المفاوضات الأميركية- الإيرانية ومستقبل العراق!
عوني صادق
المفاوضات الأميركية - الإيرانية حول مستقبل العراق تعيد إلى الذاكرة العربية ذكريات أليمة لم ننسها حتى اليوم، ولن ننساها لأننا عانينا وما زلنا نعيش آثارها السيئة، ذكريات ارتبطت بوعود واتفاقات ومعاهدات ظالمة، عقدتها الدول الكبرى في غياب العرب ومن وراء ظهورهم فقسمت وطنهم إلى كيانات تابعة واصطنعت بينها الحدود وزرعت فيها بذور التناقض والخلاف، وأعطى بموجبها من لا يملك من لا يستحق. أقول هذا وفي الذهن "معاهدة سايكس- بيكو" و"وعد بلفور".
وأول ما يتبادر إلى الذهن، مع ما يقال عن المفاوضات الأميركية- الإيرانية المنتظرة، هو التساؤل عن الصفة التي سيفاوض بها لاريجاني نيابة عن العراق في وقت يتم فيه تجاهل الشعب العراقي وكل العرب، ومنذ البداية لم يكن الدور الإيراني غائبا عن كل ما أصاب العراق، فقد كان موجودا دائما وكانت إيران شريكة للولايات المتحدة في غزوتها من قبل ومن بعد، ولكن يبدو أنه أصبح اليوم من المسلمات المقبولة. لقد قال الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، تعليقا على هذه المفاوضات، بأن أية اتفاقات حول العراق من وراء ظهر العرب لن تكون مقبولة، ولكن ماذا فعلت الدول العربية وجامعتها حتى الآن، وهي صاحبة الدور المعروف في موضوع العراق قبل الغزو وبعده؟! والأهم، ماذا يمكن أن تفعل الآن؟ أقصى ما طالبت به قمة الخرطوم لم يتجاوز الدعوة إلى "تشكيل حكومة وحدة وطنية تمهد الطريق لخروج القوات الأجنبية"، لكنها لم تقل لنا كيف، إلا إذا كانت الدعوة إلى عقد "مؤتمر الوفاق الوطني العراقي في موعده المحدد في حزيران المقبل"، والتأكيد على الدور الذي تقوم به الجامعة العربية لعقده و"تحقيق الوفاق الوطني في العراق"، هما عدة العرب وخطتهم لحماية العراق والمحافظة على عروبته!!.
والحقيقة أن العرض الإيراني وعلى النحو الذي جاء به، لا تغطيه (دعوة) عبد العزيز الحكيم ولا تعطيه المشروعية، لكنه يكشف عن أطماع إيرانية قديمة جديدة ليس في العراق وحده بل في منطقة الخليج العربي كلها، (والجزر العربية الثلاث التي تحتلها إيران هي إحدى المعطيات فقط)، كما يكشف عن مواقف وولاءات خطيرة تحملها أطراف تتولى الآن زمام الأمور في العراق بعد أن حملتها إليه دبابات الغزو الأميركي.
كانت طهران تعرف، منذ التحضيرات الأميركية الأولى لغزو العراق، أن الولايات المتحدة ستجد نفسها في نهاية الأمر غارقة في المستنقع الذي هي فيه اليوم، فخططت لهذا اليوم وهي تعرف أن أزلامها وأنصارها، سيكونون جاهزين لتنفيذ ما يطلب منهم في الوقت المناسب. والآن تبين لطهران أن كل شيء ممكن في إطار العلاقة القائمة مع الولايات المتحدة إلا أن تسمح واشنطن لطهران بامتلاك القنبلة النووية.
وهكذا وبعد سنوات من اللعب على حبال المناورات والمفاوضات والمساومات وعمليات الشد والرخي، وصل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن وأصبح على إيران أن تستعمل أقوى أوراقها، فجاءت (الدعوة) وجاء العرض!
إن لاريجاني يريد أن يقلي للأميركيين من دهن العراقيين، مستغلا الوضع الصعب الذي تواجهه قوات الاحتلال الأميركي في العراق والوضع السيء الذي تواجهه إدارة جورج بوش في الداخل الأميركي، وهو يعلم أن واشنطن لا تستطيع أن تدخل حربا الآن مع إيران، حتى ولو كان ذلك من خلال (ضربات انتقائية وقائية).. أما أميركا فهي لا تريد إلا أن تجد مخرجا لها من المستنقع العراقي وبأي ثمن طالما هي لن تدفعه.
إن الوضع الصعب الذي تواجهه قوات الاحتلال في العراق صنعته المقاومة الوطنية العراقية وليس أزلام وأنصار إيران فيه. وإذا كان لاريجاني يستطيع أن يجعل وضع هذه القوات أصعب من خلال أنصاره، وهو لا شك يستطيع، إلا أن ذلك لا يجب أن يكون على حساب عروبة العراق أو وحدة وسلامة أراضيه.
ربما يكون من حق إيران أن تسعى لتحقيق طموحها النووي، كما هو من حق كل الشعوب التي تجد لديها القدرة والفرصة، ما دامت الدول المالكة للأسلحة النووية لا تفكر في التخلص من هذه الأسلحة. أما مستقبل العراق فهو شأن يخص الشعب العراقي، وليس من حق إيران أو أي كان أن يحقق طموحاته على حساب العراق، أو على حساب مستقبله وعروبته. إن مشاكل العراق يحلها الشعب العراقي بنضاله وبمقاومته الوطنية القادرة على إسقاط أية صفقات لا مصلحة له فيها.
أما العرب الغارقين في عجزهم وتخاذلهم، الساكتون حينا والمنافقون حينا، فقد أظهرت تجربة عشرات السنين الماضية أن سكوتهم عما يحاك ضد قطر من أقطارهم يحمل معه، ولو بعد حين، المخاطر نفسها إلى قطر آخر، لقد بدأت لعبة قضم الوطن العربي بتقسيمه ثم باغتصاب فلسطين ولن تنتهي بتفتيت العراق، وفي نهاية الرحلة لن يبقى في المزرعة العربية ثور أبيض أو أسود!