حياة بلابسي: حكاية من دير ياسين

القتلة المحتلّون هم أنفسهم، وإن اختلف الزمن

رشاد أبو شاور/كاتب وروائي وناقد من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن

عثر رجال الهلال الأحمر، بعد مجزرة (دير ياسين) على جثّة فتاة في قميص النوم، ملقاة بالقرب من طريق فرعيّة، مؤديّة إلى القرية، فتعرّفها بعضهم، فإذا هي المعلّمة حياة بلابسي!

هكذا يبدأ القّاص الفلسطيني الرائد نجاتي صدقي قصّة (حياة بلابسي)، والتي تضمها مجموعته القصصية (الأخوات الحزينات) التي أعدنا إصدارها في طبعة متقشّفة عام 81، عن منشورات الاتحاد العّام للكتّاب والصحفيين الفلسطينيين.

قبل قراءتي لقصة (حياة بلابسي)، وكلّما استذكرت مذبحة (دير ياسين)، تساءلت عن تلك المعلّمة، ولم أجد جواباً.

ولكن ما كتبه الراحل الكبير نجاتي صدقي أعطاني الجواب على أسئلتي.

في الفقرة الثانية من قصّته يخبرنا بلقائه بها: قابلتها لأوّل مرّة في أواخر سنة 1947، وقت أن قدّمت للإذاعة موضوعاً أدبيّاً أرفقته بكتاب تقول فيه: أرجو أن أتمكن من إذاعة حديثي هذا في أقرب فرصة ممكنة.

في الفقرتين الأوليين من القصّة يزوّدنا نجاتي صدقي بحقائق عن تلك الفتاة، وهي أنها شخصيّة واقعية من لحم ودم، وأنها معلّمة القرية فعلاً، وأنه التقاها، ووصله منها موضوع أدبي، وهذا يعني أنها كانت تتهيّأ لتكون كاتبة!

نجاتي صدقي كان آنذاك يعمل في الإذاعة (الشرق الأدنى) التي كانت تبّث من (يافا)، ولها مكاتب في (القدس)، وكان أديباً لامعاً..

يقّص علينا نجاتي صدقي من الواقع، لا من الخيال، ببراعة سارد متمكّن، يعرف كيف يستدرج القارئ، ويسرّب إليه الحقائق بسلاسة تمتع، وتغري بمتابعة القراءة.

تبدأ القصّة وكأنها خبر، فهي تسجيليّة، لا مخترعة، والخبر جذّاب وفيه إثارة، وجملته الأولى تقريريّة: عثر رجال.. الخ.

ثمّ ينتقل بنا الكاتب ليعرّفنا بتلك المعلّمة، ويبدأ من لقائه بها، وبسبب اللقاء، وهو طموحها أن تكتب، وأن يذاع ما تكتبه على الناس، فهي شخصيّة طموحة، موهوبة..

كيف كان اللقاء بين الكاتب والمعلّمة الشّابة صاحبة الموضوع الأدبي؟

نقرأ: وفي عصر أحد أيّام كانون الثاني (يناير) من سنة 1948 وكان الثلج يتساقط بكثرة في القدس، والرياح العاتية تعصف بشدّة، دخلت على (حياة) وقد تدثّرت بمعطف بسيط، ولفّت رأسها بمنديل من الصوف وقد رصّع بقطع صغيرة من الثلج، فظهرت وكأنها إكليل من زهر الليمون، رمز العفّة والطهارة يطوّق رأسها الجميل.. وفي هذه المقابلة عرفت منها مأساتها!

حياة فقدت والدها، وأمّها عليلة طريحة الفراش، وهي كافحت لتكمل تعليمها، ووصلت إلى نهاية المرحلة الثانوية، وكانت تستعّد لتقديم شهادة (المترك)، ولكن الحاجة دفعتها للبحث عن عمل لتعيل نفسها وأمّها وأختها، عينتها دائرة المعارف معلّمة (تكميليّة) في قرية (دير ياسين)، والتي تبعد عشرة كيلومترات غربي القدس، حيث كان عليها أن تمشي يوميّاً من القدس إلى القرية ذهاباً وإيّاباً قاطعةً مسافة عشرين كيلومتراً عبر الأحياء والمستعمرات "اليهوديّة" غربي القدس. كانت حياة مضطرّة للنهوض منذ السادسة صباحاً لتصل القرية، وكانت تأتنس بالفلاّحين السارين إلى حقولهم، والذين مع الوقت باتت بينها وبينهم ألفة وموّدة، فهم يتبادلون الحديث معها مستفسرين عن بنيهم وبناتهم الذين تعلّمهم، وهم يكنون لها الاحترام لجدّيتها وشجاعتها.

حياة بعد وفاة والدتها قررت الانتقال إلى القرية، والإقامة في غرفة من غرف المدرسة، متحمّلة ظروف وحدتها القاسية.

نقرأ في القصّة: ومضت أيّام وأسابيع تأزّمت في أثنائها العلائق بين (دير ياسين) و(المستعمرات) التي حولها، ولم يدر القرويون أن القيادة "اليهوديّة" قد اختارت قريتهم كبدء (مرحلة) جديدة في خططها (العسكريّة)!

أطبقت (العصابات) بألفين من مقاتليها المسلّحين بأحدث الأسلحة على القرية، وبعد معركة غير متكافئة يتمكن المهاجمون من اقتحامها، والتنكيل بأهلها.

هامت (حياة) على وجهها وهي بقميص نومها، وإذ فوجئت باثنين من أهل القرية جرحى، حاولت إنقاذهما بنقلهما إلى مغارة قريبة ليكونا آمنين إلى أن يتّم إسعافهما: فحملت أحدهما على كتفها، وسارت به نحو المغارة، وبعد مسيرة عشرة أمتار مزّق الجو صوت طلقات سريعة فسقط الجريح قتيلاً، وسقطت حياة فوقه مضرّجة بدمائها.

ولكن كيف عرف الكاتب بنهاية (حياة) المأساويّة والبطوليّة في دير ياسين؟ ينهي قصّته بضربة فنيّة بارعة مقنعة تماماً، وواقعيّة، ومن لحم الحكاية: أمّا الجريح الثاني فقد قدّر له أن يعيش، ويروي خاتمة حياة..

وبجملة مباشرة يصف رحلة الفتاة المكافحة الشجاعة (حياة): حياة فتاة تذوّقت الجهاد في سبيل العلم، والأسى في سبيل العائلة، والبطولة في سبيل الوطن..

قصّة (حياة بلابسي) كتبها نجاتي صدقي في القدس، عام 48، وأنا قرأتها عدّة مرّات، وفي ذكرى مذبحة دير ياسين، وبعد أن قرأت الإعلان في (القدس العربي) يوم الأربعاء 29 آذار (مارس) عن تحضير أهالي القرية لإحياء الذكرى، عدت وقرأتها، لا كخبر، أو تحليل للمذبحة، ولكن كنّص فني، يحفظ ذكرى المذبحة، وبشاعة الجريمة، وعظمة كفاح فتاة فلسطينيّة تختصر بنهايتها كّل فصول المأساة..

بيغن تباهي بأن مذبحة دير ياسين أسسّت لقيام "دولة إسرائيل"، بذبح العرب وتخويفهم مما ينتظرهم إن هم تشبّثوا بأرضهم.

بعد أن انهزم بيغن بمقاومة بيروت، اعتزل الحياة السياسيّة، وأقام في بيت غربي القدس، يطل على بقايا قرية (دير ياسين). قرأت أنه كان دائماً ينظر ذاهلاً، غارقاً في تأملاّته، دون أن يفصح عمّا يجري في عقله.

أكان يتساءل عن مصير (الدولة) بعد كل تلك (الانتصارات) الدمويّة، والمذابح التي اقترفتها العصابات التي كان هو أحد قادتها الدمويين؟

يوم 9 نيسان (ابريل) 1948 أزهرت نوافير الدم المتطايرة من أعناق الفلسطينيين: نساءً، رجالاً، أطفالاً، شيوخاً، ومن بعدها في صبرا وشاتيلا عام 82 ذبح الفلسطينيون نياماً، ولكن الـ(حياة) تتواصل، والفلسطينيون لا يموتون تماماً، بل يواصلون الحياة، بنّائين، متلمين، مقاومين، وهم يكتبون رحلتهم شعراً، ونثراً، ولوحات ملوّنة بأزهار نيسان..

وأنا أكتب هذه (الكلمة)، أتابع ذبح الفلسطينيين في العراق، بتهمة أنهم (عرب)، وبرصاص الطائفيين، في زمن الاحتلال الأمريكي الذي دخلت دباباته بغداد يوم 9 نيسان (ابريل) 2003.. تصوروا!: 9 نيسان (ابريل)، نفس يوم ذبح الفلسطينيين في دير ياسين!.. القتلة المحتلّون هم أنفسهم، وإن اختلف الزمن!