراق وعمل بجد و إخلاص لتعزيز العمل الجبهوي من اجل الإطاحة بالحكومة العميلة وقد نجح في دفع الأحزاب الوطنية إلى إقامة جبهة الاتحاد الوطني.

الحزب في الأردن

في عام 1946 أصبح الأمير عبد الله ملك على الأردن بصلاحيات واسعة بموجب دستور جديد وعقدت المعاهدة البريطانية الأردنية، جددت بعد عامين مع إبقاء القواعد العسكرية والتسهيلات للقوات البريطانية مقابل المساعدة المادية وكان ذلك بالتزامن مع حدوث نكبة العرب في فلسطين التي ساهمت في زيادة النقمة الجماهيرية على الحكام العرب في الأردن وخارجه، نيسان 1950 صادق البرلمان على انضمام الضفة الغربية إلى الأردن مع استمر حكامه في سياستهم الرجعية وتبعيتهم السافرة إلى الغربية خلق مناخا صالحا لنمو الحركة الوطنية ونشاطها وأتاح المجال أمام البعثيين الأوائل لبناء الحزب والتوسع في نشر مبادئه وتنظيمه وكان هؤلاء بضعة أفراد، عام 1947 تعرفوا على أهداف الحزب وقادته من خلال وجودهم طلابا بجامعة دمشق واستطاعوا في العام التالي أن يكونوا بعض الخلايا العاملة في الأردن  ما لبثت أن نمت وتوسعت بسرعة بين مجموعة من الشباب الوطني في الضفة الشرقية، كانت تعبر عن اتجاهها مجلة أسبوعية باسم"اليقظة" التي كان السيد سلمان الحديدي رئيسا لتحريرها الذي انتسب إلى الحزب عام 1948 عملت هذه المجلة على فضح النظام الرجعي في الأردن وهاجمت مسيرته، الآمر الذي أدى إلى إغلاقها لفترة، كانت المجلة تعارض النظام معارضة جريئة وكانت ناطقة بلسان الحزب وتعبر عن أراء الشعب و أرادته، العام 1954 قررت القيادة إعادة إصدار هذه المجلة الأسبوعية، نمت الخلايا العاملة في الحزب بين صفوف الشباب في الضفة الغربية وكانت تعبر عن نفسها وآرائها الوطنية في مجلة " البعث" التي اشرف عليها عبد الله الريماوي وكمال ناصر، كان البعض من الشباب البعثي قد انتمى للحزب خلال وجودهم طلابا في القاهرة وبغداد وكانوا يمارسون نشاط ملحوظ في النصف الأول من الخمسينات حيينها عملوا على نمو الحزب بسرعة وبدأ لهم وزن شعبي كبير ومؤثر في مجرى الأحداث السياسية في الساحة الأردنية حيث أصبح للحزب وجود في عموم الأرض الأردنية وخاصة في الشمال حيث نمت قدرته على تحريك ألتظاهرات الطلابية والشعبية واستطاع في هذه الفترة أن يوصل اثنين من أعضائه إلى مجلس النواب ألا ردني كما أصبح أحد قادته وزيرا للخارجية بعد انتخابات عام 1955.

الحزب في لبنان

عندما بدأ الرفاق الأوائل التفكير في الدعوة لعقد المؤتمر التأسيسي  للحزب في مقهى الرشيد الصيفي في دمشق كانت قيادة الحركة الوطنية في لبنان بأيدي السياسيين التقليدين المنتمين إلى الطبقة البرجوازية الليبرالية وكان يسود الساحة السياسية آنذاك تياران، الأول هو قومي يدعو إلى الوحدة  وبخاصة مع سوريا والثاني هو تيار انعزالي يخشى هذه الوحدة ويرفض الفكر القومي ويتطلع إلى الحماية الأجنبية ظنا منه بأنها السبيل إلى حمايته والمحافظة على امتيازاته كما يحصل اليوم حيث القوى التي تخندقت بعد اغتيال الحريري في خندق الأمريكان ومن معهم . نال لبنان استقلاله في منتصف الأربعينيات استنادا إلى اتفاق بين القوى السياسية اللبنانية التي كانت تتطلع إلية كيان بعيد عن الحماية الأجنبية وبعيد عن الوحدة العربية، كيان يستند إلى المحاصة الطائفية كما هو حال الحكومات العراقية العميلة التي جاءت مع الاحتلال الأمريكي إلى العراق، أصبح الاتفاق الغير مكتوب يعرف باسم "الميثاق الوطني"، استمر السياسيون التقليديون في العمل وفق ميثاقهم الوطني والذي تعمق بموجبه الجانب الطائفي والعشائري الذي ابعد لبنان عن تحقيق الانسجام الروحي والثقافي والسياسي بين أبنائه كما أبعده عن التوجه الطبيعي نحو الاندماج في محيطه العربي وكان ذلك ناتج عن عقدة الخوف والوهم التي غرسها الاستعمار في نفوس البناء لبنان . وجد حزب البعث العربي الاشتراكي الأرض الخصبة لنمو أفكاره ومبادئه في العم 1947 بين أوساط الطلبة في الجامعة الأمريكية وكان جلهم من الطلبة السوريين والعرب الذين راحوا ينشرون أفكار الحزب بين الطلبة اللبنانيين وفي عدة مناطق من بيروت ثم في بقية المدن والمحافظات اللبنانية، لكنهم ظلوا كتيار فكري حتى بداية العام 1952 رغم نشاطهم في الجامعات والتظاهرات والمناسبات القومية، أسهم بعض الطلبة اللبنانيين ممن درسوا في دمشق وتعرفوا على مبادئ الحزب وانتموا إليه في النشاط الحزبي وفي كسب الأعضاء الجدد أثناء عودتهم إلى لبنان، اصدر هؤلاء عام 1952 بيان باسم "القوميين العرب الأحرار" يدعو فيه لتعديل قانون الانتخابات ومحاكمة مستثمري الشعب وتحقيق العدالة الاجتماعية المتمثلة في الاشتراكية العربية وتوجيه السياسة اللبنانية توجيها قوميا عربيا شعبيا مع رفض الأحلاف والتمسك بالحياد بين المعسكرين الشرقي والغربي آنذاك.

الحزب في مصر

بدأ في العام 1953 البعض من الشباب العربي في مصر الانتماء لحزب البعث العربي الاشتراكي من خلال البعض من الطلبة العرب الدارسين في الجامعات المصرية وبالخصوص الطلبة الأردنيين والسوريين الذي نشروا أفكار ومبادئ الحزب في أوساط الطلبة المصريين، إن معظم الطلبة المصريين الذين انتموا للحزب آنذاك كانوا من كليات علمية كالطب والهندسة، استمر التنظيم يمارس نشاطه في الوسط الطلابي بأكثرية تنتمي إلى أقطار عربية من خارج مصر، ومع قرار تأميم قناة السويس الخالد ووقوع العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر نشط البعثيون في تحرك التظاهرات المؤيدة لحكومة الثورة الأمر الذي جعل البعض منهم يتطوع ويحمل السلاح ويقاتل مع رفاقه المصريين فكان لهذه الأجواء اثر كبير في زيادة الانفتاح على الحزب والإقبال على الانتساب إليه، الأمر الذي جعل التنظيم ينموا بشكل ملحوظ في ذلك العام، فالتنظيم كان يضم 200 عضو موزعين على 6 فرق حزبية، ثلاثة منها بالقاهرة، قبل قيام الوحدة بين مصر وسوريا تضاعف عدد الأعضاء حيث أصبح التنظيم بمستوى فرع، حيث انتمى إليه البعض من الفتيات وعدد غير قليل من الموظفين والعمال وخاصة في منطقتي أم بابه ومدينة العمال على طريق حلوان ومع مجيء عالم 1958 أصبح للبعثيين سيطرة ملحوظة في الجامعات المصرية، عندما أراد الرئيس جمال عبد الناصر إلقاء خطاب في جامعة القاهرة اتصل أحد المسؤولين في الحكومة المصرية بمسؤول المنظمة الحزبية في الجامعة ورجاه أن يضع البعثيون كل قواهم لمنع الفئات الأخرى من تعكير الجو أثناء الخطاب، فاستجابت المنظمة الحزبية لذلك. 

الحزب في الجزيرة والخليج

قام البعض من البعثيين من سوريا وفلسطين والعاملين في شركة (الأرامكو) في منتصف الخمسينيات بالاتصال بعدد من الطلبة الدارسين  في المدارس الصناعية بالمنطقة الشرقية من جزيرة العرب فارتبط بعضهم في الحزب، كان آل سعود آنذاك مع سياسة الحياد وعدم الانحياز ويظهرون التقارب والتنسيق مع سوريا ومصر، أي في فترة تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي عل مصر، الأمر الذي جعل حرية الحركة متاحة للشباب العربي في جزيرة العرب للتعبير عن موقفه من العدوان وذلك من خلال دعمه لحركة التحرر العربي وبجمعه التبرعات للجيش العربي في سورية ومصر والأردن كما أرسل برقية موقعة من ثلاثة آلاف شخص تدين اتفاقية الظهران التي تم إبرامها بين آل سعود والأمريكان، الأمر الذي جعل السلطات الحاكمة تقدم على اعتقال ستين منهم واتهامهم بالتحريض والانتماء لحزب البعث العربي الاشتراكي،، استمر الحزب في التوسع والنمو حتى بلغ في الستينيات مستوى شعبة تضم ما يقارب عضو، انضم إليهم فيما بعد الطلبة الدارسين في القاهرة وبغداد وغيرها من المدن العربية.

انتشر الحزب عن طريق العرب الوافدين إلى منطقة الخليج العربي والجزيرة كموظفين أو عمال وبخاصة من أبناء فلسطين وسورية والأردن وظل هؤلاء يشكلون الأكثرية في المنظمات الحزبية وخاصة في الكويت وكاظمة والبحرين وقطر، ففي عام 1959 بلغ مستوى التنظيم في الكويت مستوى فرع، كانت المنظمات الحزبية في الجزيرة والخليج تقدم دعما ماديا كبيرا للقيادة القومية للحزب وكان أبناء التنظيم هناك في مقدمة الفئات الوطنية التي تهتم بالقضايا القومية وتستجيب للإحداث الهامة التي تجري في الوطن العربي الكبير.

الحزب في أقطار المغرب العربي والسودان

تكونت بعض الخلايا الحزبية في أقطار المغرب العربي في منتصف الخمسينيات عن طريق الطلبة الدارسين في الخارج وبخاصة في القاهرة ودمشق وبغداد، ففي ليبيا لم يكن نشاط الحزب على الصعيد الطلابي والشعبي ملحوظا إلا في مرحلة الستينيات حيث استطاع استقطاب عدد جيد من المثقفين والبعض من العمال وكان النشاط يجري تحت واجهة الشباب العربي او الشباب العربي التقدمي في ليبيا، كشف التنظيم عام 1961 بمساعدة وتحريض أجهزة الأمن المصرية الأمر الذي أدى إلى اعتقال ومحاكمة أعضاء الحزب بتهمة قلب النظام.

انضم البعض من الطلبة في الجزائر إلى الحزب برغم من إن قيادة البعث كانت تدعم وتتبنى ثورة الجزائر بحماسة شديدة ولم تكن تقوم بالكسب الحزبي استبعادا لأية حساسية تنجم عن ذلك فضلا عن اعتقادها بان نجاح الثورة الجزائرية سيخلق أرضا خصبة وطبيعية  لانتشار الحزب كما هو الحال اليوم بالنسبة للثورة العراقية المسلحة الباسلة أو إنها ستلتقي مع الحزب بصورة حتمية.

تكونت بعض الخلايا الحزبية في المغرب منتصف الخمسينيات ونمت بسرعة في الستينيات ولكنها تعثرت بعد انكشاف أمرها ولم تستطع الاستمرار في النمو وبالشكل المطلوب، إن أعضاء تنظيم الحزب في المغرب قد تعرفوا إلى أفكاره ومبادئه من خلال دراسة البعض منهم في الأقطار العربية والدول الأوربية.

انتشر الحزب في السودان عبر الطلبة الدارسين في الخارج وتكونت الخلايا الأولى في جامعة القاهرة بالخرطوم، اصدر البعثيون هناك مجلة أسبوعية حائطية باسم (الزحف المقدس)، توسع الحزب في المدارس الثانوية آنذاك بشكل ملحوظ.

عاش حزب البعث العربي الاشتراكي في يوم مولده الأغر في السابع من نيسان..

الرحمة وعلين  لشهداء البعث الأكرم منا جميعا وعلى رأسهم القائد المؤسس الرفيق احمد ميشيل عفلق..

عاش القائد المجاهد الرفيق صدام حسين في آسره..

عاش المجاهد الأمين الرفيق عزة الدوري في حومة الجهاد..

عاش رجال البعث المجاهدون وهم يقودون ملحمة الجهاد العربي الإسلامي في العصر الحديث..

الله اكبر، الله اكبر والنصر لامتنا العربية المجيدة وحزبنا العظيم ورجاله الميامين على امتداد أرضنا العربية..