هل ستضرب إيران حقا؟
د. فيصل الفهد
لا زال موضوع الملف النووي الإيراني المزعوم يثير كثير من التساؤلات لاسيما ما يتعلق منه بالطريقة التي ستتصرف بها إدارة بوش معه.
وقبل أشهر عديدة أبدينا وجهة نظر متواضعة أكدنا فيها (حينها) استبعاد توجيه ضربة بأي شكل من الإشكال سواء من قبل أمريكا أو حليفتها (إسرائيل) انطلاقا من فهمنا لحقيقة الغاطس من العلاقة بين هاتين الدولتين المجرمتين وبين النظام الحاكم في ايران الذي لا يذهب هو الآخر بعيدا عنهم بدوره الإجرامي ضد بلدنا وشعبنا العراقي الصامد.
وإذا اجتهدنا في تلك المرة وصدقنا في اجتهادنا فهل هذا يعني أن الأمريكيين لن يضربوا ايران هذه المرة.
وللإجابة هنا لا بد من طرح جملة من المعطيات للإحاطة بلب القضية ومنها:
أولا: أن الأمريكان كانوا يعلمون ولم يعارضوا كل مسلسل المحاولات الإيرانية لامتلاك أسلحة الدمار الشامل فلماذا إذن هذا الموقف الآن؟ ونقول ونؤكد أن خشية الأمريكان و"الاسرائيلين" ليس من امتلاك النظام الحالي للسلاح النووي لأنهم يعرفون جيدا انه لن يستخدم ضدهم ولا يهددهم فهو موجه ضد من يستهدفهم الأمريكان والصهاينة ولكن الخوف كل الخوف أن يحدث تغيير في النظام الإيراني المتهرئ جدا ومن داخله ويأتي نظام آخر يخشى أن تكون سياسته (ربما) ضد أمريكا و"إسرائيل" أو على نحو قريب من ذلك.
ثانيا: ربما كان في الأجندة الأمريكية قبيل احتلال العراق خطة لضرب أهداف منتخبة داخل ايران لاسيما عندما توهم رئيس دولة الأجرام بوش انه أنجز مهمته بنجاح في العراق إلا أن الذي (خرب) خطته المفاجئة تلك الانطلاقة الكبرى للمقاومة العراقية البطلة التي قلبت الأوضاع أسفلها عاليها وعاليها أسفلها الأمر الذي أجل وألغى الكثير من ما خططه مجرمو البيت الأسود الأمريكي للمنطقة بما في ذلك خطة وضعت ضد سوريا.
ثالثا: إن الانزلاق الأمريكي في المستنقع العراقي وتهاويه فيه افقد إدارة بوش زمام المبادرة وتحولت في أسلوبها من الهجوم إلى الدفاع ولم يعد بمقدورها فتح جبهات أخرى في وقت أصبحت فيه غير قادرة على معالجة وضعها المخزي في العراق حيث يتعرض الجنود الأمريكان لامتحان عسير لم يخطر في بال من دفعوهم إليه.
رابعا: إن تجربة العدوان على العراق واحتلاله بدون غطاء وتأييد أهم حلفاء أمريكا وبدون موافقة مجلس الأمن والأمم المتحدة وما ترتب على ذلك من وضع دولي شاذ جعل من مهمة إدارة بوش مهمة عسيرة في ظل تململ أطراف مهمة مثل روسيا والصين واقل منهم حماسة فرنسا وألمانيا، وكل هذه الدول ترفض تكرار ما حصل في العراق، فالعالم لا يتحمل كارثة جديدة في وقت لا تزال الكارثة السابقة في العراق تزداد تعقيدا وصعوبة وليس بمقدور أحد أن يحسمها... سوى المقاومة العراقية الوطنية وهذا الطرف لحد الآن بعيد عن سجالات اللعبة في انتظار اللحظة المناسبة التي سيقلب فيها الطاولة فوق رؤوس المحتلين وعملائهم.
خامسا: هناك مسالة في غاية الأهمية تجمع بين الفرقاء (ظاهريا) وهي أن النظام الإيراني كان عنصرا فعالا مساهما مع الأمريكيين في احتلال العراق وفي مقابل ذلك أطلقوا العنان لهذا النظام وعملائه لأن يسرحوا ويمرحوا ويؤسسوا لهم موضع قدم مهم في أجزاء مهمة من العراق عدا عن دخولهم بشكل مباشر في تشكيلات الأجهزة الأمنية والاستخبارية لحكومة العميل الجعفري.
كما أن أعداد كبيرة من ما يسمى بـ"حرس الثورة" و"اطلاعات" الايرانيتين انخرطوا في أجهزة الشرطة والحرس الوثني وفي فرق المداهمات والاغتيالات وان هذا الدخول الايراني الواسع وبهذا الشكل والحجم يعطي أرجحية للنظام الايراني في أن يستغل كل هذا كورقة ضغط يستخدمها متى يشاء ضد الأمريكان وبالذات عندما نعلم أن الايرانيين يسيطرون بالمطلق على عدد من الذين لبسوا رداء الدين من الأصول الفارسية وهؤلاء هم الذين لا زالوا يمنعون أعداد لا يستهان بها من العراقيين من دخول معركة الجهاد لتحرير بلدهم وإذا ما حصل شيء غير طبيعي بين النظام الايراني وأمريكا فأن هؤلاء الذين ارتدوا عباءة الدين سينظمون إلى جانب ايران وسيصد روا فتاوي للدفاع عن ايران بينما لا أحد منهم يطالب أو يفتي للجهاد من أجل تحرير العراق وهو محتل.
سادسا: أن دول المنطقة في حال تطور الأزمة بين أمريكا وايران لن تكون إلا مع أمريكا لسببين الأول لأنها خاضعة بالكامل لأمريكا والثاني لأن هذه الدول تعلم جيدا أن نمو قوة ايران بأي شكل من الأشكال سيكون على حسابها وضدها هذا عدا عن وجود إشكاليات خطيرة تتعرض لها دول الخليج العربي والسعودية من زحم المبادىء التي ينادي بها النظام الايراني والتي يسعى لتمريرها إلى شعوبهم وتحريك النزعات الطائفية الأمر الذي سيتسبب بأوضاع خطيرة لن يحمد عقباها ولا أحد يعرف إلى ماذا ستؤدي والإيرانيون الفرس وعملائهم لا يخفون ذلك أبدا.
سابعا: رغم وجود الترتيبات التي تجريها القوات الأمريكية على الأرض وبما يوحي بوجود شيء ما قادم في المنطقة إلا أن المباحثات العلنية والسرية بين النظام الايراني والإدارة الأمريكية لم تتوقف وهذا يدلل على أن القضية الأساسية لا تتعلق كثيرا بالملف النووي بقدر تعلق الأمر بقضية التورط الأمريكي في الوحل العراقي.
ثامنا: لا تزال إدارة بوش تعمل وتراهن على إمكانية إجراء تغيير في ايران من الداخل وربما ستكون الفرصة مؤاتية في ظل تعقيدات الوضع والضغوط الخارجية على النظام الايراني.
تاسعا: من جهتها تحاول المجموعة الحاكمة في ايران استغلال هذه الحملات (الدعائية) لتحسين صورتها التي اهتزت أمام من كان يؤيدها من العالمين العربي والإسلامي نتيجة فضح سياساتها ودورها المخزي في احتلال العراق وأفغانستان وما الدور الذي يمارسه احمدي نجاد رئيس ايران (في الظاهر) بتصريحاته وهجومه على هذا الطرف أو ذاك إلا محاولة لتجميع ما تهشم من أجزاء صورة ايران وإعادة تقديمها من جديد على غير هيئتها الحقيقية.
ويبقى السؤال هل ستضرب ايران؟
نقول ربما ستكون هناك ضربة اجهاضية جوية وصاروخية لأهداف منتخبة و(ربما) تعول إدارة بوش كنتيجة لذلك على تحرك داخلي يزعزع النظام وتفقده سيطرته التي هي بالأصل ضعيفة وكل هذا محكوم بإجراءات يجب أن تتخذها إدارة بوش على الأرض لاسيما في العراق حيث يمكن أن تتعرض القوات الأمريكية لهجمات في مناطق تعتبرها الآن هادئة وهذا ما يزيد من مأزقها ويعرضها لحالة ضعف اكبر مما يسهل على المقاومة العراقية تحقيق ضربات موجعة لقوات الاحتلال وهذا ما نعتقده وما ستكشفه الأيام القادمة فإذا ما حاولت إدارة بوش تحييد المقاومة العراقية وهو أمر يكاد يكون مستحيلا فأن أكبر صعوبة ستواجه الخطة الأمريكية هي وضع قواتها في العراق أما الحديث عن رد ايراني فهو أمر مشكوك فيه.
وآخر ما نود الإشارة إليه هو في دعوة للنظام الايراني في أنه إذا كان حقيقة خصم لأمريكا فأن عليه أن يعيد تقويم سياسته المعادية للشعب العراقي وأن يبعد أذاه عنه وأن يسحب يده بالكامل ولترك للعراقيين معالجة أمر المحتلين وهو قادر على ذلك بعون الله وإن فعل النظام الايراني ذلك فسيضمن أن العراقيين سيكونوا مع الشعوب الايرانية ونؤكد لحكام ايران أننا لسنا ضد الشعوب الايرانية ولسنا ضد المصالح المشروعة لايران شريطة أن لا تكون على حساب مصالح الأمة العربية ومصالح شعبنا العراقي ووحدته وسيادته.