بين درء المفاسد وجلب المنافع

عوني صادق

إن الرئاسة الفلسطينية في مقابل الكلمات القليلة (المرنة) التي تقولها لوسائل الإعلام (عن احترام الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني، وعن الاستعداد للتعاون مع الحكومة الفلسطينية)، تلجأ في الواقع إلى ممارسات تدفع الأمور إلى ما لا تحمد عقباه بل وإلى ديكتاتورية عجيبة لسلطة تحت الاحتلال لا تملك من أمور السلطة شيئا. أليس من المضحك المبكي، وسط عمليات القصف المتواصل لغزة وعمليات الاغتيال لكوادر المقاومة والأطفال، أن تمنع قوات (الأمن الوقائي)، الذي يفترض أنها تتبع لوزارة الداخلية، رئيس الوزراء من المرور وتجبره على إتباع طريق التفافية، كما يفعل "الإسرائيليون"؟ يذكر أن الرئيس محمود عباس كان قبل يومين فقط من هذه الحادثة قد وضع هذا الجهاز وجهازين آخرين تحت إمرة وإشراف رشيد أبو شباك على أن يكون الرئيس مرجعيته إذا اختلف مع وزير الداخلية!

باختصار، يبدو واضحا أن الرئاسة الفلسطينية وحركة (فتح) تصران على إفشال الحكومة الفلسطينية الجديدة التي لا تريانها إلا (حكومة حماس)، وتتطلعان للعودة إلى السلطة بأسرع وقت ممكن. وهما بما تفعلان ولا تفعلان تتحالفان موضوعيا مع كل القوى والأطراف الخارجية و"الإسرائيلية" التي تريد الوصول إلى هذه النتيجة. وحكومة هنية مهما تمسكت بالهدوء ورحابة الصدر لن تقدر على تقديم شيء مما وعدت به الناخبين الذين فوضوها تشكيل هذه الحكومة، لأنها مضطرة في نهاية الأمر أن تشتبك في مناكفات لا طائل من ورائها، متوهمة أنها بذلك تعمل على تذليل العقبات القائمة في طريقها لمباشرة مهامها التي وعدت القيام بها.

في هذه الأثناء تمارس الحكومة "الإسرائيلية" الانتقالية- الجديدة تنفيذ ما يحلو لها من مخططات بينما يضيع وقت الفلسطينيين ومزيد من حقوقهم. إن هذا الوضع يعيد طرح سؤال قديم جديد هو: وماذا بعد؟

في ظل (سلطة الرأسين) لا أمل يرتجى لمصلحة الشعب والقضية الوطنية، ولن تنفع (خلايا الأزمات) التي يمكن أن تشكلها الحكومة والرئاسة. فالأزمات ليست وليدة ظروف طارئة بل وليدة مواقف سياسية محسومة، على الأقل من جانب الرئاسة. وعندما يعلن محمود عباس لوسائل الإعلام أن (موقف "حماس" من "إسرائيل" غير مقبول) لا يبقى مجال للتفاؤل، وهو بقوله هذا كأنما يقول: على "حماس" والحكومة طبعا، أن تغيرا موقفهما من “إسرائيل”، وهو ما أكده مرات عديدة وفي كل المناسبات في أحاديثه عن وجوب تناغم الحكومة مع كتاب التكليف ومع برنامجه السياسي القائم على المفاوضات و(نبذ العنف) والاعتراف بالاتفاقات الموقعة مع “إسرائيل”. ولا تعني له شيئا حقيقة أن “إسرائيل” لا تريد أن تفاوض، ولم تعترف بأي من الاتفاقات الموقعة، أو أنه لا برنامج لحكومة أولمرت المقبلة إلا ما تسميه “خطة التجميع” ورسم الحدود النهائية لـ "إسرائيل" من جانب واحد.

أما حديث بعض الناطقين باسم "حماس" حول فكرة فصل الحكومة عن الحركة، فهو مثل الأخطاء السياسية التي يقع فيها وزير الخارجية محمود الزهار، إن لم يكشف عن حيرة وارتباك، ولا نريد أن نقول عن تخبط كما يقول خصومها، فهي توحي بأن "حماس" بدأت تفكر في سبل للتوافق مع الضغوطات الدولية والعربية المتناغمة مع ضغوط الرئاسة. بمعنى آخر، كل الأطراف بلا استثناء، بما فيها تلك الأطراف التي تتحدث عن تأييدها ودعمها لحكومة هنية ولا تقدم شيئا عمليا تترجم به هذا الدعم، كل هذه الأطراف تضع أمام حكومة هنية أحد خيارين: الفشل أو أن تتحول إلى صورة أخرى من حكومة أحمد قريع!

في ضوء ذلك، ألا يصبح من الأفضل للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية أن يفرط عقد هذه السلطة ؟ إن ذلك لا يعيد الفلسطينيين فقط إلى المربع الأول، كما قد يقول البعض، بل وأيضا يعيد الاحتلال "الإسرائيلي" إلى نفس المربع، وليتحمل الاحتلال نتائج ذلك، والقاعدة الشرعية تقول: درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، وسلطة أوسلو لم تجلب المنافع لكنها جلبت كل المفاسد.