عدم الاعتراف بـ"حماس" مصادرة لحرية الشعب الفلسطيني

بقلم: علي عويضة - سوريا

لقد ضاقت بيد الولايات المتحدة وحلفائها الحيل، وفشلت أمام شموخ المقاومين من جماعة "حماس" و"الجهاد" و"كتائب الأقصى" كل وسائل التهديد والوعيد، وظلت رؤوس أبناء فلسطين شامخة كالطود، وأفكارهم راسية كالجبال، فلم تترك "إسرائيل" وسيلة لإضعافهم إلا اتبعتها، ولا سبيلَ لتفرقتهم إلا سلكته، فلم تهن لهم قوة، ولم تلن لهم عزيمة، ولم يجد الخور إلى نفوسهم سبيلاً، ولا التفرق إلى صفوفهم ملجأً ومنفذاً.

وزاد في حقد "إسرائيل" وعملائها عليهم، فوزهم المشرّف في الانتخابات الأخيرة للمجلس التشريعي الفلسطيني، مما جعلها تفقد صوابها، وتفقد وعيها، وتشعر بقرب زوالها، وتصدر تهديداتها بحرمان السلطة الفلسطينية من رصيدها المالي وتجميد حساباتها واستحقاقاتها من نصيبها من الضرائب الجمركية. وليت الأمر اقتصر على "إسرائيل"، إذاً لهان الأمر، ويَسُرَ الخطب، بل تعدى ذلك إلى الولايات المتحدة وجوقتها المطبلة المزمرة الدول الرباعية. إذ سرعان ما تداعت إلى عقد اجتماعاتها وأعلنت قطع المساعدات المالية والاقتصادية عن السلطة الفلسطينية المتمثلة بـ"حماس" حتى تعجز عن دفع رواتب الموظفين، وتأمين الخدمات للمواطنين، مما يدفعهم بالثورة عليها والانفضاض من حولها مما يثبت فشلها، فترتمي في أحضان "إسرائيل" والدول المؤيدة لها، وهذا ما كنا نتوقعه من عدونا، ونحسب له ألف حساب.

ولكن ما لم نكن نتوقعه، أن يَصِفَ بعض ولاة العالم العربي أن فوز المقاومين الزائدين عن حمى أوطانهم، المضحين بأرواحهم دفاعاً عن مقدساتهم وصوناً لأعراضهم. كان زلزالاً يفوق خطره زلزال تسونامي المدمر، أو "سقوط" بغداد الأليم. ويصفه البعض الآخر بأنه رجوع إلى العصور البدائية، ورده إلى ما قبل التاريخ ولا يغفر لـ"حماس" فوزها الذي اعتبره أولئك جريمة سياسية نكراء إلا أن تعترف بـ"دولة إسرائيل"، التي احتلت أرضنا، ودنست مقدساتنا، وشردت أهلنا في أنحاء المعمورة، ليعيشوا لاجئين، وملأت مدن وقرى فلسطين بأشلاء أبنائنا وبناتنا مما جعل شاعرهم يفتخر قائلاً:

قد ملأنا الأرض من أشلائهم / فدعوهم يملؤوا الدنيا كلام

وعلى الرغم من كل ذلك، نرى بعض إخوتنا المقاومين، وزملائنا بالانتفاضة الذين نظن بهم خيراً، وكنّا نتوقع منهم كلّ عون. يعلنون عن مقاطعتهم للاشتراك بتحمل المسؤولية بإدارة شؤون البلاد في هذه الفترة العصيبة ويقفون موقفاً سلبياً، عوضاً عن أن يمدوا يد العون لإخوانهم، ويترفعوا عن نزواتهم وشهواتهم التي تأجج نيران الغيرة والأنانية. ويتمثلوا بقول الشاعر العربي:

إن الذي بيني وبين بني أبي / وبين بني أمي لمختلف جداً

إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم / وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

ولا أحمل الحقد الدفين عليهم / وليس زعم القوم من يحمل الحقدا

ثم إذا كان بعض القادة العرب يخشون على عروشهم أن تهتز، وعلى مصالحهم أن تتأثر ويخشون أن تتجرأ شعوبهم المغلوبة على أمرها. فتنادي بإجراء انتخابات حرة تأسياً بالديمقراطية الحقيقية التي مارسها الشعب الفلسطيني.

فاعتبروا ذلك زلزالاً مروعاً، فأسرعوا إلى البيت الأبيض الأمريكي يخطبون وده، ويؤيدون مكره، ويضعون أنفسهم وأوطانهم تحت تصرفاته ضد أبناء جلدتهم، فعليهم أن يعلموا أن عزهم في دينهم، ونصرهم في إخوانهم، وقيمتهم في أوطانهم، وبقاءهم في وحدتهم، وفشلهم في تفرقتهم، ولئن يرعوا جِمَال أمتهم خير لهم من رعي خنازير أعدائهم. وأن تكافلهم مع من يدافع عن وطنه، وقدم روحه فداء لأمته، ليصون عرضها، ويحمي مقدساتها، ويحرر أسراها، خير لهم ألف مرة، من أن يرتموا بأحضان أعدائها، ليكونوا عوناً لهم على أبناء قومهم. فهل يا ترى نرى من قادة أمتنا من تتحرك فيه نخوة المعتصم أو عاطفة أبي طالب نصرةً لابن أخيه، أو غيرة أبي البحتري على من قاطعتهم قريش من المسلمين. فثار وألغى المقاطعة؟ أو حماسة صلاح الدين حينما قاد المجاهدين لتطهير الأقصى وتحرير الوطن الإسلامي من أيدي المحتلين؟؟ أم نبقى نردد ونتمثل قول الشاعر:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه / وأيقن أنَّا لاحقان بقيصرا

فقلت له لا تبكِ عينك إنما / نحاول ملكاً أو نموت فنُعذرا