في محاكمة صدام حسين: ماذا لو...؟!

د. حسن طوالبة/كاتب وباحث أكاديمي من الأردن

كُتب الكثير عن محاكمة الرئيس صدام حسين، من وجهات نظر مختلفة قانونية وسياسية، كما اهتمت الفضائيات العربية والدولية بهذا الحدث ونقلت عن المصدر المركزي الذي صور المحاكمة، وسمح ببث فقرات وحجب فقرات أخرى، ومكان التقاط الفضائيات لوقائع المحاكمة، بعد عشرين دقيقة من تصويرها من المصدر الأمريكي المسيطر على المحكمة والمعتقل والمحتل لكل بلاد الرافدين.

أود أن ابدأ مقالتي بافتراض لم يحصل وأقول: ماذا لو نجح الذين تعرضوا للرئيس صدام حسين في قرية الدجيل عام 1982، وأصابوه بمقتل...؟ مثل هذا الافتراض ينقلنا إلى أجواء ذلك العام، حيث كانت الحرب مع ايران قد مضى عليها عامان، ونتصور ما الذي كان سيجري.. ابتهاج في ايران، وغبطة لدى "حزب الدعوة" العراقي الذي يتواجد قادته في ايران، وتمجيد الأشخاص الذين نفذوا عملية اغتيال الرئيس، وسوف تستثمر هذه الأطراف الايرانية الفارسية والتابعة لايران، الأوضاع في العراق بعد صدام حسين للقيام بتمرد في محافظات الجنوب الشيعية، كما حصل فيما بعد عام 1991، وقد يحصل مثل هذا التمرد في قطعات الجيش العراقي في الجبهة، الأمر الذي يقود إلى تراجع القوات العراقية أمام القوات الايرانية التي تتحرك وفق أهداف مرسومة، مفادها احتلال العراق وإتباعه لايران، تمهيدا لإقامة الإمبراطورية "الإسلامية" الواسعة بقيادة (الآيات) في طهران.

إن فشل أو إفشال المحاكمة الايرانية (العراقية) في الدجيل عام 1982 حمى العراق من الوقوع تحت السيطرة الفارسية الطائفية، وحال دون حرب أهلية ربما أبشع وأخطر من الذي يحصل الآن في العراق. فإنقاذ العراق وإفشال مخطط احتلاله من قبل بلاد فارس ثانية، كان المحرك وراء إلحاق العقاب بمن نفذوا تلك المحاولة وكل من كان في صفوف الحزب الذي كان وراءها ويؤيدها. ولاسيما أن محاولة الاغتيال كانت لصالح بلد يدخل مع العراق في حرب طاحنة، فالمحاولة تعد خيانة وطنية لصالح بلد معاد. وعليه فالذي حصل في الدجيل عام 1982 خيانة وجريمة بحق الوطن، وليس جريمة بحق الإنسانية كما يريدها النظام الحاكم المسؤول والمنفذ لمحاولة الاغتيال، إذ أن نظام صدام حسين، لم يذهب إلى أهالي الدجيل بالشكل الذي حصل لأنهم من الطائفة الشيعية، ولم يرتكب جريمة جماعية كما يريد النظام الحالي وأمريكا، بل طبق الدستور الوطني المعمول به، بحق خونة باعوا أنفسهم لجهة أجنبية تدخل مع بلدهم في حرب طاحنة، والبعض يقول أثناء المحاكمة، لو لم يزر صدام حسين الدجيل، لما وقعت تلك الحادثة، إنه منطق افتراضي أهوج، إذ لا أحد في أي بلد يحدد حركة رئيس الدولة، فهو الذي يزور مواطنيه في الوقت الذي يراه مناسباً، وهكذا كان دأب صدام حسين قبل الحرب مع ايران وخلالها، يزور الناس في مدنهم وقراهم وفي بيوتهم، ويزور القطعات العسكرية في مواقع القيادة وفي المواقع المتقدمة في الجبهة، ويسامر الجنود والمراتب ويستمع إلى أقوالهم ويتأكد من هممهم وعزمهم على مواصلة القتال حتى النصر.

ولكن الافتراض الأكثر قرباً من الصحة هو، لو أن "حزب الدعوة" لم يفكر في اغتيال الرئيس في ذلك اليوم وفي ذلك الوقت، لما حصل الذي حصل.

وفي السياق نفسه، يمكن أن يتساءل المرء أيضاً: ماذا لو لم يقم "حزب الدعوة" بسلسلة الأعمال الإجرامية بحق المواطنين والمسؤولين في الحكومة قبل نشوب الحرب العراقية - الايرانية...؟ وبالمقابل من حق الرأي المقابل أن يتساءل أيضاً: لماذا أقصي "حزب الدعوة" عن الحكم في زمن حكم البعث..؟.

بات معروفا أن العراق شهد سلسلة من الانقلابات والثورات منذ عام 1958 وحتى عام 1968 حيث أعاد البعث الكرة ثانية واستلم الحكم بثورة بيضاء وقد شارك في الحكم الحزب الشيوعي العراقي والأحزاب الكردية التي منحها الحكم الذاتي في شمال العراق. أما الأحزاب الدينية، فقد اعتبرت حزب البعث حزباً علمانياً كافراً، وبدأ الافتراق منذ الأيام الأولى، وبدأ الصراع بين الطرفين. وقد لعب شاه ايران دوراً خطيراً في شق وحدة العراق، حتى جاءت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي أوقفت نزيف الدم في شمال البلاد.

العلاقة بين نظام الحكم وبين الأحزاب الدينية علاقة متوترة فيها الترصد والترقب لتحين الفرصة المناسبة للانقضاض على الآخر. وزادت حركتها المعارضة بعد الثورة الايرانية 1979، في ضوء العلاقة الطائفية التي كانت تربط قيادتها بالخميني أثناء وجوده في العراق، وتحولت "المعارضة" من مجرد مواقف وآراء إلى قنبلة وصاروخ يستهدف الأفراد والمؤسسات والشخصيات الحكومية، وترافقت تلك الحوادث داخل العراق مع اعتداءات مسلحة ايرانية ضد المخافر الأمامية والقرى العراقية الحدودية مثل مندلي وزرباطية وخانقين ونفط خانة. وقد صعدت تلك الأحزاب حربها مع النظام حتى وقعت حادثة المستنصرية في أول شهر نيسان 1980، إذ تعرض طارق عزيز إلى اعتداء بالقنابل عند بوابة الجامعة المستنصرية، حيث جاء لكي يفتتح مؤتمر طلبة عدم الانحياز، وسقط في ذلك الحادث عدد من الأشخاص بعضهم من مرافقي طارق عزيز، وزاد التصعيد حدة عندما تعرض "حزب الدعوة" إلى موكب تشييع جنازة من سقطوا في المستنصرية بعد يومين فقط، وسقط العشرات بين قتيل وجريح، وتوالت الحوادث المماثلة ضد الوزراء والمسؤولين والمؤسسات الرسمية، اعتقاداً من "القوى المعارضة" والبلد الداعم لها، "أن العراق بدأ يتهاوى وأن الثورة قادمة لتطيح بالنظام البعثي الكافر، ويكون مصيره مثل مصير شاه ايران".

هذا الكلام الحماسي الناري، كان مقدمة للحرب الفعلية بين العراق وايران، فالمسؤولون الايرانيون كانوا يتبارون في التصريحات الاستفزازية ضد العراق، والعائد إلى تلك التصريحات يجد أنها حرب إعلامية ودعائية ضد النظام في العراق.

والأمر المخيف في هذه التصريحات أنها لا تخفي نيتها المبيتة في إلحاق العراق بإيران و"أن العراق جزء من ايران" وأن "طريق القدس يمر من بغداد" وعلى النغمة ذاتها كانت تصريحات الأحزاب الدينية التي تتخذ من ايران مقرا لعملها.

وفي معرفتنا بصدام حسين المفطور على حب العروبة وحب العراق، أبى أن يكون العراق العربي تابعاً لايران، أو جزءاً منها، فهو كان يعتبر عربستان (الأحواز حالياً) قطعة عربية احتلها والد الشاه بمعونة بريطانية وخديعة للشيخ خزعل والي عربستان، وعندما دخلت القوات العراقية أراضي المحمرة وعبادان، كانت هواجس الماضي تدور في مخيلة صدام حسين.

أسئلة افتراضية لا معنى لها، لأن الذي وقع قد وقع، وها هي "القوى العراقية المعارضة" جاءت مع القوات الأمريكية كي تحكم وتنتقم، ولو كان ذلك على حساب وحدة الوطن، وعليه فمحاكمة صدام حسين انتقام سياسي من أطراف حاولت قتله من قبل.