العدوان على العراق
المحامية بثينة بيان - لبنان
مقدمـة
بعد إثني عشر عاماً من الحصار الذي فرض على العراق استناداً إلى قرار مجلس الأمن الدولي، قامت أميركا متحالفة مع بريطانيا بشن حرب عليه، متجاوزة الأمم المتحدة ومجلس أمنها.
وأنه بعد احتلال أميركا للعراق، سعت للحصول على تغطية دولية بمفعول رجعي، لكنها لم تستطع، بل صُنف وجودها في العراق تحت توصيف سلطة الاحتلال الذي رتب عليها مسؤوليات، وفقاً لأحكام ومواثيق الأمم المتحدة التي تحدد كيفية تعامل السلطة المحتلة مع الإقليم المحتل.
هذا الاحتلال الذي ولد تداعيات ما تزال تتواصل مفاعيلها، نتج عن استعمال أميركا وبريطانيا للقوى المسلحة وأدى إلى إلحاق ضرر، جسيم وخطير في بنية العراق.
فهل كانت الحرب الأميركية مبررة، وهل كانت متوفرة فيها شروط حالة الدفاع المشروع، أم أنها كانت تفتقر إلى أي من مبرراتها الشرعية القانونية؟
وإذا لم تكن هذه الحرب مبررة، فأي توصيف يعطى لها، هل هي تندرج تحت توصيف العدوان كما نصت عليها مواثيق وقرارات الأمم المتحدة أم تحمل توصيفاً آخراً؟
هذا ما سنتعرض له في هذا البحث في بنود خمسة، الأول، المبررات الأميركية للحرب على العراق، والثاني الحرب الأميركية ومعايير حالة الدفاع المشروع، والثالث في التوصيف المادي لاستعمال أميركا للقوة المسلحة، والرابع، في توفر كافة أركان جريمة الحرب والخامس في ترتب المسؤولية والعقوبة.
البند الأول: المبررات الأميركية للحرب على العراق
في التاسع عشر من آذار 2003، بدأت أميركا بمؤازرة بريطانيا حرباً على العراق مبررة ذلك بما اعتبرته توفر ثلاثة أسباب رئيسية.
1 - السبب الأول: التأكيد الأميركي بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل ونفاذ الصبر الأميركي من عمل لجان التفتيش الدولية التي لم تمنح فرصة إضافية لإنجاز عملها والإعلان عما إذا كان العراق خالٍ من هذه الأسلحة أم لا.
2 - السبب الثاني: التأكيد الأميركي عن وجود علاقة وروابط بين العراق وما تسميه منظمات إرهابية وخاصة تنظيم القاعدة التي أصبحت هدفاً للحرب الأميركية عليها بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001.
3 - السبب الثالث: إسقاط النظام السياسي في العراق كونه لا يستقيم في أدائه السياسي ومعايير الديموقراطية وفق المفاهيم الأميركية.
هذه التبريرات الثلاث شكلت على مدى سنة ونصف بدءاً من أحداث 11 أيلول 2001 مادة دائمة الحضور في الحملات السياسية والأنشطة الدعائية ووسائل الإعلام.
عندما بدأت العمليات العسكرية في التاسع عشر من آذار 2003 واستمرت ثلاثة أسابيع، أخذت أميركا على عاتقها مهمة التفتيش والبحث عن أسلحة الدمار الشامل لتقدير من الإدارة الأميركية إلى قصور وتقصير انتاب عمل لجان التفتيش الدولية.
لكن بعد ستة أشهر على احتلال العراق وقيام فرق أميركية خاصة بمهمة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل أعلن تشارلز دولفر وهو المستشار الخاص لوكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي أي) وهو الذي قاد عمليات التفتيش الأميركي عن أسلحة الدمار الشامل في العراق - "أن العراق لم يكن لديه مخزونات من أسلحة الدمار الشامل".
في شهر 12/2004 أعلنت الولايات المتحدة الأميركية أنها ستنهي عمليات البحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق.
وتعليقاً على هذا الإعلان وصف سكوت ريتر وهو الذي شغل مركز رئاسة فرق التفتيش عن الأسلحة العراقية المحظورة، بأن إعلان البيت الأبيض إنهاء عمليات البحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق وضع نهاية لأبشع شكل من أشكال الخداع الدولي في الأزمنة الحديثة.
هذا الإقرار الأميركي، بأن العراق لم يكن يحوز أسلحة دمار شامل، لم يكن الإقرار الوحيد الذي بيّن زيف الإدعاء الأميركي بل عززه أيضاً، اعتراف كولن باول والذي كان يشغل منصب وزير خارجية أميركا قبيل الحرب وأثناءها وبعدها، بأن الصور والوثائق التي قدمت لمجلس الأمن الدولي وتبرز حاويات قيل أنها تحتوي أسلحة دمار شامل، أو معدات ذات صلة كانت مركبة ومفبركة.
أما ثالث الأدلة القاطعة التي بينت أن الإدعاءات الأميركية بحيازة العراق لأسلحة دمار شامل لم تكن صحيحة بل تستند إلى تقارير ملفقة، هو ما نسب للسفير الأميركي في النيجر عن أن النيجر قد زودت العراق باليورانيوم. وهذا ما ثبت فيما بعد عدم صحته، وأن تداعيات هذا التلفيق للتقارير غير الصحيحة فجر أزمة سياسية داخل الإدارة الأميركية لا تزال في بداية فصولها.
إذاً، بإقرار أميركي صريح، ثبت أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل، وهذا يشكل دليلاً قاطعاً في قوته الثبوتية بأن الإدعاءات الأميركية حول هذا الموضوع لا أساس له من الصحة، وبالتالي تكون إحدى تبريرات حجج شن الحرب قد افتقرت إلى دليلها المادي الحسي والملموس.
أما بالنسبة للسبب الثاني: وهو وجود علاقة بين العراق وما اعتبرته أميركا منظمات إرهابية، فإن أميركا أكدت مراراً، أنه لم يثبت لديها أن ثمة علاقة كانت تربط العراق بتنظيم القاعدة. وأن التقارير الأميركية التي أشارت إلى وجود اتصالات بين أحد الذين شاركوا في عمليات الحادي عشر من أيلول وأجهزة المخابرات العراقية لم تعزز بأدلة ثبوتية فضلاً عن أن الإدارة الأميركية عادت وأعلنت بنفسها عدم وجود مثل هذه العلاقة وبهذا تكون الحجة الثانية التي استند إليها كتبرير إضافي لشن الحرب لا تتوفر لها الدلائل المادية والثبوتية، وهذا يعني أن الاتهام كان قائماً استناداً إلى أبعاد سياسية.
أما حول السبب الثالث: الذي برر الحرب من وجهة النظر الأميركية، وهو إقامة نظام ديموقراطي في العراق يستجيب والمعايير الأميركية، فإن هذا السبب لم يكن بداية في ترتيب الأولويات لشن الحرب، بل أصبح التركيز عليه، يحتل الأولوية بعد ما سقط الإدعاءين الأول والثاني وبإقرار أميركي صريح.
فهل وجود نظام سياسي لا يستقيم أداءه السياسي والمفاهيم الأميركية يشكل سبباً لشن الحرب على الدولة لإسقاط نظامها السياسي؟
إن الجواب على هذا التساؤل هو ما نصت عليه المادة الخامسة من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1/3314 تاريخ 14/12/1974، حيث جاء فيه "لا يصلح تبريراً للعدوان أي اعتبار مهما كان باعثه سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً أو غير ذلك وأن حرب الاعتداء جريمة ضد السلام العالمي وينتج عن العدوان مسؤولية دولية لا يمكن الاعتراف بالصيغة القانونية لأية مكاسب إقليمية أو غيرها من المكاسب الناتجة عن العدوان.
استناداً إلى ما تقدم، يتضح أن التبريرات التي استندت إليها أميركا لشن حربها على العراق تستند إلى مزاعم واهية كونها لا تستند إلى أية أدلة ثبوتية مادية وغيرها، وبالتالي يبقى التساؤل لماذا شنت أميركا هذه الحرب على العراق، هل كانت أميركا في حالة دفاع عن النفس حتى يقال أن هذه الحرب تندرج تحت خانة الدفاع المشروع؟
البند الثاني: الحرب الأميركية ومعايير حالة الدفاع المشروع:
لقد عرف ميثاق الأمم المتحدة في مادته (51) حالة الدفاع المشروع بأنه يحصل عندما تلجأ إحدى الدول إلى القوة المسلحة لصد عدوان تعرضت له. وأنه في مثل هذه الحالة يكون استخدام القوة مشروع أي مباح ومبرر وهذا يندرج ضمن الحقوق الطبيعية للدول التي أكد عليها ميثاق الأمم المتحدة.
كما أن حالة الدفاع المشروع تتوفر إذا كان استخدام القوة استند إلى قرار أو إلى توصية من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن (المواد 39 و41 و42) من ميثاق الأمم المتحدة.
كما أنه في حالة ثالثة تكون حالة الدفاع المشروع قائمة عندما يكون استعمال القوة مستنداً إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، أي عندما تكون في حالة مقاومة للاستعمار ولأي شكل من أشكال السيطرة الأجنبية.
هذه هي الحالات الثلاث التي تجعل استعمال القوة المسلحة تندرج تحت حالة الدفاع المشروع. فهل هذه الحالات الثلاث كانت متوفرة وقائمة في وضع كالذي جعل أميركا تندفع لاستعمال القوة المسلحة ضد العراق؟
حول النقطة الأولى: أي حول ما إذا كانت أميركا قد لجأت للقوة المسلحة لأنها كانت في وضع المعتدى عليه، فإن الجواب عليه بسيط ويرتقي إلى حد البديهيات. إذ أن العراق ليس على تماس جغرافي مع أميركا، وهو لم يرسل قواته إلى الحدود الإقليمية الأميركية لغزوها، وهو في مطلق الحالات لا يملك لا القدرة ولا الإمكانات لضرب العمق الأميركي من أراضيه أو من أعماق البحار ولم يكن يشكل مركز استقطاب دولي ومركز ردع إستراتيجي كما كان الإتحاد السوفياتي قبل انهياره وتفككه. بل العكس هو الذي حصل، إذ أن أميركا هي من حشدت قواتها البرية والجوية وأساطيلها البحرية على حدود العراق الإقليمية وتخومه وهي من تملك قدرة الضرب في العمق الجغرافي للعراق ومن بُعد ومن أي موقع في العالم وهي التي تطرح نفسها مركزاً مقرراً في إدارة السياسة الدولية.
لهذا، لم تكن أميركا في حالة دفاع مشروع كي يبرر لها استخدامها للقوة المسلحة ضد العراق وهي باستخدامها هذه القوة ضد العراق لم تكن تمارس حالة الدفاع المشروع وكما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة.
أما حول النقطة الثانية: وهو ما إذا كانت أميركا في استخدامها للقوة المسلحة ضد العراق قد جاء بناء على قرار أو توصية من الأمم المتحدة أو من مجلس الأمن.
فإنه من خلال الرجوع إلى المقدمات التي سبقت بدء استخدام أميركا للقوة المسلحة ضد العراق، فإنه لم يحصل إن كان القرار الأميركي جاء تنفيذاً لقرار من الأمم المتحدة أو من مجلس الأمن. فأميركا سعت جاهدة للحصول على مثل هذا القرار إلا أنها لم تستطع ذلك بحكم ممانعة غالبية أعضاء مجلس الأمن الدولي للتوجه الأميركي.
إن أميركا عندما بدأت استعمال القوة المسلحة ضد العراق، إنما بدأت ذلك دون تفويض أو قرار من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن وبالتالي فإنها بعملها الذي قالت به لم تكن بحالة الدفاع المشروع لانتفاء وجود أي قرار دولي بهذا الشأن.
أما بالنسبة للحالة الثالثة: التي يجاز فيها استعمال القوة المسلحة استناداً لحالة الدفاع المشروع وحسب ما جاء في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها فإن هذه الحالة لا تنطبق على واقع أميركا الحالي، إذ أنها ليست إقليماً محتلاً وفق تعريف ميثاق الأمم المتحدة وهي ليست في وضع الدولة التي تستعمل القوة لتحرير أرضها من الاستعمار الأجنبي بل العكس هو الحاصل إذ أنها لجأت إلى استعمال القوة المسلحة ضد دولٍ ذات سيادة وبشكل خاص العراق.
على أساس ما تقدم فإن أميركا لم تكن عندما لجأت إلى استخدام القوة المسلحة ضد العراق في حالة الدفاع المشروع وأنه بانتفاء هذه الحالة وبانتفاء كل الأدلة المادية وعدم توّفر التبريرات الشرعية والمشروعة وأسانيدها القانونية الدولية لتبرير شن الحرب على العراق يطرح التساؤل التالي:
أيّ توصيفٍ ماديّ وقانونيّ وفق أحكام القانون الدولي، يمكن أن يعطى لوصف استعمال أميركا للقوة المسلحة ضد العراق؟
البند الثالث: في التوصيف المادي لاستعمال أميركا للقوة المسلحة:
في وقائع الحرب التي شنتها أميركا بقوتها المسلحة ضد العراق تبين ما يلي:
1 - أن أميركا قامت باستخدام القوة المسلحة ضد العراق الذي هو دولة مستقلة وذو سيادة على أرضه وعضو في الأمم المتحدة.
2 - أن أميركا كانت البادئة باستخدام القوة المسلحة.
3 - أن أميركا قامت بغزو العراق بواسطة القوات المسلحة وأدى هذا الغزو إلى احتلاله عسكرياً وعن طريق استخدام القوة.
4 - أن أميركا لجأت للضرب بالقنابل بواسطة القوات المسلحة.
5 - أن أميركا حاصرت موانئ وشواطئ العراق بواسطة القوات المسلحة.
6 - أن أميركا هاجمت بواسطة قواتها المسلحة القوات البرية والجوية والبحرية العراق.
7 - أن أميركا حصلت على موافقة أكثر من دولة مجاورة للعراق لاستخدام إقليمها في تسهيل عمل القوات المسلحة ضد العراق.
8 - أن أميركا أرسلت عصابات ومرتزقة لارتكاب أعمال القوة المسلحة وأن أعمال هذه العصابات كانت على قدر من الخطورة والجسامة.
هذا الذي قامت بداية شكل وقائع مادية أثبتت استخدام أميركا للقوة المسلحة ضد العراق ولم تكن لأجل ممارسة حالة الدفاع المشروع.
إذا لم تكن أعمال أميركا باستخدامها للقوة المسلحة ضد العراق لأجل ممارسة حالة الدفاع المشروع، فأي حال تكون؟
من الرجوع إلى قرار الأمم المتحدة 1/3314 تاريخ 14/12/1974 وفي تحديدها لشروط توفر فعل العدوان تؤكد الأمم المتحدة إن توافر فعل العدوان يكون بتحقق الشروط التالية:
أ - أن يكون هناك لجوء إلى القوات المسلحة.
ب - أن ينطوي هذا اللجوء إلى القوات المسلحة على درجة كافية من الخطورة والجسامة.
ج - أن يكون اللجوء إلى القوة المسلحة غير مشروع.
هذه العناصر الثلاث التي اعتبرتها الأمم المتحدة شروطاً واجبة لتوافر فعل العدوان هل تطابق واقع حال ما قامت به أميركا ضد العراق؟
من الرجوع إلى الوقائع، يتبين، أن أميركا لجأت إلى القوات المسلحة بكل صفوفها وأصنافها، البرية والجوية والبحرية، وأنها حشدت عشرات ألوف الجنود وألوية مدرعة ومئات الطائرات فضلاً عن أساطيل بحرية. ولجوء القوات المسلحة الأميركية لاستعمال القوة كان على درجة كافية من الخطورة والجسامة، بالنظر لما سببه هذا لاستعمال القوة المسلحة من تدمير لمرافق الحياة الحيوية أو الحياتية ولما أصاب البنية التحتية من دمار وخراب، خاصة وأن أميركا استخدمت الأسلحة المحرمة دولياً، كالقنابل الفراغية والعنقودية والأسلحة الفسفورية، وهذه حقائق لم تعد خافية على أحدٍ لأنها حصلت على مرأى من وسائل الإعلام، وأنه رغم التعتيم الذي مارسته وسائل الدعاية الأميركية فإن ما نشر وسرّب كافٍ ليثبت كم كانت الخطورة كبيرة وجسيمة على البشر والحجر، وقد بينا أن لجوء أميركا إلى القوة المسلحة لم يكن مشروعاً لأنها لم تكن في حالة دفاع مشروع ولم تكن تنفذ قرار دولياً ولم تكن في وضع مقاومة لاستعمار وتمارس حق تقرير مصيرها.
بناء على ما تقدم، يكون فعل أميركا باستعمالها للقوة المسلحة ضد العراق، إنما يقع تحت تعريف فعل العدوان الذي نص عليه قرار الأمم المتحدة 1/3314 تاريخ 14/12/1974 المحدد بشكل واضح ولا لبس حوله كما حددته المادة الأولى من القرار المذكور والتي عرفت العدوان، بأنه استخدام القوة المسلحة بواسطة دولة ضد السيادة أو السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة أخرى أو بأية طريقة كانت تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة.
وهذا التعريف الذي أعطته الأمم المتحدة للعدوان وفقاً لأحكام المادة الأولى من قرارها 1/3314، جاء مشابهاً لتعريف الأستاذ بوليتس الذي ينظر إليه باعتباره التعريف الأساسي للعدوان وإن أضيفت إليه عناصر أخرى وقد ورد تعريف بوليتس في التقرير الذي قدمه إلى مؤتمر نزع السلاح الذي عقد في لندن عام 1933 وفيه اعتبر من قبيل الأعمال العدوانية:
1 - إعلان دولة الحرب على دولة أخرى.
2 - غزو دولة لإقليم دولة أخرى بقواتها المسلحة ولو لم تكن الحرب معلنة بينهما.
3 - مهاجمة دولة بقواتها المسلحة البرية والبحرية أو الجوية إقليم دولة أخرى.
4 - حصار دولة لموانئ أو شواطئ دولة أخرى.
5 - مساعدة دولة لعصابات مسلحة مشكلة على إقليمها بقصد غزو دولة أخرى.
البند الرابع: في توفر كافة أركان جريمة الحرب:
استناداً إلى هذا التعريف للعدوان كما حددته الأمم المتحدة والذي يشابه إلى حد كبير تعريف بوليتس يمكن القول بأن فعل العدوان سنداً للتعريف المشار إليه هو أهم عناصر الركن المادي في جريمة حرب الاعتداء.
وحيث ثبت أن أميركا قامت بفعل العدوان، وأن ما قامت به يقع تحت التوصيف المادي الذي أعطته الأمم المتحدة لفعل العدوان، فإنها بذلك تكون قد إرتكبت جريمة حرب. أي أن فعل العدوان الذي قامت به إنما هو فعل جرمي، يستجمع كافة أركانه المعنوية والمادية.
وطالما أن أميركا بما هي دولة وشخص معنوي قد قامت بفعل العدوان، فإنها بالتالي تكون قد ارتكبت فعلاً جرمياً يخضع لأحكام القانون الدولي الجنائي الذي يوجب توفر الركن الدولي إضافة إلى الأركان الأخرى من معنوية ومادية.
إذاً إن جريمة الحرب التي تقع تحت فعل العدوان كما أشار إليها قرار الأمم المتحدة 1/3314 تستوجب توفر ثلاثة عناصر:
العنصر الأول الركن المادي، أي الفعل المادي ويشمل فعل العدوان، وهذا ثابت بالوقائع المادية والحسية وكما جرت الإشارة إليه.
العنصر الثاني وهو الركن المعنوي: وهذا أيضاً ثابت، لأن أميركا عندما قامت بشن الحرب، فإنها لم تكن في وضع حالة الدفاع المشروع، بل أقدمت على القيام بفعل العدوان عن سابق تصور وتصميم وأنها لم تستجب لكل النداءات التي أطلقت لتحاشي الحرب وقد أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش بعد بدء العمليات العسكرية بأن قرار الحرب اتخذ منه مباشرة.
وهذا يثبت أن قرار شن الحرب على العراق متخذ في دائرة القرار الأميركي أياً كانت نتائج أعمال لجان التفتيش، أنه أثناء نقاش صانعي القرار الأميركي برد على أحداث أيلول/2001، لم يتردد بول وولفينز، والذي كان يشغل يومذاك نائب وزير الدفاع الأميركي، بالقول أن الرد يجب أن يكون في العراق.
وهذا ما يؤكد أن قرار الحرب ضد العراق كان متخذاً وقد بدأ التحضير العملاني له بعد 11 أيلول /2001 مباشرة.
العنصر الثالث الركن الدولي: إذا كان الركن المادي للفعل الجرمي يتوفر بفعل العدوان وإذا كان الركن المعنوي يتمثل بتوفر النية للقيام بفعل العدوان.
فإن الركن الدولي يتوفر في جريمة العدوان يقوم عندما يكون هذا الفعل منفذاً باسم دولة أو عدة دول على دولةٍ أخرى بطريقٍ مباشرة أو غير مباشرة.
وحيث أن أمريكا وهي دولة وفقاً المواثيق والأحكام الدولية هي من قامت بفعل العدوان على العراق وبمؤازرة دول أخرى وبصفتها كشخصية معنوية فإن الركن الدولي يكون متوفراً في هذه الحالة وبالتالي تكون جريمة الحرب التي ارتكبت ضد العراق مستكملةً لكافة أركانها.
وما يؤكد ذلك شهادة شاهدٍ من أهله حيث يقول سكوت ريتر الذي شغل منصب رئيس فرق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق وهو أميركي الجنسية إن غزو العراق كان أبشع جريمة ترتكب حتى الآن وإذا كان التاريخ قد علمنا منها شيئاً فهو أن ندين الأفراد أو الدول التي ارتكبت هذه الجريمة والبلدان التي أغمضت عيناها وصدت آذانها أثناء ارتكاب الجريمة.
البند الخامس: في ترتب المسؤولية والعقوبة:
لقد أجمعت قوانين الجزاء الداخلية وأيضاً تلك المتسمة بطابع دولي على أن الأفعال المادية التي تسبب ضرراً توجب عقوبةً وتعويضاً يوازي الضرر الحاصل سواء أكان مادياً أم معنوياً، وعلى شرط أن تكون هناك رابطة سببية بين الفعل المادي وما يسفر عنه من نتائج ضارة.
إنه من خلال الرجوع إلى ما أسفر عنه العدوان الأمريكي على العراق والذي شكل جريمةً مكتملة الأركان المادية والمعنوية والدولية فإنه يتبين أن ضرراً قد لحق بالعراق إن كان على مستوى حياة الأفراد أو على مستوى الأضرار الأخرى.
إن العدوان بما هو جريمةٌ مكتملة الأركان تسبب بزهق أرواح عشرات الألوف من العراقيين كما نتج عن هذا الفعل العدواني تدمير المرافق الحيوية والحياتية ومؤسسات الدولة مما عطّل دورة الحياة الاقتصادية والخدماتية. إضافةً إلى ذلك فإن العدوان تسبب بالعبث بمخزون العراق التراثي وأدى إلى زهق أرواح خيرة علمائه وكوادره العلمية وتلوث بيئي قاتل ويكفي أن نستشهد بقول وزير خارجية أميركا الأسبق جيمس بيكر الذي قال: "بأننا سنعيد العراق إلى العصر ما قبل الصناعة" ليتبين كم كانت النية الكامنة لدى القوة التي قامت بفعل العدوان مصممةً على إلحاق التدمير الشامل بكل بنى العراق الفوقية والتحتية.
وبما أن أميركا التي افتقرت في استعمالها القوة المسلحة ضد العراق لأي شرطٍ من شروط حالة الدفاع المشروع وبما أنه ما نتج من ضررٍ جسيمٍ عن استعمال هذه القوة كانت بسبب فعل العدوان فإن ذلك يرتب مسؤوليةً على أميركا. وهذه المسؤولية تقع تحت بندين:
1 - بند المساءلة السياسية لأن أميركا قامت بفعل عدواني ضد دولة مستقلة وعضوٍ في الأمم المتحدة والهيئات والمنظمات الإقليمية دون أي مبررٍ أو عذرٍ وبذلك يكون فعلها مهدداً للسلام الدولي انطلاقاً من الفعل العدواني الذي أدى إلى تقويض أركان دولة مستقلة هذا في المساءلة السياسية.
2 - أمّا البند الثاني وهو المساءلة الجنائية فإن أميركا بما ارتكبته من أعمال مادية ولدت أضراراً وكان فعلها مستوفٍ لكافة أركان جريمة الاعتداء وهذا ما يجعل مساءلتها الجنائية مساءلةً قانونية باعتبارها نفذت فعلاً عن سابق تصوّر وتصميم وألحق ضرراً مادياً ومعنوياً بآخرين.
وبما أن أميركا كدولة معتدية تسببت بأضرار مادية وسياسية وبما أن رابطة سببية قائمة بين ما قامت به وما نتج عنه من ضرر فإن فعلها يعاقب عليه وفق أحكام القانون الدولي الجنائي.
وبما أنه لا عقوبة دون نص فإنه في ظل عدم وجود عقوبة محددة لجريمة الاعتداء فإن هذه الجريمة التي ارتكبتها أميركا على السلام العالمي والمجتمع الدولي يجب أن يعاقب مرتكبوها بأقصى العقوبات الدولية المسلّم بها في العرف الدولي وفي محاكمات نورنبرغ وما نصت عليه المادة 77 من نظام روما الأساسي على العقوبات على الجرائم الدولية.
وإذا كانت أميركا لم توّقع على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية، فلكي تبقي نفسها في حلّ من أية مساءلةٍ جنائية دولية عن جرائم حربٍ ترتكبها بصفتها كدولة أو يرتكبها أفراد قوّاتها المسلحة.
وموقف أميركا هذا يجب أن يكون بتصرف المجتمع الدولي وهيئاته وخاصةً الأمم المتحدة بفرض الإلزام على جميع أعضائها باحترام المواثيق الدولية حفاظاً على السلام والأمن الدوليين.
وإذا لم تنجح الأمم المتحدة بفرض الإلزام على أعضائها الإلتزام بالمواثيق التي تنظم العلاقات الدولية فإن العالم سيبقى تحت تأثير قوى الضغط السياسي والعسكري الذي تمارسه دول صاحبة نفوذ بعيداً عن أية مساءلة قانونية ذات طابع دولي.
المراجـع
- "التنظيم الدولي"، د. محمد مجذوب، منشورات الحلبي الحقوقية - الطبعة الثانية، 2006.
- القانون الدولي الجنائي، د. علي عبد القادر القهوجي، منشورات الحلبي الحقوقية، سنة 2000.
- ميثاق الأمم المتحدة.
- قرارات الأمم المتحدة حول تعريف العدوان.
- موقع "البصرة" الإلكتروني
- جريدة "القدس العربي" 28/1/2005.
- "الغارديان" البريطانية 27/1/2005.