بعد ثلاث سنوات على الاحتلال
المقاومة الوطنية العراقيّة هي الخيار الوحيد
د. فيصل الفهد
في 9/4/2006 يكون قد مضى على جريمة احتلال العراق ثلاث سنوات، هذا الاحتلال الذي أفقد العالم جانب مهماً من توازنه، وأخلّ بنظامه العام إلى درجة تشوهت فيها العلاقات بين الدول وتراجعت عندها كلّ المؤشرات التي كانت كثيرٌ من القوى الفاعلة تعوّل على تطوير مرتكزاتها بما يسهم في إرساء قواعد صحيحة لمجتمع دولي متوافق في مركزه وأطرافه.
لقد فُجع العالم بكثير من الأحداث الجلل وعلّق أغلبها على شماعات طالما وجدت لكي تؤدي هذه الوظيفة لمصلحة هذا الطرف أو ذاك، وبالذات الولايات المتّحدة الأمريكيّة وحليفاتها في الشرّ والعدوان، إلاّ أنّ قضية احتلال العراق كانت بمثابة سابقة خطيرة جداً ستترك بصماتها واضحة في مستقبل العالم ما لم تسعَ الأسرة الدوليّة إلى تحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية والسياسية لتلافي تداعياتها وما يمكن أن يترتب عليها من إشكاليات.
إنّ أحداث السنوات الثلاث من عمر الاحتلال في العراق أفرزت جملة من المعطيات عكست في مضامينها حجم المأزق الذي أوقعت إدارة بوش نفسها فيه والذي لم تجد هذه الإدارة لحدّ الآن مخرجاً لها منه.
ففي الوقت الذي اعتقد فيه إمبراطور الشرّ بوش أنّه وصل إلى ما كان يصبو إليه وأنّ نصراً قد تحقّق يمكن لـه أن يتعكّز عليه وسيكون منطلقاً للمشروع العدواني المبيّت ضدّ الآخرين فوجئ الرئيس الأمريكي بأنّه دخل نفقاً مظلماً طالما كان المسؤولون الأمريكيّون يدخلون الآخرين فيه ووجد بوش نفسه في محنة لا يحسد عليها، وكانت المقاومة الأسد الجسور الذي افترس أهم ما خططت لـه الإدارة الأمريكيّة المارقة وحطّم العنجهية الأمريكيّة الفارغة التي تتبجح بها إدارة بوش اللعينة.
صحيح أنّ الوضع في العراق يبعث على الحيرة نتيجة تعقيداته وضبابية تداخلاته لا سيّما في معسكر الأعداء إلاّ أنّ النظرة الموضوعية لهذا الوضع تحسم كلّ ذلك عبر بروز ظاهرة حقيقية أفرزت كينونتها بوضوح تام من خلال عمليات الفرز الموثّق بين خندقين لا ثالث بينهما وهما:
1 - خندق الشعب العراقي الأصيل ومقاومته المسلّحة الباسلة.
2 - خندق أعداء العراق ممثلاً بالاحتلال وعملائه.
وفي ذلك لم يعد هناك من مبرر لهذا الطرف أو ذاك لأن يجهد نفسه بتعليلات أو تبريرات يغلفون بها خياناتهم للأمانة ويدفعون عن أنفسهم جريمة الانزلاق في قاع الرذيلة والخنوع عندما ذهبوا طواعية ليقدموا للمحتلين فرائض الطاعة والخذلان وليكونوا أسنّة الحراب التي يستخدمها الاحتلال ليوجهها نحو الشعب العراقي ومقاومته الوطنية الباسلة وتحديداً عندما ارتضى هؤلاء أن يقضوا على سمعتهم ويدخلوا ما يسمى بالعملية السياسية التي لم تكن لترى النور لولا ولوجهم فيها، ذلك الولوج الذي خفّف كثيراً من أعباء المحتلين، ليس في العراق ولكن في داخل الولايات المتّحدة، حيث استخدمها بوش عروة وثقى في مواجهة خصومه المناهضين لاحتلال العراق والذين كانوا يدركون تماماً فشل كلّ المحاولات الترميمية التي تجريها إدارة بوش لمعالجة تخبطاتها المتكررة في العراق، ومع ذلك استمرّ دعاة العملية السياسية لا سيّما الذين أطلقوا عليهم كذباً (ممثلي السنّة) وهم في حقيقة الأمر لا يمثلون إلاّ أنفسهم المريضة في محاولاتهم البائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى من المشروع الأمريكي (الأعرج) أفادت الرئيس بوش بعض الشيء وقتياً إلاّ أنّ بالمحصلة سقطت في المزبلة هي الأخرى حيث مازالت كلّ البرامج التنفيذية للاحتلال تترنح في العراق تحت وطأة ضربات المقاومة العراقيّة البطلة.
إنّ مرور ثلاث سنوات من التجربة المريرة والأحداث الدامية والدمار والخراب في العراق أثبتت بما لا يقبل الشك أو الارتداد أنّ قضية العراق لا تحسم إلاّ من خلال خط أساسي لا بديل عنه وهو المقاومة المسلّحة التي أسقطت كلّ رهانات الأعداء وشكوك الأصدقاء وبددت أحلام العملاء والخونة . وهذه المقاومة الجسور هي التي أنجزت المهام العظيمة التي كسرت ظهر إدارة بوش الخائبة وأعادت الرشد لكثيرين ممن أغوتهم العنجهية الأمريكيّة المتغطرسة وضللتهم الدعاية الصهيونيّة، مثلما أيقظت الصحوة لدى الجماهير العربيّة والإسلاميّة، وحتى الرأي العام العالمي، والذين تمّ تغييبهم لعقود زمنية كثيرة بفعل سياسات الأنظمة التي استسلمت للطغيان الأمريكي الصهيوني، وانبطح حكامها تحت أقدام سيدهم الأهوج بوش.
لقد كانت حصيلة السنوات الثلاث من عمر الاحتلال المقبور:
1 - فشل المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة.
2 - اندحار قوى الظلام التي جاءت خلف الدبابات الأمريكيّة.
3 - سقوط الأقنعة عن الوجوه الكالحة للأنظمة اللاعربيّة التي ربطت مصيرها بالاحتلال وساهمت بالعدوان على العراق.
وفي مقابل ذلك استطاعت المقاومة الوطنية العراقيّة الباسلة بفضل بطولات فصائلها واقتدار قيادتها وحنكتها وخبرتها أن توحّد صفوف العراقييّن وتجعلهم في خندق واحد كبير عظيم بكلّ مكوناته من شمال العراق إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه في مواجهة خندق العار من قوات الاحتلال الممزقة المهشمة وميليشيات عملائها الخائبين المهزومين، وأن تكون تجربة المقاومة العراقيّة هي التجربة الفريدة الأنموذج في العالم التي دحرت الاحتلال وأعوانه بالاعتماد على الله سبحانه وتعالى وأبناء الشعب العراقي وقواه الوطنية والإسلاميّة الشريفة وانتصرت على أعدائها رغم كلّ الظروف بالغة الصعوبة التي أحاطت بجهادها لاسيّما تآمر أنظمة الحكم في بعض الأقطار العربيّة ودول الجوار.. ومع كلّ هذا وذاك كتب للعراقيين ومقاومتهم النصر المؤزر القريب (جداً) بعون الله ورعايته.