بغداد مازالت قلعة الأسود بعد 1096 يوما من الاحتلال

د. عوده بطرس عوده *

لا تبكوا على بغداد في الذكرى السنوية الثالثة لسقوطها بعد حربين تخللتهما فترة حصار همجي امتد 13 عاما 1990 - 2003 تزعمها الرئيسان الأمريكيان المدانان عالميا بالعدوان بوش الأب وبوش الابن!

وإنما ابكوا على حال أمتنا العربية المتخاذلة الراضية بخنوع عجيب، ولو بالإرهاب والتعذيب والتجويع، بأنظمة حكم إقطاعية وراثية مستسلمة بل ومحرضة وشريكة في جريمة العدوانين دون وعى ولا إدراك لما يحل بالأمة العربية من كوارث.

بغداد ما زالت قلعة الأسود، محرّمة على الأمريكان وعملائهم المتاجرين بشرفهم، المتآمرين على وطنهم، فلا يجرؤ واحد منهم على الظهور فيها، ولا يجرؤ الأجانب عامة والأمريكان خاصة على التجوّل في أحيائها وشوارعها بملابسهم المدنية! حتى الجنود المنهارة معنوياتهم المدججون بأسلحتهم ومعداتهم وملابسهم المقاومة للرصاص وخوذاتهم الميدانية الواقية للرأس، يخشون مغادرة دباباتهم خوفا من القناصة البارعين في اصطيادهم! وما من مسؤول أمريكي أو بريطاني أو ممن لهم وحدات عسكرية على أرض العراق وفى مقدمتهم بوش الابن وتابعه بلير رئيس وزراء بريطانيا يجرؤ على الإعلان عن قدومه لتفقد قوات بلاده المتواجدة على أرض العراق، لا عند القدوم ولا وقت المغادرة! ويعلنون هذا الزيارات الخاطفة بعد عودتهم لعواصمهم!

معنى هذا، أن بغداد رغم سقوطها قبل ثلاث سنوات، ما زالت شامخة بكبريائها يتصدى أبناؤها لجيش الاحتلال الأمريكي الذي يملك احدث أنواع الأسلحة التدميرية المتطورة التي تكفى لتدمير الحياة بكل أنواعها على كرتنا الأرضية عدة مرات، ويلحقون به الهزائم المنكرة المتلاحقة التي حطمت معنويات جنوده وجعلت الكثيرين منهم بالألوف يفرون منها مذعورين كافرين بأمريكا! وأودت بحياة الآلاف الذين غدت أفراد أسرهم وأصدقائهم ومعارفهم، وفى مقدمتهم سيندى شيهان التي فقدت ابنها الجندي في العراق يجوبون أرجاء الولايات المتحدة باتساعها، رافعين شعارات تطالب بعودة أبنائهم بأقصى سرعة من جحيم المقاومين المدافعين عن حقهم في حياة آمنة في وطنهم! الذين بتصديهم البطولي حطموا خرافة الجيش الأقوى في العالم على مدى التاريخ وفضحوا أسطورة الرئيس المتربع وحده على القمة الدولية يقهقه مثل قهقهات نيرون الذي طاب له شرب الخمر حتى الثمالة وهو يتفرج على الحرائق المتأججة في أرجاء روما. ورغم أن هذا الرئيس بوش يسجل أدنى الرؤساء شعبية بين الرؤساء الأمريكان قاطبة، فإنه ما زال يتبجح بأنه انتصر على الرئيس صدام حسين، دون أن يدرك بأن صدام ما زال شامخا رغم أنه في الأسر وأن رصيده الشعبي يتزايد، والمقاومة البطولية التي استعد لها وفجرها وقادها مازالت تزداد تألقا وفاعلية.

بغداد التي سقطت قبل 1096 يوما مازالت تسجل بطولات أسقطت بوش الابن من عليائه بمثل ما أسقطت والده من قبله. وفضحت عملاءه الذين ارتضوا المذلة والهوان وجعلوا أنفسهم مطية لأعداء وطنهم ودينهم، في سبيل أن يغتنوا بطريقة على بابا والأربعين حرامي وارتضوا في سبيل ذلك أن يكونوا مأجورين وعملاء للعدو الصهيوني.. هؤلاء احتقرتهم كوندوليزا رايس وزيرة خارجية بوش الابن وبرفقتها تابعها جاك سترو الذي رافقها إلى بغداد في مهمة التوفيق بين العملاء المتصارعين على المناصب الأوسع مجالا للنهب والسرقة عندما صرحت عند رحيلها من بغداد بأن العراق يحتاج إلى رجل بمواصفات صدام حسين دون أن تسميه!

أمريكا الآن بعد ثلاث سنوات من سقوط بغداد تبحث عن سبيل للخروج منها يحفظ لها قطرات من ماء الوجه! وأصحاب إقطاعياتنا يتوسلون إليها للبقاء بقواتها على حسابهم وفي ضيافتهم!

بغداد الآن بعد كل ما أصابها مازالت قلعة المجد والخلود ورئيسها الأسير ما زال وهو الأسير شامخا معتزا بعروبته يهتف عاش العراق. عاشت الأمة العربية.

* عن (العرب) الصادرة في لندن 11/4/2006