كذبة الحوار وحقيقة التحالف الأمريكي الايراني الصهيوني
عوني القلمجي
من المضحك أن تنسب فكرة إجراء حوار بين أمريكا وايران إلى عبد العزيز الحكيم رئيس ما يسمى بـ"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية". والمضحك أكثر هو تظاهر الطرفان بقبول دعوة الحكيم وكأن مثل هذا الحوار لم يكن له وجود من قبل، في حين أن أمريكا وايران ارتبطا بتحالف وثيق فيما يخص احتلال العراق مثلما تحالفا عند احتلال أفغانستان، وإذا كان هناك من يشكك بهذه الحقيقة ويعتقد بوجود عداء بين أمريكا وايران فعليه أن يعود إلى جملة من الحقائق العنيدة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فأن عددا من الكتاب الأمريكيين اعتبروا أنه لولا المساعدة الإيرانية اللوجستية والتكتيكية للأمريكيين لفشل غزوهم لأفغانستان. وفي هذا الصدد قال على أكبر هاشمي رفسنجانى يوم 8 شباط/فبراير عام 2002 والذي نقلته جريدة "الشرق الأوسط" في اليوم التالي في جامعة طهران: "القوات الإيرانية قاتلت طالبان وساهمت في دحرها ولو لم نساعد قواتهم في قتال طالبان لغرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني ويجب على أمريكا أن تعلم أنه لولا الجيش الإيرانى الشعبي ما استطاعت أن تسقط طالبان". وكما هو الحال في أفغانستان فقد أعلن العديد من القادة الايرانيين بأنه لولا ايران لما تمكنت أمريكا أيضا من احتلال بغداد، والمقصود طبعا الإشارة إلى تعاون أحزابها مثل "المجلس الأعلى" و"حزب الدعوة" مع أمريكا قبل الاحتلال، وتقديم ايران لاحقاً الدعم اللوجستي والتكتيكي للقوات الأمريكية خلال غزو العراق، وأخيراً وليس آخراً الدور الذي لعبه السيستاني رجل ايران في دعم وتكريس الاحتلال.
وجراء ذلك نالت ايران حصتها من الاحتلال في كلا البلدين، ففي أفغانستان تخلصت من حركة طالبان التي تعتبرها ايران عدوة لكونها تنتمي إلى المذهب السني وحصول شيعتها هناك على حصة في السلطة، أما في العراق فقد تخلصت من الرئيس العراقي صدام حسين الذي جرع الخميني كأس السم وقبل بوقف الحرب لينتهي حلمه ببناء "الجمهورية الإسلامية العالمية" وعاصمتها النجف الأشرف، ثم حصول شيعتها على حصة الأسد في السلطة العراقية، والسماح لايران بمد نفوذها في جنوب العراق، وعلى هذا الأساس ظل التعاون والتنسيق قائما بين الطرفين وبكل الأشكال سواء في السر أو العلن. ولم يكن الكيان الصهيوني بعيداً عن هذا التحالف غير المقدس، ولكن دون أن يظهر في الصورة لأن للضرورة أحكامها. إذ كانت ايران تنكر على الدوام علاقتها بهذا الكيان بل وطالب نجادي الرئيس الجديد بالقضاء عليه قضاءا مبرما!!!!.
ولكن ما الذي دعا أمريكا وايران لأن يجريا حوار علنيا بشان العراق وفي هذا الوقت بالذات بعد أن كان الطرفان يقضيان حوائجهما بالكتمان طيلة الفترة الماضية؟
الأمر بسيط جدا فقبل الإعلان عن الحوار بين أمريكا وايران كان كل شي يسير على ما يرام ووفق ضوابط محددة، ولكن في الشهور المنصرمة حدث ما لم يكن في الحسبان، فبالنسبة لأمريكا بجلالة قدرها وهيبتها في العالم وتباهيها بالتها العسكرية العملاقة التي ظنت أنها لا تقهر، قد استنفذت كل ما لديها من قوة لإنهاء المقاومة الوطنية العراقية أو حتى الحد من تصاعد عملياتها المسلحة، وفشلت بالمقابل جميع محاولاتها في بعث الروح في العملية السياسية وكان آخرها إقناع أطراف عراقية ممن يدعون بتمثيل السنة في الاشتراك في تلك العملية البائسة وتشكيل حكومة "وحدة وطنية" عساها أن تعوض عجز قوات الاحتلال عن إنهاء المقاومة الوطنية عسكريا، إلا أن هذه الحكومة المنتظرة لم تر النور لحد الآن لأسباب معروفة، ناهيك عن فشلها في إشعال فتنة طائفية أو حرب أهلية، الأمر الذي وضعها أمام خيارين أحلاهما مر، فإما الهزيمة التي تنهي أحلام بوش وعصابته من المحافظين الجدد في بناء الإمبراطورية الأمريكية، وإما البقاء في العراق وتحمل ما لا يطيقه الشعب الأمريكي من خسائر مادية وبشرية كبيرة.
وبالنسبة لايران فقد تمردت على أمريكا مستغلة ورطتها في العراق وبدأت العمل على زيادة حصتها من الغنيمة، بل وأخذت تخطط لتحقيق مشروعها القديم الجديد في العراق ومنه وضع العراق تحت هيمنتها أو على الأقل جعل منطقة الجنوب محمية ايرانية تكون الممر للوصول إلى لبنان عبر سوريا، ووضع دول الخليج العربي تحت التهديد المستمر جراء وجود حركات شيعية تابعة لايران وخاصة في البحرين والسعودية. وفرض سيطرتها أيضاً على شط العرب منفذ العراق الأساسي على البحار المفتوحة، ليكون الخليج العربي في نهاية المطاف خليجاً فارسياً، الأمر الذي اعتبرته أمريكا خروجاً عن نصوص الاتفاق.
أمام هذا كله لم يعد هناك من مخرج أمام أمريكا إلا العودة لتصحيح الأوضاع بينها وبين ايران التي أصبحت لاعباً أساسياً في معادلة الاحتلال، وإزالة المشاكل العالقة بينهما حول تقاسم الحصص وتحديد مناطق النفوذ وتوحيد موقفيهما في مواجهة المقاومة الوطنية العراقية، وإيجاد السبل الكفيلة في القضاء عليها عسكريا وسياسيا ومنعها من تحقيق مزيدا من الانتصارات التي ستؤدي حتما إلى تحرير العراق وطرد المحتلين سواء كانوا أمريكان أم ايرانيين.
لا تكمن الخطورة في عقد لقاءات مباشرة وعلنية بين ايران وأمريكا وعقد الصفقات بينهما أو حل الخلافات أو تبادل النصائح الخ فهذه كانت قائمة أصلاً، ولا تكمن أيضا كما يركز البعض في إضفاء صفة الشرعية على التواجد الايراني في العراق، إذ ليس هناك من يحاسب ايران على تدخلها في شؤون العراق مادام ذلك يجري تحت سمع وبصر قوات الاحتلال وبرضاها، فالمجتمع الدولي والأمم المتحدة والنظام العربي لا حول لهم ولا قوة في تغير أي ساكن في العراق. لكن الخطورة تكمن في نية الطرفين على وضع خطط جديدة ومنسقة بعناية هدفها القضاء على العراق والبدء بتنفيذ مشروع تقسيمه إلى دويلات طائفية وعرقية، وزج المجتمع العراقي في حروب طائفية وأهلية تحرق الأخضر واليابس، بصرف النظر عن إمكانية فشل هذا المشروع الغادر. ولا أحسب أن من المفيد أن ندعم هذا الرأي بوقائع وأدلة لأن الشروع في هذا المخطط قد بدأ العمل به فعلا وخاصة في الأسابيع الماضية.
فحول إثارة الفتنة الطائفية فأن خير نموذجا عنها ما قامت به قوات الاحتلال ومغاوير الداخلية من تفجير مرقد الإمامين على الهادي والحسن العسكري في منطقة سامراء، وما أعقبها من حرق وتدمير المساجد وقتل الأبرياء ولا زالت هذه الجرائم مستمرة حتى الآن. في حين شرع عملاء الاحتلال بعمليات تطهير في بعض المدن من الطائفة السنية وتجري منذ أيام عمليات هجرة متبادلة بهدف وضع جدار صيني بين المناطق الشيعية والسنية للوصول إلى إقناع العراقيين بتقسيم العراق، ويأتي ضمن هذا السياق تجديد مطالبة الحكيم وبقوة بإقامة "إقليم مستقل" في جنوب العراق على غرار ما حدث في شماله. ولكن الأهم من كل ذلك أن من بين أبرز هذه المخاطر هو عمل الطرفين على تنسيق عسكري بين قوات الاحتلال من جهة والمليشيات المسلحة و"الحرس الثوري الايراني" الذي كثف تواجده في الجنوب والوسط بما فيها العاصمة العراقية بغداد من جهة أخرى، تمهيدا لشن عمليات عسكرية واسعة النطاق على معاقل المقاومة الوطنية العراقية.
ستدخل هذه المؤامرة حيز التنفيذ في خلال الأيام أو الأسابيع القادمة، فقد وصل الوفد الايراني المفاوض إلى بغداد قبل يومين، وستجري المفاوضات دون مشاركة أي جهة عراقية بما فيها أحزاب الاحتلال في السلطة، وهذه تعد سابقة غريبة من نوعها كونها تتعاكس مع القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة والجامعة العربية، حيث يجري تحديد مستقبل بلد مستقل منذ أكثر من ثماني عقود دون علم منه، وهذا يعيد إلى الأذهان ما حدث خلال الحرب العالمية الأولى إذ اجتمعت بريطانيا وفرنسا وقررت تقسيم الوطن العربي وفق اتفاقية أطلق عليها أسماء وزيري خارجية البلدين هما "سايكس وبيكو".
يحدث كل هذا دون اعتراض من أحد لا من قبل الأمم المتحدة ولا من قبل الدول التي تسمى نفسها حضارية وتحترم القانون الدولي، ولا من النظام العربي سوى بعض التمتمات غير المفهومة أو التي لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، في حين يقوم العالم ولا يعقد إذا قتلت شخصية سياسية مثل الحريري أو اختطف صحفيا أجنبيا!، وقد نذكر في هذا الصدد كيف هب عرب أمريكا ومسلميها لمنع حركة طالبان من تدمير تماثيل لرموز دينية، واعتبر هذا العمل تدمير للحضارة الإنسانية. أما تقسيم العراق وإشعال فتنة طائفية في مجتمعه إضافة إلى احتلاله وتدمير تاريخه وحضارته، فهذا لا يعني بالنسبة لهؤلاء شيئا لا من قريب ولا من بعيد!. والأغرب من هذا كله هو ذلك الصمت الرهيب من قبل الجماهير العربية أمام هذه الأحداث فلا مظاهرة خرجت ولا اعتصام حدث ولا إضراب قام في جامعة أو مصنع، ولكن ليس هذا كل شيء فالأحزاب والقوى العراقية التي اعتبرت نفسها معادية للاحتلال، اكتفت هي الأخرى بإصدار بيانات عائمة وغير مفهومة حول هذا الحوار، ناهيك عن أن القادمين الجد للعملية السياسية والذين برروا دخولهم لها بأنهم سيحدون من هيمنة ايران على العراق ويعيدوا له عروبته ووحدته، نراهم صامتين صمت القبور على ما يجري، فها هي ايران وقد شرعنت وجودها في العراق وهي تتفاوض وكأن العراق واحدا من أملاكها وها هي وحدة العراق وقد تجزأت، وعروبته أصبحت في خبر كان في ظل الاحتلال ترى متى تنسحبون من مستنقع الخيانة؟
هل نجد أملاً في إنقاذ العراق من هذه المحنة على يد القوى الخيرة من أبناء شعبنا وفي طليعتها المقاومة الوطنية العراقية وعلى وجه الخصوص منها المقاومة المسلحة؟
بكل ثقة واعتزاز وفخر ومن دون أي تردد نقول نعم، هؤلاء هم من سيحبط كل هذه الخطط الجهنمية وسيسيروا بنا إلى شاطئ التحرير، فالمقاومة أدركت جيدا أنها السبب الذي دفع الأعداء لأن يتحدوا ضدها، وأدركت بأن هدف هذا الاتحاد المطالبة برأسها، ولذلك قالت المقاومة لهؤلاء: انتم تعدون العدة وتشحذون سلاحكم، ونحن نعد العدة ونشحذ سلاحنا أكثر، أنتم تريدون تقسيم العراق ونحن ستحافظ على وحدته بدمائنا، أنتم تريدون أحداث فتنة طائفية ونحن سنقطع الطريق عليكم، أنتم تتحدون على الباطل ونحن نتحد على الحق والباطل دائما كان زهوقا.
لكن هل يجوز لنا أن نكتفي بهذا الأمل ونقف متفرجين على المقاومة البطلة وهي تذود عنا وعن شرفنا وكرامتنا وعرضنا؟
الوطن ملكنا جميعا ومن اجتهد بان طريق التحرير يمكن أن يمر عبر الحوار، أو وفق جداول زمنية أو مشاركة في العملية السياسية، أو من خلال النضال السلمي وحده، عليه أن يعيد النظر ويتقي الله ويعود إلى جادة الصواب، ولنتذكر أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة أو كما قلنا في مقالة سابقة احتل العراق بالقوة ولا يتحرر إلا بالمقاومة.
المؤامرة كبيرة وخطيرة ويجب علينا جميعا التصدي لها ودحرها بكل ما أوتينا من قوة والتاريخ لن يرحم المتخاذلين والمستسلمين، ولا خيار مشرف أمام الجميع سوى الالتحاق في صفوف المقاومة الوطنية العراقية الباسلة لنقترب أكثر من ساعة التحرير.