استعادة الثقة قبل تنفيذ الإصلاحات

بقلم: الدكتور لويس حبيقة - باحث ومحلل في الاقتصاد من لبنان

من الممكن في أية دولة وضع أفضل ورقة اقتصادية إصلاحية في العالم. تكمن المشكلة في حسن وسرعة التطبيق. في لبنان مثلا، نتكلم عن الخصخصة وندرسها منذ بداية التسعينات لكننا لم نحسن تطبيقها حتى اليوم. في مجموعة الدول النامية والناشئة، خصخصت التشيلي في أواخر السبعينات والمكسيك في منتصف الثمانينات والهند في بداية التسعينات والصين في نهايتها. حققت مجموعتا دول أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية الكثير من مشاريع الخصخصة الجريئة والكبيرة والناجحة في بداية التسعينات. هنالك 78 دولة (حوالي 1015 عملية) خصخصت ما يوازي معدل 39% من رأس المال عبر إصدارات أسهم جديدة بيعت للمواطن في الأسواق المالية الأولية. هنالك 105 دول (2082 عملية) خصخصت 75% من رأس مال مؤسساتها عبر بيع أصولها للشركات الوطنية والأجنبية. هنالك دول عديدة جربت الطريقتين تبعا لطبيعة المؤسسة وتوقيت العملية والأجواء السياسية السائدة. تشير الدراسات إلى تفوق طريقة بيع الأسهم في الدول التي تسعى إلى تطوير أسواقها المالية وتحترم في نفس الوقت كل أشكال الملكية الخاصة عبر قوانين عصرية وقضاء فاعل وعادل.

تشير الدراسات إلى تأثير الخصخصة المدروسة ايجابا على أرباح الشركات وفعاليتها وإنتاجيتها واستثماراتها دون أي تأثير واضح على البطالة. للمقارنة بين الشركات المملوكة من الدولة والأخرى الخاصة، نرى مثلا أن القيمة السوقية لشركتي "غازبروم" و"يوكوز" الروسيتان هي 0,05 دولار و 0,28 دولار لكل برميل طاقة مقارنة ب 13,68 دولار ل"اكسون- موبيل" و 12,98 دولار ل"شيفرون" الخاصتان. فالخصخصة تفيد الاقتصاد لكنها لا تحل كل مشاكل المجتمع. فهي تفعل عمل المؤسسات وتخفف الهدر داخلها وتزيد من حيويتها المالية والإدارية. يبقى لمؤسسات الدولة العامة دورا كبيرا في تأمين الأمن الاجتماعي الضروري للجميع وخاصة الفقراء. هل يمكننا الاستمرار في لبنان مثلا مع خدمات عامة كهربائية ومائية وبيئية وسياحية وصحية وإنشائية وغيرها بالمستوى المتدني والمكلف الذي نعرفه؟ هل يمكننا القبول بالتعريفات المرتفعة التي ندفعها لمؤسسات الدولة كي تستمر في هدرها وسؤ اهتمامها بمصالح المواطن وحقوقه البديهية؟

في لبنان خصخصنا الخليوي في بداية التسعينات بطريقة غير فضلى تحمل الكثير من الانتقادات ذات الطابع المالي والإداري والتقني، لكنها سمحت بتوفير هذه الخدمة الضرورية للبنانيين. ثم ألغينا العقود أيضا بتوقيت غير مناسب ولأسباب غير فضلى كلفتنا الكثير لنوقع عقودا إدارية مع شركتين كويتية وألمانية. هنالك كلام، نأمل أن يكون غير صحيح، عن إمكانية إلغاء هذه العقود لتحقيق الخصخصة من جديد وبالتالي إضافة تكلفات طارئة غير ضرورية على الخزينة والمواطن. لماذا لا ننتظر حتى انتهاء هذه العقود للخصخصة من جديد بطريقة فضلى وشفافة تصب في مصلحة اللبنانيين وتوفر لهم خدمات ذات نوعية عالية غير متأرجحة وبأسعار تنافسية مقارنة بما يحصل في دول المنطقة؟ أهم من طريقة الخصخصة هو تنفيذها بما يتناسب مع مصلحة المواطن والخزينة.

مجددا وضعت الحكومة الحالية ورقة إصلاحية ذات حسنات كثيرة وسيئات عديدة أهمها الزيادات الضرائبية غير المقبولة وغير المبررة في وقت يستمر فيه الهدر ويتعثر تحقيق أي إصلاح إداري يذكر. تكمن المشكلة الأساسية في عدم إمكانية تنفيذ أية إصلاحات في أجواء سياسية وإدارية ومعنوية كالتي نعيش فيها. للبنان تجارب كبيرة وعديدة مع مشاريع إصلاحية بقيت حبرا على ورق كورقة (باريس 2). هل حكومتنا قادرة على تنفيذ إصلاحات جدية في أجواء سياسية علنية متوترة؟ هل يهتم أحد من المسؤولين بالعامل النفسي الكبير وهو عامل ثقة المواطن بالمؤسسات الرسمية على أنواعها ودرجاتها؟ كيف يمكن تحقيق أي تقدم حقيقي وتطبيق أية إصلاحات ذات معنى في وقت يشك فيه المواطن بصدقية الخطاب الرسمي وفعالية مؤسسات الدولة؟ المشكلة الأولى التي على المتحاورين السياسيين مواجهتها وبالتالي على المؤسسات الرسمية معالجتها هي استعادة ثقة المواطن بالمؤسسات، اذ من دونها لا يمكن تحقيق أية إصلاحات حتى لو كانت نظريا ممتازة وفضلى ولا مثيل لها.

هنالك دراسات دولية عدة أجريت على موضوع الثقة وكيفية استعادتها. تقول الدراسات القديمة نسبيا انه يمكن للدولة تحسين ثقة المواطن بها إذا طبقت القوانين وأحيت المؤسسات وأمنت التعليم ووفرت شبكات الآمان للفقراء. لكن الدراسات الحديثة تشير إلى عدم إمكانية تحريك الثقة مباشرة بهذه السياسات الانتقائية، بل ما يجب عمله هو تأمين المناخ العام المناسب الذي يسمح لعامل الثقة بالتحرك من تلقاء نفسه. في مؤشر الثقة تأتي الدول الصناعية في المقدمة (السويد 62,3%، النروج 63,9%، كندا 46,9% ومن جهة أخرى الجزائر 11,2%، أوغندا 7,6%، الفيليبين 6,9% وماليزيا 10,3%).

ما يتجاهله المتحاورون السياسيون هو تأثير ما يجري اليوم من حقائق وإشاعات على الاستثمارات الجديدة في لبنان. لا يختلف اثنان على تأثيرها السلبي على المشاريع الجديدة في الصناعة والزراعة والخدمات. أثبتت النظريات الاقتصادية وجود علاقة ايجابية قوية بين الاستثمارات من جهة والناتج المحلي الفردي من جهة أخرى. ما يحتاج اليه لبنان هو مجموعة قيادات تقتبس ما فعلته الصين سنة 2002 حيث قررت مضافة الدخل الفردي 4 مرات حتى سنة 2020. كي يتحقق هذا الهدف، يجب إحداث نمو سنوي قدره 7,2%. هل يمكن للصين تحقيق هذه النسبة المرتفعة من النمو كل سنة حتى سنة 2020 في غياب قوانين حديثة وقضاء مستقل فاعل وادارة عامة شفافة؟ من الميزات الأساسية للصين تحقيقها نسب توفير مرتفعة أي ما يعادل 39% من الدخل في السنوات الماضية. ستعتمد الصين بشكل أساسي على القطاع الزراعي حيث تزداد الإنتاجية سنويا بمعدل 4%، وهذا مدهش إذا ما قورن بالولايات المتحدة (3,2%) وبريطانيا (3,4%) وتايلاند (2و3%) والهند (2,3%). فالنمو لا يأتي فقط من الصناعة والخدمات وإنما من الزراعة أيضا مما يسمح ببقاء المواطن في الريف ويمنع النزوح المخيف إلى المدن. أما في التعليم الابتدائي، تحقق الصين أعلى نسب انتساب في العالم مما يقوي من فرص النهوض والنمو. هكذا يرتكز النمو الاقتصادي الصيني القوي على عاملين أساسيين هما الإنتاجية الزراعية والتعليم النوعي خاصة في القاعدة. لا شك أن ما تفعله الصين يقوي ثقة المواطن بمؤسساتها العامة حيث وصل المؤشر الى 54,6% أي في جوار الدول الصناعية الديموقراطية.

في لبنان هنالك عجز كبير في الميزان التجاري سببه سؤ تنوع الإنتاج داخليا ورغبة اللبناني تاريخيا بالسلع المستوردة. لا شك أن توافر سلع متنوعة يمكن أن يغير بعض من عادات اللبنانيين، إلا أن عدم توافرها يعود إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج وكثرة العوائق الإدارية وفتح الحدود دون رقيب باتجاهات مضرة وغيرها. لا بد من أن يتنوع إنتاجنا ويتجدد بحيث يسوده الابتكار أكثر تجاوبا مع أذواق المستهلك الداخلي والخارجي. عجز ميزان الحساب الجاري مزمن ومرتفع ويجري تعويضه من الفائض في ميزان رأس المال. لا شيء يؤكد على حتمية استمرار رؤوس الأموال في التدفق إلينا مما يمكن أن يؤثر سلبا مع الوقت على قوة النقد. حالتنا مشابهة جدا في هذا المضمار للولايات المتحدة حيث يتواجد العجز التجاري والمالي الكبير ويضعف الادخار الداخلي ويجري تمويل ميزان الحساب الجاري من الاستثمار الخارجي في الاقتصاد الحقيقي وفي سندات الخزينة. الفارق الأساسي بين الاقتصادين هو قوة ونضوج وتنوع وتطور الاقتصاد الأميركي بشكل فريد ومميز منذ عقود.