رغم أنف الحقيقة

عوني صادق

يريد البعض أن يصور، ويريد بعض آخر أن يتصور، أن ما نراه اليوم من تصعيد وحصار عسكري واقتصادي وسياسي "إسرائيلي" ضد الشعب الفلسطيني إنما هو نتيجة لوصول (حماس) إلى السلطة. وقليلون هم الذين يتذكرون أنه على الأقل منذ العام 2000 لم يتغير أي من الممارسات العسكرية والسياسية "الإسرائيلية" عن ممارسات اللحظة الراهنة. وأقل من هؤلاء يبدون وكأنهم يجهلون أو يتجاهلون أن العبارة "الإسرائيلية" الأكثر رواجا اليوم لتبرير هذا التصعيد وما يتفرع عنه من إجراءات، عبارة (لا يوجد شريك) أو (ليس هناك من نتفاوض معه)، هي عبارة "إسرائيلية" استعملها مؤسس "الدولة العبرية دافيد" بن غوريون منذ اليوم الأول لقيامها وظلت تتردد منذ ذلك اليوم على ألسنة رؤساء الحكومات "الإسرائيلية" إلى شارون وأولمرت.

منذ البداية دأب الزعماء الصهاينة ودأبت الحكومات "الإسرائيلية" على إطلاق كذبة كبرى مفادها أن "إسرائيل" سعت دائما إلى السلام مع العرب والفلسطينيين، ولكن العرب والفلسطينيين هم الذين رفضوا ذلك السلام.

وإذا كان ممكنا أن تنطلي هذه الكذبة في أوقات سابقة، فإن العجيب أن أصحابها لا يجدون حتى اليوم أفضل منها، والأعجب أن تنطلي هذه الكذبة، أو تبدو كأنها تنطلي على الكثرة الكاثرة من الدول والزعماء في عالم اليوم، لكن الأعجب من هذا وذاك أن بعض العرب وبعض الفلسطينيين يتحدثون ويتصرفون في هذه الأيام وكأنهم يصدقون هذه الكذبة، في وقت أصبحنا نجد فيه بين المؤرخين والكتاب الـ...د بل وبين الصهاينة منهم من يعترف صراحة أو مواربة بأنها كذبة.

كتب ميرون رفوبورات في ملحق (هآرتس- 12/8/2005) مقالا بعنوان "يدنا الممدودة ... إلى الحرب" عن كتاب وضعه المؤرخ "الإسرائيلي" آفي شلاييم، أحد من يعرفون بمجموعة (المؤرخون الجدد) والمعنون (السور الحديدي، "إسرائيل" والعالم العربي) الذي فند فيه الكذبة التي نحن بصددها عائدا إلى المراحل الأولى من قيام "الدولة العبرية"، ومؤكداً أن العرب منذ اللحظة الأولى كانوا يريدون السلام وليس "إسرائيل"، لكن "إسرائيل" هي التي رفضته. ويقول بورات ناقلا عن شلاييم: إن القصة الرسمية "الإسرائيلية" تزعم أن "إسرائيل" "مدت يدها للسلام دائما ولكن لم تكن تجد من تتحدث إليه، بينما الحقيقة هي أن العرب هم الذين مدوا المرة تلو المرة أيديهم للسلام وردتها "إسرائيل" دائما وفي كل مرة بعلة مختلفة".

وللبرهنة على صحة ما يقول، يذكر شلاييم مواقف كل من الملك فاروق والملك عبد الله وحسني الزعيم وحتى جمال عبد الناصر، وكيف أن كل أولئك حاولوا البحث عن تسوية للصراع لكن "إسرائيل" كانت في كل مرة تسد الطريق. وعن محاولة حسني الزعيم يقول شلاييم: "خذ مثلا حسني الزعيم (تولى الحكم في سوريا في العام 1949) الذي قال إن طموحه أن يكون الزعيم العربي الذي يصنع السلام مع "إسرائيل". لقد اقترح تبادل السفراء ووافق على استيعاب ربع مليون لاجىء فلسطيني في سوريا... لكن بن غوريون قال أولاً نوقع على اتفاقات وقف إطلاق النار وننظر بعد ذلك"! ويضيف: "قالت "إسرائيل" آنذاك إنه لا يوجد من نتحدث معه".

ويعلق شلاييم قائلا: "والحقيقة هي أنها قالت في الأساس إنه لا يوجد ما يمكن التحدث فيه"! أليس هذا هو بالضبط ما قاله شارون لياسر عرفات ثم لمحمود عباس وهو نفسه ما يقوله اليوم أولمرت لإسماعيل هنية؟

تلك هي الحقيقة وعلى ألسنتهم، وهي تفضح كل ادعاءات ومزاعم قادة "إسرائيل" القديمة والجديدة حول سعيهم إلى السلام، وحول كذبة (لا يوجد شريك، ولا يوجد من نتحدث معه) من بن غوريون إلى أولمرت، وهي حقيقة لا علاقة لها بـ(حماس) أو بوصولها إلى السلطة أو اعترافها وعدم اعترافها بالكيان الصهيوني، فكيف يمكن لهذه الكذبة أن تعيش وتتجدد اليوم، وفي كل يوم، رغم أنف الحقيقة؟ هل السر في قدرة الصهاينة على تزوير الحقائق أم في ضعف العرب في الدفاع عن حقوقهم وتبعية وخنوع معظمهم؟