حول مؤتمر التحالف الشعبي العربي المقاوم 2006
نقاش الإشكالات والخلافات في أوساط القوى العربية الجذرية
(3-3)
ثالثا/رابعا: المقاومة كـ"مقدس"/دور شعوب المنطقة الأخرى
د. هشام البستاني *
سلسلة من ثلاث مقالات تتناول القضايا الاشكالية التالية:
أولاً: الموقف مما يسمى "الارهاب"
ثانيا: التحليل السياسي للعدوان الامريكي المحتمل على ايران
ثالثا: المقاومة كـ"مقدس" وكـ"ممثل شرعي ووحيد"؛ وموضوع "المصالحة" مع القوى العميلة
رابعا: دور الشعوب الأخرى في المنطقة (الأتراك، الأكراد، الايرانيين، الباكستانيين...الخ)
اختتم المؤتمر التأسيسي الأول للتحالف الشعبي العربي المقاوم أعماله يوم الأربعاء 29/3/2006 بعد ثلاث ايام من النقاش والحوار حول ستة محاور أساسية: المشروع الأمريكي/الصهيوني في المنطقة العربية، سوريا ولبنان، السودان، فلسطين، العراق، ومشروع المقاومة. وصدر عن المؤتمر بيان ختامي وخطة عمل.
الانجاز الأهم لهذا المؤتمر كان جمع المنظمات الشعبية والنشطاء ممن يتبنون طرحا جذريا فيما يتعلق بالقضايا العربية الأساسية لفتح حوار حول القضايا الراهنة والموقف منها، إضافة إلى الخروج ببرنامج عمل ينقلها ولو قليلا من خانة "دعم" المقاومة إلى خانة "الوقوف في خندقها" بحكم أن المعركة مع المشروع الامبريالي والصهيوني في منطقتنا هي معركة مواجهة شاملة بين الشعوب وبين من يريد الهيمنة على هذه الشعوب، وبالتالي تصدق عبارة الروائي السوري حيدر حيدر: "الحياد في زمن الصراع تواطؤ"، ويصبح لازما على الجميع الاصطفاف أما في معسكر الناس أو معسكر أعدائهم.
وضمن النقاشات الدائرة في المؤتمر بين الأطراف المشاركة فيه، برزت قضايا خلافية فيما يتعلق بالتحليل السياسي والموقف المعرفي من عدة مسائل، سأحاول فيما يلي مقاربتها:
ثالثا: المقاومة كـ"مقدس" وكـ"ممثل شرعي ووحيد"؛ وموضوع "المصالحة" مع القوى العميلة
لا جدال في أن المقاومة هي الحالة الأرقى والتي لا يعلو فوقها أي "جهد" آخر، وأن المقاومين هم الأكثر تضحية وليس لأحد أن "يزاود" عليهم في النضال؛ هذان أمران محسومان ماديا وموضوعيا قبل الحسم الأخلاقي، لكن هذا لا يعني أن يتم التعامل مع المقاومة بصفتها ظاهرة ميثولوجية خارج التاريخ، وبصفتها "مقدسا" لا يقارب بالنقد والنصح السياسي خصوصا من جانب المعسكر الداعم لها.
وبنفس الفهم يتم الاصطفاف مع المقاومة والوقوف في خندقها، ليس بدون شروط كما كان يردد البعض، لكن بشرط أساسي هو أن تستمر في المقاومة وبرنامج المقاومة، ففي اللحظة التي يحصل نزوع نحو التسويات والحلول التصفوية والتطبيع مع المحتل ومشروعه، عند ذلك نتحلل من الدعم والاصطفاف إلى جانب "المقاومة" تلك التي ما عادت مقاومة أساسا. طبعا لنا في قصة منظمة التحرير الفلسطينية بكل تفاصيلها وتعقيداتها مثلا حول تحول المقاومة إلى "المفاوضة" والتنازل وما آلت إليه القضية الفلسطينية في النهاية.
ولنا في قصة المنظمة نفسها مثلا آخر في مسألة أخرى هي "التمثيل الشرعي والوحيد"، وهي فخ متقن صنعته الأنظمة العربية ومنظمة التحرير: فالأنظمة أرادت أن تتنصل من القضية الفلسطينية عبر سلخها عن بعدها العربي وإلقائها بكل تفاصيلها ومسؤولياتها إلى منظمة التحرير (التي طالبت هي بذلك أيضا!!) وبالتالي تستطيع تلك الأنظمة أن تبرر تقاعسها وتنازلها فيما بعد بتنازل المنظمة، وتستطيع التعامل مع القضية الفلسطينية بصفتها مشكلة "قطرية" بين "الفلسطينيين" و"الاسرائيليين" وترويجها بهذه الصفة، أما منظمة التحرير السائرة باتجاه "التسوية" مع الصهاينة، فكان لا بد لها من أن تأخذ "شرعية تمثيل الفلسطينيين" (وممن؟ من الأنظمة العربية فاقدة الشرعية!!)، وبشكل "حصري"، حتى تقدم التنازلات دون اعتراض، في حين تستفيد من المسألة القطرية من خلال ترويج مقولتي "تخلي العرب عن فلسطين" و"أننا وحدنا في هذا الصراع" وبالتالي ترويج كذبة عدم وجود مخرج آخر سوى مخرج المفاوضات مع العدو وما تلاها من انهيارات.
الآن يعاد إنتاج مقولة "الممثل الشرعي والوحيد" فيما يتعلق بالعراق، وتلبيس هذه العبارة للمقاومة العراقية التي لم تعد إنتاج تجربة منظمة التحرير الفلسطينية (ونتمنى أن لا تعيدها!). وجه الخطورة هنا أن لا نتعلم من دروس التاريخ فيما يتعلق بمسألة "الحصرية" ومسألة التركيز على "قطرية" المقاومة والانجرار إلى الدعاية الامبريالية فيما يتعلق بالمقاتلين "الأجانب" (أي العرب!!) وإسباغ "الشكل القطري" على مشروع المقاومة العراقية.
يبقى أن نشير إلى مسألة هامة هي موضوع "المصالحة العراقية" التي تضطلع بها الجامعة العربية وبعض الأنظمة، والمقصود بها جمع القوى الرافضة للاحتلال وللعملية السياسية القائمة في كنفه، مع القوى العميلة التي أتت مع الاحتلال و/أو المتواطئة معه و/أو المشاركة في العملية السياسية في ظله. من المفهوم ضمنا ان المصالحة مع الاحتلال أمر مرفوض بالكامل ويعتبر خيانة وطنية بأي منطق سوى منطق العمالة، ومن هنا تشتق القاعدة السياسية البديهية التي تقول إن أي مشاركة في الأطر والعمليات السياسية القائمة في ظل الاحتلال وتحت هيمنته هي تسهيل للاحتلال ومشاركة له في الخداع والهيمنة خصوصا وان الدعاية الأمريكية الأساسية اليوم لاحتلال العراق بعد افتضاح كذبة "أسلحة الدمار الشامل" هي "مشروع إحلال الديمقراطية".
هكذا نستنتج أن القوى المشاركة في العملية السياسية التي يرعاها الاحتلال ويهيمن عليها هي قوى عميلة أيضا. هذا فرغنا منه، ولكن ماذا عن المصالحة مع القوى العميلة؟؟!
أعتقد أن هذا الأمر هو خدعة أخرى لتطبيع الأوضاع مع الاحتلال وإفرازاته وعملائه. الموقف من العملاء واضح دائما: فهم في معسكر العدو ويخدمونه ويخدمون أهدافه، وبالتالي العلاقة الوحيدة الممكنة معهم هي علاقة العداء والمقاومة إلى حين اندحار المحتل وعملائه بالكامل وانهيار مشروعهما، عند ذاك، تأخذ القوى المحررة قرارها فيما يتعلق بأي "مصالحة" أو غيرها (أرجو العودة هنا إلى نموذج المقاومة اللبنانية وتعاملها مع ملف العملاء والاختلاف في التعامل بين ما قبل دحر الاحتلال وما بعد دحر الاحتلال). أما قبل اندحار الاحتلال بالكامل، فأن التعاطي مع القوى العميلة في مؤتمرات ترعاها الأنظمة العربية هي فخ صريح لتطبيع الاحتلال وعملائه.
رابعا: دور الشعوب الأخرى في المنطقة (الأتراك، الاكراد، الايرانيين، الباكستانيين...الخ)
دائما نقول أن الكيان الصهيوني لا يشكل خطرا فقط على المنطقة العربية وإنما على جميع شعوب العالم، وهو تهديد دائم ومستمر للسلم العالمي، بل ان مؤسسة امبريالية مثل الاتحاد الأوروبي تعتبر "حل النزاع الفلسطيني/الاسرائيلي" جزءا من استراتيجية الأمن القومي لها. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالاحتلال الأمريكي في العراق والمقاومة الأسطورية التي نقول أنها رأس الحربة العالمية في مواجهة مشروع الهيمنة للنيولبرالية والامبريالية، وحيث تمثل الهزيمة الأمريكية في العراق ضربة قاصمة ومؤثرة لمشروعها الإمبراطوري.
لكن رغم مقولاتنا هذه، إلا أننا نعود للانغلاق على أنفسنا حين نتقدم لتشكيل جبهة تقف في خندق المقاومة وتدعم المشروع المقاوم، فنقوم بدفع غير العرب إلى خانة "المتضامنين" مرة أخرى عبر استبعادهم من الصيغ التمثيلية والشراكة الحقيقية، هذا رغم مطالبتنا لهم بترك صيغ "الدعم" و"التضامن" واعتبار أنفسهم شركاء في معركة المقاومة، والتي يجب أن يكونوا شركاء فيها حقيقة.
ورغم اهمية تشكيل تنسيق عربي-عربي جذري، إلا أن هناك شعوبا متضررة تماما من المشروع الامبريالي الصهيوني في المنطقة العربية ومن غير العرب، وأركز هنا على كلمة "شعوب" لا الأنظمة التي أرى أنها "طبقات تابعة للإمبريالية وتحقق مصالحها، ولا يمكن أن تكون في المعسكر المناصر لحقوق الشعوب" كما يرد في نص الأرضية الاستراتيجية للتحالف الشعبي العربي المقاوم. وهذه الشعوب هي الأتراك والأكراد والايرانيين، وهي شعوب موجودة تاريخيا في منطقتنا ونتشارك معها في المصالح والآمال بالتحرر والانعتاق وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوجد بها منظمات جذرية تتشارك معنا في الموقف من الكيان الصهيوني والعدوان الأمريكي على العراق وما افرزه هذا العدوان من أشكال وأطر سياسية عميلة وغيرها من المواقف.
ونعلم إن مشروع "الشرق الأوسط الأوسع" الذي تطرحه الإدارة الأمريكية لا يشمل فقط بلدان الوطن العربي، بل يشمل أيضا تركيا وايران وأفغانستان والباكستان، بحيث تتهدد مصالح شعوب هذه الدول أيضا وبشكل مباشر؛ وعليه تكون المواجهة ليست مسؤولية العرب وحدهم بل هي مسؤولية الشعوب المهددة كلها في سياق "الشرق الأوسط الأوسع"، ويكون التحالف الشعبي الواقف في الخندق المقاوم هو تحالف بين جميع شعوب المنطقة بالضرورة، ويتطور من تحالف شعبي عربي – عربي إلى تحالف شعبي عربي – تركي – كردي – ايراني – باكستاني مقاوم للـ"شرق الأوسط الأوسع" وللامبريالية والصهيونية، وهو تطور يوحد جبهة المقاومة ويوسع رقعتها ويطوق المشروع الامريكي/الصهيوني في العراق وفلسطين من جميع الجهات.
* كاتب وناشط في قضايا مناهضة الامبريالية ومقاومة التطبيع من الاردن