القومية العربية حقيقة حية

د. حسن طوالبة/كاتب وباحث أكاديمي من الأردن

قراءة متفحصة للتاريخ العربي نجد أن الأمة العربية لم تعش حياتها في خط مستقيم. بل شهدت حالات مد وجزر، صعود وهبوط، نهوض ونكوص. وفي هذا السياق فإن الحالة التي تعيشها الأمة هذه الأيام، هي في إطار تلك المسيرة، وتلك هي حالة النمو والارتقاء والصعود ثم النكوص والهبوط في مسار الأمم. وحيثما يتوفر للأمة فرص النمو والنهضة في الزمان والمكان، تتعزز روح القومية، وتتوثب نحو التقدم وقطف الثمار، والمقصود بالفرص المتاحة، القيادة التاريخية المؤمنة بالأمة وثوابتها المبدئية، المؤمنة بالله والرسل واليوم الآخر، وتغلب الموت على الحياة، وكذلك وجود فرصة اللقاء والتضامن والوحدة، فحيث تتوفر فرص الوحدة، تكون الأمة في أقصى درجات قوتها وعنفوان إرادتها الحرة من اجل الحفاظ على الاستقلال والسيادة من أي تدخل خارجي.

ومن خلال قراءة صفحات التاريخ يتأكد لنا أن القوى الأجنبية الاستعمارية عملت بشتى السبل للحيلولة دون تحقيق الوحدة العربية، وسعت إلى تفتيت المقسم إلى دويلات دينية وطائفية وعرقية، بهدف القضاء نهائياً على فكرة الوحدة وفكرة القومية العربية، وطرحت أفكاراً جديدة لسد الفراغ في الوطن العربي مثل "مشروع الشرق الأوسط" (الصهيوني) و"مشروع الشرق الأوسط الكبير" (الأمريكي) والشراكة الأورو - متوسطية (الدول الأوروبية) وطرحت كذلك العولمة بكل مضامينها الاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية، لمحو الهويات القومية في العالم ومنها القومية العربية.

وقد وجدت تلك الأفكار الغريبة الوافدة من الخارج من يروج لها في وسائل الإعلام المختلفة، ويدافع عنها، بدعوى أنها سبيل العرب نحو التقدم والرقي والانتقال من حالة التردي إلى حالة النهضة. كما صبوا جام غضبهم على القومية العربية، بدعوى أنها فكرة قديمة عفى عليها الزمن ولا تصلح لمعايشة مستجدات العصر، فالقومية تراث يمكن أن يقرأه المهتم به وكذلك الوحدة العربية فإنها صعبة التحقيق، ولا بد من الاستعاضة عنها باللقاء والاتفاقات الثنائية والجماعية، كما المجالس الإقليمية التي ظهرت منذ أواخر القرن الماضي. وكلما اعتقد دعاة "العولمة" و"الشرق أوسطية" بأن الأفكار التي يدافعون عنها قد أصبحت حقيقة واقعة وان فوائدها اكبر من مضارها، جاءت عناوين الجهاد والصمود في أكثر من بقعة عربية لتبدد تلك الأفكار، وتعيد الأضواء على حقيقة الأمة الواحدة، والحقيقة الحية للقومية العربية، ولأن الفكر القومي العربي حقيقة حية يعيش في وجدان أبناء الأمة، فأنه قابل للتجدد ورفض الجمود والتحجر، لأن الإنسان الذي خلقه الله ليكون خليفته على الأرض، إنسان حي متجدد، وأفكاره حية متجددة أيضاً، وحيوية الأمة، وكذلك حيوية القومية العربية تكمن في الجهاد والنضال والمقاومة، الجهاد الأكبر والأصغر معاً، نضال دؤوب من اجل النهضة والتقدم، ومقاومة التخلف والفقر والمرض، ومقاومة قوى الاستعمار الطامعة في ثروات الأمة وخيرات الوطن الكبير.

إن النظرة الحية للقومية العربية، نظرة عميقة مبنية على أسس روحية وثقافية متمثلة في اللغة والتاريخ والتراث الروحي المشترك لأبناء الأمة العربية، فالقومية قدر محبب للأمة، لأنها ارتباط وجداني مصيري بين الإنسان العربي وأمته. ولم تكتف هذه النظرة بالاهتمام بالجانب الروحي والوجداني فحسب، بل أخذت بعين الاعتبار كل العوامل الخارجية المادية، ولذلك كانت وقفة الأمة الموقف الجهادي من أجل الحرية والاستقلال.

وقف أبناء الأمة بوجه الأفكار الوافدة الغربية، التي تريد النيل من القومية العربية، انطلاقاً من أن القومية العربية هي التعبير الأصيل والعميق عن روح الأمة ورسالتها العظيمة، رسالة الإسلام العظيم. ومن هذا الارتباط العميق بينها وبين الإسلام، جاء وصف القومية المؤمنة، وهذا الوصف لا يعني بأن القومية دينية، بل هي تأصيل وجداني لهذه الصلة بينهما.

لأن الإسلام هو الذي عبر بصدق عن عبقرية القومية العربية، ولذلك فالقومية (جسد روحه الإسلام) والقومية تعتبر الإيمان هو الأساس الخالد والمتميز في عملها التاريخي، وهي التي تعبر عن رسالتها تعبيراً متجدداً مبدعا. وعليه فالقومية العربية غير مقلدة لقومية الغرب المتعصبة، تلك القومية التي فصلت نفسها عن الدين. فالقومية العربية هي الدالة على الإيمان، الإيمان الذي يحتاجه المناضلون والمجاهدون في كل مرحلة انبعاثية جديدة في مواجهة موجات الكفر والشر والعدوان، وموجات التكفير المتزمتة.

الإيمان الصادق هو الذي وحدّ قبائل العرب في يثرب، وحد قبائل الأوس والخزرج وشكلوا نواة الدولة العربية الإسلامية ومنها خرجت نواة الأمة العربية وتحولت العصبية من التعصب إلى القبلية إلى الإيمان بالأمة الموحدة المؤمنة بالإسلام المهيأة لنشر رسالته في كل الأصقاع. إنه وحدة سادتها روح الإخاء والتسامح بدل العداوة والفرقة إيمان ووحدة أهل المدينة أن تصبح مركز الدولة الإسلامية ومنطلق بعثات نشر الرسالة ومنطلق جيوش المسلمين نحو الأمصار لنشر الإسلام فيها.

إن وصف القومية العربية بالمؤمنة ليس إلصاقاً من أجل ثوب جديد، بل هو تعبير دقيق عن حقيقة القومية الحية، ولكي يميزها عن القوميات الغربية المتعصبة. فالقومية المؤمنة تشكل طريق الإيمان الجديد لإنقاذ الأمة مما هي فيه، ونقلها من حالتها المتردية إلى دور أنساني رسالي مميز.

كما أن طرح القومية المؤمنة ليس المقصود به وضع عقيدة بدل عقيدة، أي وضع القومية والدين في موضع التصادم بل يقصد بهذا الطرح إلغاء أي تصور مريض أو خاطئ لإمكانية التصادم بين العروبة والإسلام ولكن المؤكد والصحيح هو حتمية التلازم والتفاعل بين الإسلام والعروبة وليس استبدال احدهما بالآخر أو سحب جوهر كل منهما.

إن القومية العربية هي التعبير الأصيل عن وجود الأمة العربية الأمة التي يمكن أن تشكل ثقلاً سكانياً ومادياً وروحياً قابلاً لأن يفعل فعلاً مؤثراً في تشكيلة العالم اليوم وغداً، كما أنها في شكلها ومضمونها الإيماني هي المؤهلة لأن تصنع منابت حضارية جديدة يمكن أن تعيد للأمة بعض دورها الإنساني الرسالي.